Tuesday 1st March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 14 ذو القعدة


سيرة حياة جديدة لروبرت بولت
هل كان إنساناً لكل أوان؟
رضا الظاهر

هناك تنوع واسع في العلاقة القائمة بين الكاتب المسرحي وحياته ومسرحياته, فمن خلال مسرحيات بيكيت وبنتر، مثلاً، يصعب على المرء ان يعرف الكثير عن الكاتب وحياته, ومن خلال مسرحيات أوزبورن، خصوصاً الأولى، يمكن للمرء ان يعرف الكثير عن الكاتب، ولكن القليل عن حياته, اما مسرحيات سترندبيرغ فيمكن للمرء أن يعرف من خلالها الكثير عن الكاتب وحياته.
وبالنسبة لروبرت بولت هناك علاقة غير مألوفة وملفتة للنظر بين الكاتب وحياته ومسرحياته, فقد كانت حياته زاخرة بالأحداث على نحو استثنائي, على الرغم من انه لم يقارن نفسه مع اي شخصية من شخصياته فقد كتب، على الدوام، من خلال مشاعر ملحة وقوية، وكان هناك تماثل بين ما يكمن خلف مسرحياته وخلف حياته، الامر الذي قد يكون احد الاسباب التي تجعل ما يدخله في مسرحياته ليس، على الدوام، ما يستخلصه الجمهور منها, وذات مرة قال انه مثل ممثل قادر على التظاهر بمشاعر معينة لكنني ربما أكون بعيداً عما أعبر عنه,, لكن من البراعة النافعة أن يكون المرء كاتباً مسرحياً وكاتب سيناريو ناجحاً , وحتى الناقد الأكثر تعاطفاً يجد صعوبة في التوصل الى ادراك واضح لكل القضايا التي أثارها روبرت بولت حول مسرحياته في مناقشاته المختلفة, وربما كانت حقيقة تغييره اسلوبه من مسرحية الى اخرى دليلاً على انه يبحث عن شكل يكون فيه كل شيء يدخله في مسرحيته بالضبط كما يريد.
لقد ظهرت خلال فترة الخمسينيات، في بريطانيا، مجموعة من المسرحيين المتمردين ممن جلبوا قلقهم وهواجسهم وافكارهم وأحلامهم الى المسرح, وكان يربطهم تعارضهم الأساسي مع الثقافة السائدة في مجتمعهم ورغبتهم في الاختلاف عن الآخرين, ووحّدهم ايضاً عجزهم عن التوافق مع البراغماتية، ومع الافتقار الى المخيلة والشعر والاحلام، ومقاومتهم الجمود الفكري, واصر كتاب هذه الفترة، كل بطريقته الخاصة، على اعادة النظر في المحرمات والمواقف المتجمدة، داعين الى حق كل امرىء في تفسيرها كما يرى، وقبولها او رفضها، وكان احترام الجمهور هو الشعار الذي رفعه كتاب المسرح البريطانيون في النصف الثاني من الخمسينيات.
وكان هدف هذه الحركة التي جمعت عدداً من المسرحيين والمخرجين والنقاد الشباب، بينهم جون اوزبورن، وجون أردن، وروبرت بولت، تحديد المسرح البريطاني, ومع ان الوعي بهدف مشترك سرعان ما اختفى، فان عملية تجديد المسرح المتفردة بدأت وما تزال مستمرة حتى يومنا, ورأت غالبية الجمهور والنقاد في اعمال الشباب الغاضبين انعكاساً لحياتهم الخاصة يعالج المواضيع التي تهمهم وتوجههم الى الشباب.
كان روبرت بولت في الستينات كاتباً مسرحيا متميزاً عرف بشكل رئيسي، بمسرحيته التي ذاع صيتها حول السير توماس مور (إنسان لكل أوان) وبمسرحيات أخرى، وسيناريوهات افلام اخرجها ديفيد لين، الذي مارس اغراءه على بولت بينها (لورانس العرب) و(دكتور جيفاغو), والمنعطف الاساسي في حياة بولت حدث عام 1961 عندما سأله ديفيد لين عن امكانية عمله لفترة سبعة اسابيع على تحسين حوار (لورانس العرب) الذي كان على وشك تصويره في الاردن مع بيتر أوتول وأليك غينيس, وامتدت اسابيع بولت السبعة الى سنة كما قضى فترة في السجن بعد اعتقاله مع برتراند رسل بسبب نشاطاته السياسية ضد الاسلحة النووية, واستمر ارتباطه مع لين في (دكتور جيفاغو) الذي فاز عليه بأول اوسكار و(ابنة ريان) الذي كانت بطلته زوجة بولت الثانية الممثلة سارا مايلز, وبعد ان عمل كمخرج لأول مرة في فيلم (الليدي كارولين لامب) افترق بولت وميلز عندما توفي مدير اعمالها في ظروف غامضة في غرفتها في الفندق بأريزونا.
توفي بولت قبل حوالي ثلاث سنوات فقط غير ان الجمهور نسيه، من الناحية الفعلية، قبل ذلك بوقت طويل, وتظهر سيرة حياة بولت التي كتبها ادريان تيرنر، وصدرت مؤخرا على نحو مؤثر، اين يكمن السر.
جاء روبرت بولت المولود عام 1924 في مانشستر الى الكتابة عبر التدريس, فقد عمل معلماً لفترة معينة مركزاً نظره على الحياة الخاصة جداً التي استطعت ان افعل فيها قدراً محدودا مما هو نافع , وعندما اراد مدير مدرسته مسرحية محلية اكتشف بولت انه يستطيع الكتابة, وسرعان ما أمطر بي بي سي بسيناريوهات اذاعية كان بينها مسرحية اطفال حققت نجاحاع كبيراً وكذلك النسخة الاولىمن (انسان لكل أوان) التي اذيعت عام 1954.
ويعتقد تيرنر ان جاذبية توماس مور بالنسبة لبولت تتمثل في انه هو نفسه كان انساناً لكل أوان، بارعا في الموازنة بين المبادىء والبراغماتية, ففي الوقت الذي اذيعت فيه مسرحيته، مثلاً، ترك مهنة التعليم في القرية، وراح يدرس اللغة الانجليزية لأبناء الأغنياء في مدرسة ميلفيلد.
وكانت بين تلامذته هناك الكاتبة فكتوريا فلنديننغ التي وجدت فيه معلماً ملهماً, غير ان ميليفيلد ذاتها، كانت مرحلة انتقالية, فقد استقال من مهنة التدريس وعاش، بيسر، من خلال الكتابات والعمل المسرحي, فكانت أولاً مسرحية (الكرز المزهر) عام 1958، وقام ببطولتها رالف ريتشاردسون بدور موظف تأمين ذي احلام تشيخوفية, واعتمدت هذه المسرحية الى حد كبير على آرثر ميلر (موت بائع), وظهرت النسخة المسرحية من (إنسان لكل أوان) عام 1950 ،وقام بالدور الرئيسي فيها بول سكوفيلد وقلدت بريخت باستخدام رواية ساخر من دون تشجيع الجمهور على الاحتفاظ بمسافة بريختية انتقادية عن الحدث, وكانت شخصية الرواية في هذه المسرحية سمتها الاكثر جاذبية.
وفي مقدمة طبعة عام 1960 من (انسان لكل أوان) يكتب روبرت بولت قائلاً: من غير السهل معرفة ما الذي (تدور حوله) مسرحية ما الى ان تكتمل, وعند ذاك فان ما (تدور حوله) يندمج فيها بشكل يتعذر الغاؤه، ولا يمكن ان ينفصل عنه مثلما لا يمكن فصل شكل التمثال عن الرخام ,ويبدو ان ما يقوله بولت هنا يعني ان الفنان يصل الى مغزى عمله في عملية كتابته, ولهذا يشير بولت الى ان عمله ككاتب كان عملية غامضة (فنية، تخيلية، ابداعية), لقد صنع مسرحيةواعطاها معنى, انه لا يقولها ولكنه يشير الى ان الكاتب الفنان نوع من مبدع خاص, فقد خلق بولت عالماً واعطاه معنى يراه مطلقاً بحيث انه لا ينفصل عنه مثلما لا ينفصل شكل التمثال عن الرخام .
وتنتمي (انسان لكل أوان) الى المسرحيات التاريخية التي كتبت اوائل النصف الثاني من القرن العشرين, وشأن جون أوزبورن وجون أردن يواجه بولت شخصيته الرئيسية المفكر والانساني العظيم توماس مور بامتحان خيانة صوت ضميره، والتخلي عن افكار الخير والعدالة, وشأن اوزبورن واردن ايضا يظهر بولت الاستحالة المطلقة لمثل هذه المساومة, فتوماس مور يؤدي مهمته النبيلة بفخر حتى النهاية ويضحي بحياته في سبيل ذلك.
والبطل بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة شخص ذو فردية اصيلة، وحياة متميزة، وطموحات سامية، وقناعة راسخة بصوات موقفه, وهو شخص يعرّض كل حقيقة تقدم اليه الى الشك واعادة التقييم, ومثل هؤلاء الابطال الحقيقيين نجدهم في الدراما التاريخية البريطانية في سنوات الخمسينيات والستينيات, انهم يفنون ولكنهم يؤكدون في فنائهم عظمة الروح وسمو المواقف التي لا يمكن ان يتخذها الا اناس استثنائيون تماماً.
ويشكل الاسلوب وكذلك وجهة نظر المؤلف آصرة بين المسرحيات التي تنتمي الى النوع التاريخي, فكل شيء يجري بناؤه حول الشخصية الرئيسية الناطقة بلسان الأفكار, ومع ذلك فان هذه الشخصيات الرئيسية متباينة جداً, فالى جانب (لوثر) المتمرد الهائج في مسرحية اوزبورن والذي يصب اللعنات على خصومه الايديولوجيين، نجد في مسرحية روبرت بولت الحكمة الهادئة لتوماس مور, ولوثر ومور مفكران ورجلا كتب ومعرفة, وتختلف هاتان الشخصيتان عن شخصيات اردن التي تتلون كلماتها بالسحر المتفرد لكلام الشعب.
تتسم سيرة حياة روبرت بولت التي كتبها ادريان تيرنر بأنها كتاب شديد الامتاع عن انسان شديد الامتاع, فهي تكشف على نحو عميق التوليفة الصعبة لشخصية روبرت بولت على حد تعبير بيتر هول, فهي توليفة من الاستقامة والبراغماتية من انسان العقل وانسان الجسد، من الحقيقة والمال والمثالية والاشتراكية والمفارقة التي جلبت له اربعة زواجات وتراجيديا وفضائح وسجناً, وكواحد من تلامذمته السابقين يقول جون سارجنت المراسل السياسي المعروف في (بي بي سي) عن بولت ان حياته كانت مسرحية اخلاقية,, كانت شيئاً تحزن رؤيته المرء .
وكان بولت نفسه مدركاً لازدواجيته الخاصة, ففي رسالة الى احد اصدقائه كتب قائلاً إن الاداة الوحيدة الحادة والثقيلة التي بوسعها ان تخترق آرائي الفلسفية الخاصة هي طمعي في النجاح والمال .
والشيء المحزن في ذلك انه بقي عائماً على غير هدى في بحر النجاح والمال الهائج مما سبب له نوبة قلبية وسكتة دماغية قضت على حياته التي كانت سنواتها الاخيرة مليئة بالتراجيديا, ولم يكن بوسع المرء ان يبقى على قيد الحياة في ظروف مشقة شديدة ولو لم يكن قوياً، ناهيك عن استمراره على العمل خلال تلك السنوات.
ان قصة روبرت بولت هي قصة الغطرسة، والمثالية، والعبقرية، والبطولة، والحب واليأس, وقد توفي بولت بهدوء عام 1995 ودفن في حديقة بيته.
وباستخدامه مقابلات واسعة ومراسلات خاصة يروي ادريان تيرنر قصة هذه الحياة ذات الانعطافات الحادة بحساسية وبراعة ليجسد، على نحو مؤثر، صورة الرجل المختبىء خلف تلك المسرحيات والأفلام الرائعة.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved