Tuesday 1st March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 14 ذو القعدة


السعودة في القطاع العام والقدوة الحسنة

تحتل السعودة كفكرة مكانة مرموقة في اهتمام المواطن السعودي لكونها تمثل احد أهم المعابر الرئيسة لمستقبله السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري، ونتيجة لهذه الدرجة المرتفعة من الاهمية، فقد اصبح موضوع السعودة من المواضيع التي يطرقها الكتّاب وبشكل مستمر من اجل رفع درجة الحساسية لهذه الفكرة ومن أجل الترويج للمخاطر التي تكتنفها الحالة الفوضوية التي يعيشها سوق العمل في المملكة العربية السعودية خاصة وان النداءات التحذيرية المتكررة التي يطلقها وبصفة متكررة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية يحفظه الله تؤكد أهمية هذا الجانب كما تؤكد التباطؤ الكبير على الساحة التطبيقية لهذه الفكرة، ومما لا شك فيه فإن سعودة فرص العمل واجب وطني يجب العمل على تحقيقه على كافة الاصعدة دون النظر الى موطن الوظيفة او الى القطاع الذي تتبع له هذه الوظيفة, ففي الوقت الذي يركز فيه الجميع على ايجاد آلية مناسبة لسعودة فرص العمل في القطاع الخاص باعتباره المصدر الرئيس لفرص العمل، فإن الواجب الوطني ينسحب ايضا على القطاع العام الذي لا يزال بعيدا عن الانظار ولا يزال مرتعا خصبا لتواجد العمالة الاجنبية, نعلم جميعا بأن سعودة فرص العمل في القطاع العام اسهل بكثير من تلك في القطاع الخاص لاختلاف الأهداف بين القطاعين, فإذا كان القطاع الخاص يسعى الى تعظيم ربحه من خلال اختياره لعناصر الانتاج التي تمكنه من الحصول على اقل تكلفة ممكنة، واذا كان القطاع الخاص يحرص على استغلال الفرص والمنافذ النظامية المتاحة، فإنه يفترض في القطاع العام ان يهتم فقط بتوفير البديل لا بالمقارنة بين البديلين المتاحين، وهذا يعني تخلص القطاع العام من أهم قيد قد يحول دون إتمام عملية السعودة, ولكن السؤال الذي يدور بالبال هنا هو لماذا لا زال العامل او الموظف الاجنبي يتواجد في القطاع العام على الرغم من توفر البديل؟ هل السبب في ذلك يعود الى انعدام آلية المتابعة التي يفترض تواجدها في ديوان الخدمة المدنية ام ان السبب يعود الى مصالح شخصية هي في كثير من الاحيان اقوى من النظام واقوى من جميع آليات المتابعة التي قد يتصورها العقل السليم؟
إن المهتم بشؤون السعودة لا يحتاج الى جهد خارق ولا إلى عين حادة البصيرة حتى يكتشف تباطؤ القطاع العام في تنفيذ مقتضى التوجيهات الكريمة التي تؤكد للجميع حرص القادة حفظهم الله على ضرورة تحقيق التوطين الكامل للوظائف في هذا القطاع حيث تنص هذه التوجيهات على اعتبار الوظيفة التي يشغلها الأجنبي شاغرة يمكن شغلها بالمواطن في اي وقت متى ما توفر المؤهل المناسب,, ولكن وعلى الرغم من صراحة ووضوح هذه التوجيهات، لا زالت الجامعات والهيئات التعليمية المتخصصة الاخرى تحتضن العديد من اعضاء هيئة التدريس الاجانب وفي تخصصات يفترض ألا يتولى تدريسها سوى المواطن السعودي كالتخصصات الشرعية والادبية ونحوها,, ولا زالت الوزارات المختلفة تعتمد بشكل أو بآخر على الاجنبي على الرغم من عدم ندرة التخصص الذي يشغله هذا الاجنبي, لا زالت سفاراتنا وملحقياتنا في الخارج تعتمد اعتمادا مباشرا على العمالة الاجنبية والموظفين الأجانب على الرغم من إمكانية شغل هذه الفرص بمواطنين خاصة وان هذه الفرص تتمتع برواتب عالية ستكون بلا شك جذابة لمعظم الشباب خاصة الذين أمضوا سنوات عدة في طوابير ديوان الخدمة المدنية,, ولا زالت مكاتب الخطوط السعودية في جميع انحاء العالم تمتلئ بالعمالة الاجنبية وبشكل يدعو للتعجب,! اعتقد أن السبب في هذا الوضع يعود في المقام الأول الى عدم قدرتنا على تفعيل مقتضى الحس الوطني لدى الموظف الحكومي المسؤول عن التوظيف وبالشكل الذي يولد لديه القناعة بحتمية وأهمية السعودة والى عدم وجود المتابعة الدقيقة التي يخشاها هذا الموظف في حالة عدم تطبيقه للتوجيهات الكريمة الصادرة بهذا الخصوص,, وبالتالي فإن المقام يقتضي القضاء على الاعتبارات الشخصية من خلال انشاء هيئة مركزية فاعلة ونشطة تتولى شؤون التوظيف في القطاع العام بحيث تستقبل الراغبين في العمل وتصدر قرارات التعيين دون الحاجة الى الرجوع الى الجهات الادارية التي تتبع لها الوظائف المعين عليها, (قد يقول قائل بأن ديوان الخدمة المدنية يقوم بمهمة مشابهة ولكن كيف نفسر تواجد اجانب في وظائف تعليمية وادارية حكومية على الرغم من التجوال الدائم والمستمر الذي يمضيه ابناؤنا الخريجون بحثا عن فرص عمل مشابهة,,؟!) يجب ان نكون اكثر جدية في متابعة اجراءات التوظيف في الاجهزة الحكومية وبشكل كاف لتحديد الحالات التي لها حكم الاستثناء كما يجب اعادة هيكلة الوظائف الحكومية وبالشكل الذي يحقق الربط الدقيق بين الوظيفة والمؤهل المطلوب حتى نتفادى المعوقات التي قد يدعيها البعض ويتخذها غطاء يبرر له التعاقد مع الاجنبي,, نحتاج الى ان نكون في القطاع العام قدوة حسنة للقطاع الخاص الذي يخضع في هذه الايام الى هجوم كاسح بدعوى تأخره في عملية السعودة, نحتاج أن نعي قول الشاعر
لا تنهى عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
يجب ألا نلوم القطاع الخاص اذا كنا نحن المطالبين بعملية السعودة نتسابق في كل اجازة صيفية الى بعث لجان التعاقد التي يهمها قبل كل شيء فترة الانتداب والاستجمام المجانية التي تقضيها في الخارج,, يجب ان نرفع شعار المواطنة الحقة على الاقل في القطاع العام ونعلن عدم قابلية النظام للتواجد غير الوطني في جميع الوظائف والمهن التي يحتضنها هذا القطاع بغض النظر عن الاسباب التي قد يرفعها بعض اصحاب المصالح الخاصة, اعتقد ان القطاع العام يشتكي من كونه مجالا خصبا للبطالة المقنعة وبالتالي فإن عدم اتاحة الفرصة لتوظيف الاجنبي ربما تكون فرصة مواتية لتحقيق الاستغلال الامثل لموادنا البشرية والقضاء على او الحد من تواضع انتاجية الموظف الحكومي.
إشارة
دار نقاش حاد بين احد رجال الاعمال السعوديين وبين بعض المهتمين بقضية السعودة في اجتماع غير رسمي كنت احد المدعوين له حيث بدأ النقاش بهجوم محموم شنه احد الضيوف الاكاديميين على القطاع الخاص لتأخره في اتخاذ الاجراءات اللازمة والكافية لاتمام عملية توطين الوظائف في هذا القطاع على الرغم من وجود البديل المناسب حسب اعتقاد زميلنا الاكاديمي، ولكن رجل الاعمال كان ناجحا في حواره كما هو في عمله حيث أبدى العديد من الاسباب التي تحول دون السعودة لعل أهمها كان عدم قدرة نظامنا التعليمي على ايجاد البديل المناسب لشغل الوظائف والمهن في سوق العمل السعودي، ولكن عندما اشتد النقاش وتطاولت الاصوات ردا على الاسباب التي أبداها رجل الاعمال ورفعا لحقيقة الواجب الوطني الذي يجب ان يتحمله القطاع الخاص باتجاه ابناء الوطن، خص رجل الاعمال الحضور بسؤال كشف الواقع العام عندما سأل عن التواجد الاجنبي في القطاعات والاجهزة الاكاديمية والادارية الحكومية التي يعمل بها الحضور عندها فقط هدأت الاصوات وظهرت بوادر الخجل لدى الجميع وانتصر رجل الاعمال عندما ردد قول الشاعر
إذا شئت ان تحيا سليما من الأذى
وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved