همدان وأ كاذيب ابن الحائك
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري
قال الهمداني: وكان همدان يسمى تلاد الملك، وفي ذلك يقول ابن الزبير الاسدي يؤنب مضر في هدم (1) دار أسماء بن خارجة
فلو كان من همدان أسماء أ ظهرت
كتائب من همدان صعر خدودها
لهم كان ملك الناس من قبل تبع
يقود وما في الناس حي يقودها
وذكر أن تبعاص الملك ابن ليزيد بن عمرو بن همدان (2) ,
وقال الاستاذ محب الدين الخطيب معلقاً على نص الهمداني: أسماء المذكور في البيت الأول هو أسماء بن خارجة الفزاري، ولابن الزبير مدائح فيه كانت مذكورة على
كل لسان، ومنها داليته التي انتزع منها صاحب الإكليل هذا الشاهد، وأولها
تأوب عين ابن الزبير سهودها
وولى على ما قد عراها جهودها
وهي في الأغاني (27/13 بولاق)، لكن البيتين في رواية أبي الفرج,
فلو كان من قحطان اسماء شمرت
كتائب من قحطان صعر خدودها
ثمانون ألفاً دين عثمان دينهم
كتائب فيها جبرئيل يقودها
وليس في البيتين ذكر لهمدان وتبع (3) ,
وقال: وأكثر النسابين ينسبون تبعاً الملك في بني الصوار بن عبد شمس الأصغر بن وائلة بن الغوث بن حيدان بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، وانظر
مادة علة في شمس العلوم لنشوان الحميري (4) ,
قال أبو عبد الرحمن: هذا نموذج لأكاذيب الهمداني وتزييفه: بتلفيق الأخبار الثابتة، والدعاوى المكذوبة، ونسبة الشعر إلى غير قائله لهذا الغرض، وجعله في غير
مناسبته,
قال أبو عبد الرحمن: تتبعت مادة كتب الهمداني فوجدتها لا تعدو ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أسماء مواضع وبيان حدودها,
والأمر الثاني: أنساب قبائل تفريعاً وتأصيلاً,
والأمر الثالث: تاريخ أحداث وأخبار قبائل,
فأما الأمر الأول فهو حجة فيه: لأن الكلام عن أمر محسوس ماثل,, وليس وصف المواضع وتحديدها من أحداث التاريخ المسموعة غير المشهودة، ولأنه لا هوى له في هذا
الفن، ولا قدرة له في جعل جبل أبي قبيس جنوب صعدة!,
وأما الأمر الثاني فهو متهم فيه إذا كانت المسألة مسألة قحطاني وعدناني، وهو معروف بتعصبه تعصباً سهَّل عليه الكذب,
وأما الأمر الثالث فقد تتبعته أيضاً فوجدته على أربعة أنحاء:
النحو الأول: نقل تاريخي ينقله عن غيره من الكتب الموثقة والأعلام المعروفين,
وهذا أندر من الكبريت الأحمر في كتبه,
والنحو الثاني: نقل أساطير وأكاذيب لم يضعها هو، وإنما هي من سمر العصور قبله, وفي حشو الأخباريين منذ كُتِبِ ابن شربة، ووصايا الملوك، ومثالب القبائل
التي اختلقها الشعوبيون ما يغثي ويؤذي من الكذب,
والنحو الثالث: تصرف في النقل كأن ينسب بالتعمد الشعر المأثور إلى غير قائله، ويحتج به في دعوى كاذبة يجعلها سبباً للشعر، وربما اضاف إلى الشعر المأثور
شعراً مزوراً,, وأكذوبة الهمداني هاهنا من هذا النحو,
والنحو الرابع وهو الأكثر: اختلاق حكايات وأخبار وأشعار وأعلام مما لا مصدر له غيره، وأكثره نظم بارد متأخر لا يليق بشعر العرب المحكي عنهم في تلك القرون،
وقام المعارض الصحيح لأكثر تلك الأخبار,
والأبيات لا علاقة لها بهمدان، وهي حول هدم دار أسماء بن خارجة مع خلاف في قصة الهدم فصَّله أبو الفرج بقوله عن أسباب كراهية الشيعة لأسماء: أخبرني أحمد
بن عيسى العجلي بالكوفة قال: حدثنا سليمان بن الربيع البرجمي قال: حدثنا مضر بن مزاحم: عن عمرو بن سعد: عن أبي مخنف: عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي
الكنود,, وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا ابن سعد: عن الواقدي,, وذكر بعض ذلك ابن الأعرابي في روايته عن المفضل (وقد دخل حديث
بعضهم في حديث الآخرين): أن المختار بن أبي عبيد خطب الناس يوماً على المنبر فقال: لتنزلن نار من السماء تسوقها ريح حالكة دهماء حتى تحرق دار أسماء وآل
اسماء,, وكان لأسماء بن خارجة بالكوفة ذكر قبيح عند الشيعة يعدونه في قتلة الحسين عليه السلام؛ لما كان من معاونته عبيدالله بن زياد على هانىء بن عروة
المرادي حتى قتل، وحركته في نصرته على مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد ذكر ذلك شاعرهم فقال
أيركب أسماء الهماليج آمنا
وقد طلبته مذ حج بقتيل
يعني بالقتيل هانىء بن عروة المرادي,
وكان المختار يحتال ويدير في قتله من غير أن يُغضب قيساً فتنصره، فبلغ أسماء قول المختار فيه، فقال: أو قد سجع بي أبو إسحاق,, لاقرار على زأر من الأسد!؟,
وهرب إلى الشام، فأمر المختار بطلبه ففاته، فأمر بهدم داره، فما تقدم عليها مضري بتة؛ لموضع أسماء وجلالة قدره في قيس، قتولت ربيعة واليمن هدمها، وكانت
بنو تيم الله وعبد القيس مع رجل من بني عجل كان على شرطة المختار، فقال في ذلك عبدالله بن الزبير
تأوب عين ابن الزبير سهودها
وولى على ما قد عراها هجودها
كأن سواد العين أبطن نحلة
وعاودها مما تذكر عيدها
مخضرة من نحل جيحان صعبة
لوى بجناحيها وليد يصيدها
من الليل وهناً أو شظية سنبل
أذاعت به الأرواح يذري حصيدها
إذا طرفت أذرت دموعا كأنها
نثير جمان بان عنها فريدها
وبت كأن الصدر فيه ذبالة
شبا حرها القنديل ذاك وقودها
فقلت أناجي النفس بيني وبينها
كذاك الليالي نحسها وسعودها
فلا تجزعي مما ألم فإنني
أرى سنة لم يبق إلا شريدها
أتاني وعرش الشام بيني وبينها
أحاديث والأنباء يمني بعيدها
بأن أبا حسانَ تَهدِمُ داره
لكيزٌ سعت فساقُها وعبيدها
جزت مضراً عني الجوازي بفعلها
ولا أ صبحت إلا بشرِّ وجودها
فما خيركم لا سيدا تنصرونه
ولا خائفا إن جاء يوما طريدها
أخذلانه في كل يوم كريهة
ومسألة ما إن ينادي وليدها
لأمكم الويلات أنَّى أتيتمُ
جماعات أقوام كثير عديدها
فيا ليتكم من بعد خذلانكم له
جوار على الأعناق منها عقودها
لم تغضبوا تبا لكم إذ سطت بكم
مجوس القرى في داركم ويهودها!،
تركتم ابا حسان تهدم داره
مشيدة أبوابها وحديدها
يهدمها العجلي فيكم بشرطة
كما نب في شبل التيوس عتودها
لعمري لقد لف اليهودي ثوبه
على غدرة شنعاء باق نشيدها
فلو كان من قحطان اسماء شمرت
كتائب من قحطان صعر خدودها
ففي رجب أو غرة الشهر بعده
تزوركم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفاً دين عثمان دينهم
كتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمت
ففي النار سقياه هناك صديدها
وقال ابن مهرويه:(أخبرني به الحسن بن علي عنه): حدثني عبدالله بن أبي سعد قال: حدثني علي بن الصباح: عن ابن الكلبي: أن مصعب بن الزبير لما ولى العراق
لأخيه هرب أسماء بن خارجة إلى الشام، وبها يؤمئذ عبد الملك بن مروان قد ولي الخلافة، وقتل عمرو بن سعيد، وكان أسماء أموي الهوى، فهدم مصعب بن الزبير داره
وحرقها، فقال عبدالله بن الزبير في ذلك
تأوب عين ابن الزبير سهودها
وذكر القصيدة بأسرها,
وهذا الخبر اصح عندي من الأول؛ لأن الحسن بن علي حدثني قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب قال: لما ولي مصعب
بن الزبير العراق دخل إليه عبدالله بن الزبير الأسدي، فقال له: ايه يابن الزبير: أنت القائل
إلى رجب السبعين أو ذاك قبله
تصحبكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا نصر مروان دينهم
كتائب فيها جبرئيل يقودها
فقال: أنا القائل لذلك، و إن الحقين ليأبى العذرة (5) ، ولو قدرت على جحده لجحدته، أصنع ما أنت صانع,
فقال: أما إني ما أصنع بك إلا خيراً,, أحسن إليك قوم فأحببتهم وواليتهم ومدحتهم,
ثم أمر له بجائزة وكسوة،ورده إلى منزله مكرماً، فكان ابن الزبيير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره، فلما قتل مصعب بن الزبير اجتمع ابن الزبير وعبيدالله بن زياد
بن ظبيان في مجلس، فعرف ابن الزبير خبره (وكان عبيدالله هو الذي قتل مصعب بن الزبير) فاستقبله بوجهه وقال له:
ابا مطر شلت يمين تفرعت
بسيفك رأس ابن الحوارس مصعب
فقال له ابن ظبيان: فكيف النجاة من ذلك؟,
قال: لا نجاة,, هيهات,, سبق السيف العذل,
قال: فكان ابن ظبيان بعد قتله مصعباً لا ينتفع بنفسه في نوم ولا يقظة، كان يهول عليه في منامه فلا ينام، حتى كل جسمه ونهك، فلم يزل كذلك حتى مات (6) ,
قال أبو عبد الرحمن: ومن أخبار همدان في الجاهلية ما ذكره ابن جرير الطبري بقوله: وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة اصابت فيها همدان من مراد ما
أرادوا حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الرزم، وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك،ففضحهم يؤمئذ، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك
فإن نغلب فغلابون قدماً
وإن نهزم فغير مهزمينا
وإن نقتل فلا جبن ولكن
منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال
تكر صروفه حينا فحينا
فبيناه يسر به ويرضى
ولو لبست غضارته سنينا
إذ انقلبت به كرات دهر
فألفى للألى غبطوا طحينا
ومن يغبط بريب الدهر منهم
يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا
ولو بقي الكرام إذن بقينا
فأفنى ذالكمُ سروات قومي
كما أفنى القرون الأولينا (7) ,
وقال: حدثنا ابو كريب، وسفيان بن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة قال: أخبرنا مجالد قال: حدثنا عامر: عن فروة بن مسيك قال: قال رسول الله: أكرهت يومك ويوم
همدان؟,
فقلت: إي و الله,, أفنى الأهل والعشيرة,
فقال: أما إنه خير لمن بقي (8) ,
وقال:كتب إليَّ السري: عن شعيب: عن سيف: عن عطية: عن عمرو بن سلمة قال: وكان من أمر فروة بن مسيك أنه كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً،
وقال في ذلك
لما رأيت ملوك حمير أعرضت
كالرجل خان الرجل عرق نسائها
يممت راحلتي أمام محمد
أرجو فواضلها وحسن ثنائها
وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له: هل ساءك ما لقي قومك يوم الرزم يا فروة، أو سرك؟,
قال: ومن يُصَب في قومه بمثل الذي أصبت به في قومي يوم الرزم إلا ساءه ذلك,
وكان يوم الرزم بينهم وبين همدان على يغوث (وثن كان يكون في هؤلاء مرة وفي هؤلاء مرة)؛ فأرادت مراد أن تغلبهم عليه في مرتهم ، فقتلهم همدان ورئيسهم الأجدع
أبو مسروق؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن ذلك لم يزدهم في الإسلام إلاخيراً,
فقال: قد سرني إذ كان ذلك (9) ,
وعن أخبار همدان في الإسلام قال الحافظ ابن جرير عن سنة 10ه: وفيها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب في سرية إلى اليمن في رمضان، فحدثنا
أبو كريب، ومحمد بن عمرو بن هياج قالا: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأزجي قال:حدثنا إبراهيم بن يوسف: عن ابيه: عن أبي إسحاق: عن البراء بن عازب قال: بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن سار معه، فاقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي
صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأمره أن يُقفِل خالد ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه,
قال البراء: فكنت فيمن عقب معه، فلما انتيهنا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى بنا علي الفجر، فلما فرغ صفنا واحداً، ثم تقدم بين أيدينا،
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما
قرأ كتابه خر ساجداً، ثم جلس، فقال: السلام على همدان، السلام على همدان,, ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (10) ,
قال أبو عبد الرحمن: ومن أخبار همدان في الموصل ما ذكره ابو زكريا الأزدي عن سنة 202ه: وفيها قتل علي بن الحسن الهمداني الموصلي ومن قتل معه من أهل بيته،
وكان السبب في ذلك ما أخبرني صدقة بن محمد بن علي بن حرب: عن جده قال: كان سبب الفساد بين بني الحسن وبين الأزد، وكان بدؤه: ان علياً ومحمداً خرجا
يتطاردان ومعهما جماعة من قومهما من الأزد واليمن، فاجتمعوا على جبل التنين، فلما نظر إلى رستاق نينوى والمرج قال أحدهما صلاحبه: نعم القريتان لإنسان وا
حد,
فقال بعض الأزد: ما نعمل نحن؟,
قال: تلحقون بعمان,
فانتشر هذا الخبر ودب، وكان من أمر عون بن جبلة ما كان,
أخبرني أبو العلاء سفيان بن العلاء بن سفيان الخولاني قال: حدثني حمدويه بن مسرور قال: كان عون بن جبلة جالساً عندي فذكر بني الحسن وقدمهم، فقال: قدمناهم
ففعلوا وفعلوا,, وتمت الكلمة في الوقت إلى بني الحسن,, قال: فإنه لجالس ما برح حتى وافى أ حمد بن روح بن صالح الهمداني صاحب شرطتهم في جماعة، فلما رآنا
جلوساً استحيا (وكان بيني وبينه مودة)،فمضى ورد إلينا فارسين، فأخذاني وعوناً، وجرونا إلى علي بن الحسن، فما مضينا غير بعيد حتى اجتمع جماعة من اصحابنا
فخلصونا منهم، ومضى الصارخ إلى علي بن الحسن، فركب بنفسه إلى دور بني الشحاج وكان بينهما حرب، فأخذ عوناً ومضى به إلى منزله، فكلمه محمد كلاماً أغلظ له
فيه، فرد عليه عون، فضربه محمد بعمود، فقال له عون: الويل لكم إن قتلتموني,, فدعا بباب وجص، فبنوا اسطواناً وهو حي ليخفي اثره، فانكشف أمره من قبل البناء،
ووقعت الحرب بينهم وبين بطون الأزد وبين بني الشحاج، واجتمع بنو الحسن وبطون اليمن، وكانت الحرب بينهم سجالاً حتى خرج كثير من الأزد إلى الموصل، وأتاهم
السيد بن أنس في تليد,
وكان علي بن الحسن كاتَبَ خارجاً يقال له مهدي بن علوان فوافاه في خلق كثير، فأدخله الموصل من الجانب الغربي، وكان من خرج عن الموصل من الأزد في الجانب
الشرقي,, الكارين وما بينهما,
حدثني إبراهيم بن أحمد بن فهر قال: سمعت أ حمد بن بويه المختاري يقول: كانت خيل مهدي الشاري وأصحابه تدور في المسجد الجامع، وذكر غير إبراهيم أن مهدياً
صلى الجمعة بالناس وخطب على المنبر ودعا لنفسه,
وحدثني عرس بن فهر قال: سمعت محمد بن أحمد بن أبي المثنى ذكر حرب بني الحسن مع السيد والأزد فقال: أدخل بنو الحسن مهدي الشاري الموصل، فوجه مهدي إلى علي
بن الحسن: قم بنا نروح إلى الجنة,
فوجَّه إليه: لا حاجة لي في ذلك,
حدثني صدقة بن محمد بن علي بن حرب: عن علي بن حرب قال: لما عظم الأمر بين الأزد واليمن بالموصل تبرأ أبي حربٌ والمعافى الخولاني من العصبية فلم يدخلا
فيها، فأما أبي فاتخذ قصراً على طرف جبل العريق المشرف على بني حرب، ونقل أهله وعياله إليه، وكان رأيه وهواه مع الأزد؛ لإسراف كان وقع عليهم؛ فانكشف لمحمد
وعلي ابني الحسن أمره، فانحرفا عنه وقصداه بالمكروه، ومالت همدان إلى مهدي بن علوان الشاري وكاتبوه، فأتهام فأدخلوه الموصل مما يلي البر، ودخل مسجد الجامع
وخطب على منبره، ورايت دواب الشراة في المسجد,
وذكر بنو السحن لمهدي بن علوان حرب بن محمد، وقالوا له: إنه لا يرى رايك، ولا يقول بإمامتك,
فوجه الشاري إلى حرب فأحضره، ووجهت بنو الحسن بصعاليك وقالوا: إن افلت حرب من الشاري فاقتلوه، فإن حرباً رجل رقيق، ولا نأمن أن يموه على الشاري ويتخلص
منه!,
قال حرب: فلما أدخلت على مهدي فسلمت نظر إليَّ فقال: يا شيخ: لم لا ترى رأينا، ولا تقول بإمامتنا؟,
فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، وكيف يكون ذلك وأنا بن الشيخ محمد بن علي بن حبان بن مازن، وابي صاحب اردبيل وخروجه بها يرى نصرة هذا الأمر
وإعزازه،وقد كان بعض الأركان، ومات على دينه ما غيرَّ ولا بدل؟!,
قال: وأنت ابن محمد بن علي؟,
فقلت: نعم,
فضرب بيده على جبهته وقال: كدنا أن نعجل على الشيخ,, وأمرني فجلست وقام قوم من الطائيين - كانوا معه نحو سبعين رجلاً - وحلفائهم من ولد ذهل بن عامر
الشيباني فقرظوني، وعظموا شأني، وخرجوا معي حتى أوصلوني إلى منزلي سالماً,
أخبرني محمد بن الحسن قال: سمعت أبي يقول: لما ظهرت الأزد على اليمانية وبني الحسن، وصار بنو الحسن إلى الحديثة فاتبعهم السيد بن أنس فيمن خف معهم من
الأزد، فأما محمد بن الحسن فأشار على إخوته بالانحدار إلى باب السلطان، فأبوا عليه وكان ديناً عاقلاً، فانحدر محمد، وتخلف علي وأحمد ابنا الحسن فيمن كان
معهم، فوافتهم الأزد إلى الحديثة,
فأما أحمد فركب فرسه وخرج هارباً فأدركوه فقتلوه، وأما علي فاختفى بالحديثة فطلبوه، فوقعوا عليه فدخل إليه السيد فقال له: يا عبدالله,, وكلمه بكلام
استعطفه به, فاستحيا منه،وخرج عنه، فدخل عليه بُجيل بن نهشل الشحاجي، فقال له: يا أبا الحسن ليس مثلي يقتل في عصبية، فقتله,
ورجع السيد ومن معه من الأزد إلى الموصل برؤوس بني الحسن,
وحدثني عبد الرحمن بن سليمان قال: حدثتني أختي عليه ابنة سليمان قالت: كانت حيونة عمتي ابنة عمران تحت أحمد بن الحسن بن صالح الهمداني، فلما قتل علي،
وأحمد مروا برأسيهما في دور بني عمران، فنظرت حيونة إلى رأس زوجها أحمد بن الحسن بن صالح، فأرادت أن تصيح؛ فرأت أخاها خالد بن عمران فسكتت,
قال: ولما رجع السيد من الحديثة بعد الذي كان منه في بني الحسن قدَّمته الأزد، وتولى أمر البلد، ودعا للمأمون وانتظم امره؛ فكان على ذلك يجبي المال، ويعطي
الرجال، ويحمي البلد إلى أن قدم المأمون بغداد من خرسان فانحدر إليه,
وأخبرني غير واحد من آل الحسن أن بني الحسن كانوا كتبوا إلى حيان بن مسعود والهمدانيين يستنصرونهم على الأزد؛ فكتبوا إليهم - أو من كتب منهم -: إن علياً
ظلم القوم وابتدأهم؛ فقتل شيخاً من شيوخهم,, فكتب محمد بن الحسن الجواب، وكتب فيه هذين البيتين أنشدنيهما أحمد بن محمد بن مرى:
فهذا على ما قلتم كان ظالما
ورب علي عالم بالدخائل
فهل لأخيه يا لقومي جناية
أبا جابر إذ شدخته الجنادل؟ (11) وقال ابن الكلبي (-204ه) خلال تفريعه للأزد: فولد عمرو مزيقياء بن عامر بن حارثة: جفنة وهم ملوك الشام، والحارث وهو محرق
كان أول من عاقب بالنار، وثعلبة وهو العنقاء سمي بذلك لطول عنقه، وحارثة، وأبا حارثة، وعمران، ومالكاً، وكعباً، ووداعة، وهم الذين في همدان اليوم (12) ,
وقال في موضع آخر: دخلوا همدان (13),،
وذكر الهمداني (-324) ناشح (14) بن دافع بن مالك بن جشم حاشد (15) بن حبران بن نوف بن حمدان (16) بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن
زيد بن كهلان بن سبأ (17) ، ثم قال: وأولد ناشح بن دافع عامراً، فولد عامر عمراً، فولد عمرو وداعة,
وكانت وادعة تسمى في الجاهلية عمصارة المسك، وتسمى مرهبة الدعام مرهبة الدوسر (18) ,
وتفسير الدوسر أن الجيش إذا بلغ اثني عشر ألفاً سمى الدوسر، فإذا قاد الرجل هذا المقدار سمي قائد الدوسر,, وقال بعضهم: إذا بلغ فيه ألف فارس سمي الدوسر,,
والأول أعم (19) ,
قال أبو عبد الرحمن: وهمدان هو أوسلة بن مالك,, نص على ذلك الهمداني، وعلق بقوله: (وقال بعض النساب: لا اسم له غير همدان، ولكنه أولد أرسلة، فأولد أوسلة
نوفاً,, وليس بمعروف (20) ,
قال ابو عبد الرحمن: معنى كلام الهمداني أن الذي ليس بمعروف نوف بن أوسلة بن همدان بن أوسلة وإنما المعروف نوف بن حمدان، وهمدان هو أوسلة؛ فالهمداني هاهنا
نسب وادعة إلى همدان صليبة,
أما انتسابهم إلى الأزد فعلق عليه بقوله عن بني عبد ود بن وادعة وأمهم أم عشب ابنة عدي بن ثعلبة بن كنانه بارق (وهو سعد) بن عدي بن حارثة بن مزيقياء,
وهذه الولادة هي التي جرّت غباة وادعة إلى قولهم: نحن من الأزد من ولد عمرو بن عامر ماء السماء (21) ,
وقال الهمداني عن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن جيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير: وأولد القفاعة بن عبد شمس: بحصان، وفرعان، وموزع
بطون كلها,
قال الأبرهي: وعمراً ورديعة (وهو رادع) ومنه خولان رداع، ونعمان، ووداعة الكبرى، وإياهم عنا تبع الأصفر بقوله
ووداعة الكرام فقد نأونا
وأضحوا لم يهموا بارتداد
أمرت خيلهم ما بين عرض (م)،
اليمامة فالعقيق إلى جراد
فأدخل هذان البيتان في قصيدة عبدالله بن عبد الرحمن الأزدي التي ذكر فيها تفرق الأزد
أرقت فقلت في أرق العداد
عداد موله جم السهاد
ثم أضيف كثير من هذه القصيدة إلى تبع، وبعض قول تبع إلى هذه، ومن ذلك تقول حمير لوداعة في هذا الدهر: أنتم من حمير!,
ويروي بعض وادعة أن ذلك كما تقول حمير,
وأما المجاذبة التي تشهد في وادعة همدان فمن جهة الأزد يقولون: هو وادعة بن عمرو بن عامر بن حارثة,, وأكثر وادعة تقول وادعة بن عمرو بن عامر بن ناشح,
وإنما وقعت الأغلوطة من أجل تضاهي الأسماء (22) ,
قال أبو عبد الرحمن: الأبرهي شيخ الهمداني، وعبدالله بن عبد الرحمن الأزدي لا يعلم إلا الله سبحانه من هما من خلقه,, والشعر المضاف إلى تبع من صنع
الهمداني، ودعوى تداخل الشعر والأخبار هاهنا من باب زيادة التضليل للإيهام بأن هناك رواية اختلفت فيها النقلة؟!,
وهناك رأي يخالف رأي الهمداني ويرى وادعة من الأزد صليبة وقد دخلت في همدان,
قال ابن عبد ربه: ومن الناس من يزعم أنه من وداعة بن عمرو بن الأزد، ولكنهم انتسبوا إلى همدان (23) ,
وقال أبو محمد ابن حزم: وأما وادعة بن مزيقيا عمرو بن عامر فدخل في همدان، فقالوا: نحن بنو وادعة بن عمرو بن عامر بن ناشح بن دافع بن مالك بن جشم بن حاسد
بن جشم (24),،
لا خلاف أنه وادعة بن عمرو، وإنما الخلاف بعد ذلك,
فهو عند ابن الكلبي: وادعة بن عمرو (مزيقيا) بن عامر (ماء السماء) بن حارثة (الغطريف) بن امرىء القيس بن ثعلبة (البهلول) بن مازن الأزد (25) ,
وفيه خلاف في تقديم امرىء القيس على ثعلبة,
قال ابن الكلبي: الأنصار يقولون: امرؤ القيس بن ثعلبة بن مازن,, وكان أبي يؤخر ثعلبة يقول: عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس (26) ,
قال أبو عبد الرحمن: تقديم ثعلبة في سياق النسب تأ خير له في الزمن، لأن سياق النسب يبدأ بالأقرب زماناً,
هوامش:
،(1) في الأصل: تقدم,, قال أبو عبد الرحمن: هو تطبيع، أو خطأ في الأصل، أو الخطأ من المحقق,
،(2) الإكليل 10/10-11,
،(3) الاكليل 11/10 (تحشية المحقق),،
،(4) قال أبو عبد الرحمن: هاء سقياء تشبع من أجل الوزن,
،(5) هذا المثل اصله أن رجلاً حَلَّ بقوم ضيفاً واستسقاهم لبناً، فاعتذروا وقد حقنوا - حبسوا) اللبن في وطب,, فقال:أبي الحقين العذرة,
والحقين: اللبن المحبوس,, يضرب مثلاً لمن يعتذر ولا عذر له (سمير جابر),،
،(6) الأغاني 224/14-228,
،(7) تاريخ الطبري 134/3-135,
،(8) تاريخ الطبري 136/3,
،(9) تاريخ الطبري 326/3,
،(10) تاريخ الطبري 131/3-132، وانظر عن بلاء همدان يوم الجمل 515/4، وانظر عن شجاعة همدان وصبرها في الحرب مع علي رضي الله عنه تاريخ ابن جرير 20/5-24
و34-41، و87، و45، و156، و200 وعن موقفهم مع حجر بن عدي صاحب علي رضي الله عنهما، انظر ص261 -262، ومع المختار انظر ص 579، و604 و609 و35/6، 92، و97،
و109 - 110,, وعيَّرهم ابن الحر بالزرق عند قيامهم مع المختار وإحراقهم,
،(11) تاريخ الموصل ص 343-347,
،(12) جمهرة النسب 364/2,
،(13) النسب الكبير ص 253,
،(14) قال الوزير المغربي في الإيناس ص 303: بالحاء المهملة,
،(15) الإكليل 10:60 وصفة جزيرة العرب ص 245,
،(16)الإكليل 28/10,
،(17)الإكليل 6/10و1,
،(18) تابعه الأشعري في التعريف ص 166و168، وانظر الأنساب السمعاني 247/13، وطرفة الأصحاب لابن رسول ص 30,
،(19)الإكليل 74/10,
،(20)الإكليل 7/10,
،(21)الإكليل 57/10,, قال أبو عبد الرحمن: وفي 92/2 علل بتضاهي الأسماء,
،(22)الإكليل 91/2-92,
،(23) العقد الفريد 382/3 و390 الطبعة الأولى، 338/3 الطبعة الثانية,
،(24) جمهرة الأنساب لابن حزم ص 395، وقال ابن عبد البر في الأنباه - ضمن الرسائل الكمالية 112/8-: ووادعة في همدان وأصلهم الأزد ,
،(25) جمهرة النسب 363/2-364 والتيجان ص 273 ونسب عدنان وقحطان للمبرد ضمن الرسائل الكمالية 44/8,
،(26) جمهرة النسب 364/2,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved