،(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا),،
لقد خلد التاريخ ذكرهم وآثارهم المادية والمعنوية دالة عليهم، فهي تحكي سيرة رجال عاهدوا الله تعالى ان يسيروا على هدي كتابه وسنة نبيه فزادت دولتهم قوة
الى قوة عددها وعُدَدِها، وسمت نفوسهم على الماديات الى معنويات فأصبح هدفهم واحدا وهم مستميتون في سبيل تحقيقه, ومن هؤلاء القادة الملك (عبد العزيز) رحمه
الله فهو الذي وجد قومه متفرقين يغزو بعضهم بعضا، فوحدهم، ووجد ان الدخيل الأجنبي يحاول ان يجعل له موطأ قدم فأبى الا ان يحقق ما يصبو اليه وهو طرد
الأجنبي وتوحيد الجزيرة العربية، ورسم خطة حكيمة لتحرير البلاد وتوحيدها تحت راية (لا اله الا الله)، فكان الله في عونه وعون ابنائه واتباعه واعوانه وقومه
الذين التفوا حوله يدافعون عن بلادهم ويعيدون الحكم لأهله فوحد البلاد وأمن طرق العباد ورزقهم الله من فضله حتى اصبحت الدولة كالبنيان المرصوص يشد بعضه
بعضا,
وبحثنا حول فترة تاريخية هامة عاشها الملك عبد العزيز مع والده الامام (عبد الرحمن الفيصل) واسرته وبني قومه، فوالده الإمام (عبد الرحمن الفيصل) الذي تولى
الحكم مرتين ابدى فيهما سياسة حكيمة في الاصلاح ولما لم تنجح مفاوضاته مع الاتراك للجلاء عن بلاده قاتلهم عام 1291ه/ 1874م بعد ان انضم اليه اهل الاحساء
ونجد اذ تسبقه سمعته الحسنة وغيرته على ابناء وطنه وعمق شرف المواطنة لديه وحقنا لدماء المسلمين فقد رأى أن يستقر وافراد اسرته ورجاله في بلد يتقى بها شر
الحروب (1) ,
وارسل الامام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود (برقية) مؤرخة في 4 يونيو 1309ه رومي الموافق 1893م/1310 هجري عَرَضَ فيها على الدولة العثمانية ان تسمح له
بالاقامة في مدينة (الزبير) او (الكويت) وكانت الدولة العثمانية قد وجدت نفسها ان تتفق مع الامام عبدالرحمن بن فيصل تقرباً منه, وجاء في (البرقية) المرسلة
من والي البصرة الى الديوان الهمايوني بسراي يلدز رداً على برقية اليه وقام الكاتب الاول (ثريا) بتبليغ ما جاء فيها للباب العالي (الحكومة العثمانية) وتم
اعلام ما جاء في البرقية (للامام عبد الرحمن الفيصل) والتي ورد فيها طلب الامام عبد الرحمن واتباعه وهم زهاء الأربعين شخصاً طلب الاقامة في (قصبة الزبير) ،
الواقعة على مسافة ساعة ونصف الساعة من البصرة او الاقامة في (الكويت), والملف لا يضم غير هذه الوثيقة النادرة وندرتها انها ذكرت رغبة الامام عبد الرحمن
الفيصل آل سعود في سكنى (الزبير) دون ان يرد ذكرها في اي مصدر وليس في الملف ما يتعلق ببرقية الديوان الى الوالي حمدي باشا في سؤاله عما يطلبه الامام عبد
الرحمن الفيصل ولا ما اتخذه الباب العالي من اجراء عقب تبلغه الطلب, اما سبب طلب الامام عبد الرحمن الفيصل الاقامة في مدينة (الزبير) او (الكويت) وعن
جواب الباب العالي على طلبه فلا يمكن الاجابة عليه الا اذا عثرنا على وثائق متممة للموضوع فالبحث مستمر والعثور على الاجزاء المتممة مأمول,
ان الوثيقة من وثائق (يلدز) تقع تحت رقم 79/26 ومؤرخة في 9 يونيو 1309 رومي الموافق 7 ذي الحجة 1310ه في 23 يونيو 1893م واصلها محفوظ في (ارشيف رئاسة
الوزراء العثماني) باسطنبول وجاء فيها: (برقية شفرية من والي البصرة حمدي باشا حول طلب (الامام عبد الرحمن الفيصل) السماح له ولرجاله البالغ عددهم اربعين
نفرا وافراد اسرته - ومنهم عبد العزيز - ان يقيموا في مدينة (الزبير) او (الكويت),،
ومن هذه الوثيقة علمنا ان اقامته في الكويت حدثت بعد هذا التاريخ,
فلقد تطرق طائفة من المؤرخين الذين هم قريبو العهد من الحوادث التي مرت بها البلاد حول مطالبة (الامام عبد الرحمن الفيصل) العثمانيين في ان يسكن (الكويت) ،
،- وحسب علمنا - انهم ذكروا ذلك دون ان يحددوا تاريخاً موثقاً ولا ان يذكروا انه طلب السكنى في (الزبير) (2) , فقال بعضهم انه وصل الى الكويت في الفترة
بين 1310ه الى 1313ه الموافق بين 1893 - 1896م وان الدولة العثمانية وافقت على انتقاله الى الكويت دون ان يشير الباحث الى وثيقة تثبت ذلك او يرفقها ببحثه,
وذكر آخرون انه كان في ضيافة الشيخ محمد آل صباح عام 1310ه ثم الشيخ مبارك في عام 1313ه مدة عامين وبعض العام الثالث من 1310ه ثم الشيخ مبارك في عام 1313ه
مدة عامين وبعض العام الثالث من 1310ه/ 1982م ودون ذكر الشهر, وكتب آخرون ان الامام عبد الرحمن اختار الاقامة في (الكويت) في عام 1309ه/ 1983م، وهذا خطأ
لأن الرسالة التي كتبها الامام يطلب فيها الاقامة بالزبير او الكويت مؤرخة في شهر ذي الحجة 1310ه ولما كان التاريخ (توقيت او اعلام بالوقت) فان ما اورده
البعض دون الاشارة الى وثيقة تحدد تاريخ دخوله الى الكويت بينما سكناه الكويت حدث بعد ذلك التاريخ, ويمكننا ان نحدده كما ان احداً لم يذكر ان (الامام عبد
الرحمن بن فيصل آل سعود) قد طلب ان يسكن مدينة الزبير وانه كتب في طلبه للدولة العثمانية برغبته في سكنى (الزبير) وجعلها تسبق طلبه لسكنى (الكويت) وهنا
نتساءل: لماذا قدّم - بتشديد الدال - الامام عبد الرحمن بأن يسكن (الزبير) في برقيته المرفق صورتها على سكناه في (الكويت)؟,
والتاريخ يستند على (الرواية والدراية والآثار المكتوبة او البادية للعيان) , فالرواية مستندة والحالة هذه على هذه (الوثيقة العثمانية) المرفق صورتها, اما
الدراية فهي ان الامام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود اختار (الزبير) لانها مدينة اسسها النجديون وعمروها وبقوا ولا زالوا على ولائهم لاهلهم ولموطنهم الأول
وهو بلاد نجد بمدنها وقراها فقال شاعرهم
يا راكب الحمراء وقيت العدى ان عاينت عيناك نجدا فانزل نجد بلاد فاخرت شهب السما فازت بقوم كالبدو الكمل |
ولا تجد في (الزبير) غير أسر نجدية نزحت في فترات من التاريخ لاسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية وقلما تجد اسرة في نجد الا وتجد منها نسبة في مدينة
الزبير, فالامام عبد الرحمن كان يرغب في سكنى الزبير بين اهله وبني جلدته من قومه الذين سبق وان استقبلوا الداعية والامام المصلح السلفي (الشيخ محمد بن
عبد الوهاب) بعد ان واجه اشد الأذى في البصرة فأخرجوه منها وقت الهجيرة ولما توسط الدرب فيما بينها وبين بلد (الزبير) ادركه العطش واشرف على الهلاك ماشياً
لوحده متجهاً الى الزبير فوفاه رجل يقال له (ابو حميدان) (3) وهو من اهل الزبير فسقاه الماء وحمله على دابته الى مدينة الزبير المتمذهب اهلها المذهب
الحنبلي فأكرموه ونصروه بعد ان وجدوا دعوته خالصة لله ومستندة على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة, وكانوا ولا زالوا على العهد يواكبون السير في
ركاب الدعوة السلفية ومن ناصرها تحت ظل القيادة الحكيمة من آل سعود,
ومن العوامل الاخرى التي جعلت الامام عبد الرحمن يطلب السكن في (الزبير)، موقع بلدة (الزبير) الجغرافي على طريق التجارة الى العراق والمطل على الخليج
العربي من جهة وبينها وبين نجد من جهة اخرى فهي والحالة هذه تقع على مشارف الصحراء وعلى ضفاف الخليج العربي وعلى مقربة من (سوق الشيوخ والخميسية) التي
كان جل اهلها قد نزحوا وقتئذ من نجد وتمر القوافل التجارية صوب العراق والشام الى حلب فكانت مدخلاً للتجار النجديين الذين استقروا في الزبير وينتقل بعضهم
الى الهند لبيع الخيول العربية الاصيلة التي تجد لها رواجاً هناك وجلهم اخذوا مكانتهم في التجارة في الزبير والبصرة وكان التوفيق حليفهم لما عرف عنهم من
امانة وصدق معاملة واخلاص ووفاء وهاتيك لعمري من صفات التاجر الذي يمليه عليه ايمانه بعقيدته السمحاء وعروبته الصريحة,
ان هذه العوامل وغيرها ادت الى ان يكتب الامام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود للدولة العثمانية رغبته في ان يسكن الزبير ولم نعثر على جواب السلطة العثمانية
ولا اشارة من كتابات السلطة البريطانية,
وجدير بالذكر فان الزبير ظلت الموضع المناسب للامام عبد الرحمن ولابنه الامير والسلطان والملك عبد العزيز يفضل الاجتماع في الزبير حين يطلب منه ذلك، فقد
طلبت الدولة العثمانية من شيخ الكويت ان يتوسط لدى الامام عبد الرحمن بن فيصل لان يجتمع مع الوالي مخلص باشا في (الزبير) لحل المشاكل التي قد تحدث وقتذاك
فحدث الاجتماع بعد معركة (الشنانه) او ما تسمى وقعة (وادي الرمة) التي انتصر فيها الامام عبد العزيز على ابن رشيد وذلك في 18 رجب 1322ه الموافق سبتمبر
،1904م, وفي الزبير حضر والي البصرة العثماني الى الزبير واجتمع مع الامام عبد الرحمن الفيصل كما حضر الاجتماع الشيخ مبارك آل صباح ولم يثمر الاجتماع عن
نتيجة وذلك لان الامام عبد الرحمن رفض اي تدخل اجنبي في شؤون بلاده (4) ,
وفي رسالة وجهها الوالي العثماني بالبصرة (مخلص باشا) الى قائمقام في الكويت الشيخ مبارك آل صباح مؤرخة في 28 رمضان 1322ه الموافق 6 ديسمبر 1904م جاء
فيها: ان مخلص باشا يوافق على الاجتماع بالامام عبد الرحمن الفيصل في احد المواقع المناسبة (كالزبير) لحل المشاكل المتعلقة بدون حاجة للسوقيات العسكرية
،(5) وحدث ذلك الاجتماع ايضاً,
فالزبير موضع مناسب للاجتماع يفضله الامام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود والشيخ مبارك آل الصباح وذلك لتوفر الامن بين الرعايا السعوديين من اهل الزبير لذا
لبى الامام عبد الرحمن والشيخ مبارك اي اجتماع يعقد في مدينة الزبير, فلا غرو اذا ما رأينا الامام عبد الرحمن الفيصل يفضل ان يقيم في (الزبير) فان لم تتم
الموافقة يقيم في (الكويت),،
الخلاصة ان تاريخ اقامة الامام عبد الرحمن الفيصل في الكويت حدث في اوائل عام 1311ه وانه طلب الاقامة في (الزبير او الكويت),, وسبب اختلاف المؤرخين في
تحديد وقت اقامته في الكويت هو ان بعضهم يقول: رأيت اكداساً من الاوراق المهملة وسجلات حكومية في دارة الامارة في عام 1343ه/ 1924م فكتبت تاريخ الجزيرة
العربية في القرن العشرين وضمنتها هذه الأوراق مع معلوماتي الخاصة والتي لم اصل فيها لأي درجة الكمال في البحث لنقص بعض المستندات التاريخية (6) وان من
عاصر الملك عبد العزيز وكان مترجماً في ديوانه منذ مايو 1926م 1344ه مرافقا له في كل اسفاره وحروبه حتى وفاته, وقد دون عن حياة الملك عبد العزيز الا انه
يقول: لقد مضى على تركي العمل اكثر من اربعين سنة ولم تعد ذاكرتي كما كانت من حيث القوة والكمال ولكني بذلت جهدي واملي ان يعذرني القارىء على ما يجده من
اخطاء فيما كتبت,
وهذا يدل على ان من يكتب بعد اربعين عاماً من تاريخ وقوع الحوادث التاريخية سيجعل من عامل النسيان مجالا للخلط وعدم الدقة في سرد الحوادث وذكر الاسماء
والمواضع وعدم الدقة في التوقيت التاريخي (7) ,
،* مدير مركز الوثائق التاريخية/ البحرين, نائب الامين العام لمراكز الدراسات والوثائق في الخليج العربي والجزيرة العربية, نائب رئيس تحرير مجلة الوثيقة في
البحرين
الهوامش:
،(1)ابراهيم جمعة، الأطلس التاريخي للدولة السعودية ص 127، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، عن امين سعيد, تاريخ الدولة السعودية المجلد الأول، دار الكتاب
العربي بيروت ص 181,
،(2) جون فلبي، العربية السعودية، مكتبة لبنان 1955، ص 235، والزركلي, الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز طبع في بيروت ط4، 1984م ص 19 و20, والدكتور خالد
السعدون، العلاقات بين نجد والكويت، ص 42, وحافظ وهبه، جزيرة العرب في القرن العشرين, ط5، القاهرة 1968، ص 241, ومحمد المانع, توحيد المملكة العربية
السعودية ط1، طبع في الدمام 1982م ص 36، وابراهيم بن صالح بن عيسى بعض الحوادث الواقعة في نجد ط1، دار اليمامة بالرياض 1966م، ص 197 و198,
،(3) فصيح بن صبغة الله الحيدري, عنوان المجد في احوال بغداد والبصرة ونجد، ص 123، مخطوط وعثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، الجزء الاول ص 8, الرياض
د, عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، السحب الوابلة على طبقات الحنابلة ص 16,
،(4) الاطلسي التاريخي ص 144,
،(5) رسالة مخلص باشا الى الشيخ مبارك باشا آل صباح، مؤرخة في 24 مايس 1320 رومي الموافق 28 رمضان 1322ه 6 ديسمبر 1904م,
،(6) حافظ وهبة، مقدمة الطبعة الاولى 1954م,
،(7) محمد المانع ص 18 و19,