من نماذج استبداد بعض اليهود والنصارى بأغلبية الرعية، وما احدثه ذلك من ردود افعال، عهد العزيز بالله الفاطمي ]365 - 386ه 975 - 996م[ وما تلاه من مراسيم ضد اهل الكتاب في عهد ابنه وخليفته الحاكم بأمر الله (375 - 411ه 985 1021م[ فزوجة العزيز بالله كانت نصرانية ملكانية - اي من الطوائف النصرانية التابعة للمذاهب الغربية -,, وكانت لهذه الزوجة ولابنتها سيدة الملك نفوذ واسع في شؤون الدولة,, وكان لها اخوان من رجال الدين النصراني - ارسانيوس : مطران الملكانية في القاهرة ثم بطرك الاسكندرية - واريسطيس : بطرك الملكانية في القدس -,.
وفي هذا المناخ المنحاز لغير المسلمين، تولى وزارة مصر النصراني عيسى بن نسطورس,, ووزارة الشام اليهودي ابراهيم القزاز (منشا)!,, فعمت مظالمهما جماهير المسلمين، وظهر تحيزهما لأبناء دينهما، وظهرت ردود الأفعال ضد هذه المظالم وذلك الانحياز,, وكما يقول المقريزي: فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين, فعمد اهل مصر وكتبوا قصة جعلوها في يد صورة - (تمثال) - عملوها من قراطيس، فيها: بالذي اعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك (الخليفة العزيز) الا كشفت ظلامتي؟! وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها فاذا الصورة - (التمثال) - من قراطيس - (ورق) - فعلم ما اريد بذلك فقبض عليهما واخذ من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة الف دينار ومن اليهودي شيئاً كثيراً.
وفي هذا المناخ الذي تستبد فيه الأقلية بالاغلبية,, نرى الشعراء يدلون بدلوهم في علاقات الملل والطوائف فيصورون الدولة وكأنها تُحكم بالثالوث ! يعقوب بن كلس - وأصله يهودي - هو الأب - والعزيز - الخليفة - هو الابن!,, والوزير الفضل هو روح القدس,, يصوغ الشاعر الدمشقي الحسن بشر ذلك شعراً يخاطب به المسلم فيقول ساخراً
تنصر، فالتنصر دين حق عليه زماننا هذا يدل وقل بثلاثة عزوا وجلوا وعطل ما سواهم فهو عطل فيعقوب الوزير اب وهذا العزيز ابن وروح القدس فضل!. |
اما نقد سيطرة اليهود فيعبر عنها الشاعر المصري الحسن بن خاقان فيقول
يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا العز فيهم والمال عندهمو ومنهم المستشار والملك يا أهل مصر اني نصحت لكم تهودوا، فقد تهود الفلك(1) |
وفي نقد الترف والاستبداد اللذين تمتع بهما هؤلاء النفر من النصارى واليهود، يقول الشاعر ابن الخلال
اذا حكم النصارى في الفروج وغالوا في البغال وفي السروج وذلت دولة الاسلام طرا وصار الأمر في أيدي العلوج فقل للأعور الدجال هذا زمانك ان عزمت على الخروج (2) |
فالقضية لم تكن تناقضاً بين الاسلام وبين الملل الأخرى، ولا عداء من المسلمين لأبناء هذه الملل، ولا ضيق صدر بالتعددية والاختلاف في الشرائع الدينية، وانما كانت في الجوهر والأساس، تناقضاً بين اغلبية الأمة المظلومة، الباحثة عن العدل، والتي يمارس الظلم فيها ولها وضدها نفر من ابناء الملل غير الاسلامية، اختارهم حكام وولاة ظلمة، لتكون مغايرتهم الدينية للاغلبية عاملاً على قسوة قلوبهم وغلظة معاملاتهم مع هذه الاغلبية!
ويشهد على هذه الحقيقة، أن بعضاً من هؤلاء الكتاب والجباة والصيارفة قد اراد - بايعاز من الدولة - ان يستر مظالمه ويغلف جبروته بالاسلام، فأعلن اعتناقه لدين الاغلبية - املاً في تهدئة ثائرة المظلومين من جماهير المسلمين -,, لكن ذلك لم يجلب عليه عطف المسلمين، الذين رأوا في هذا الاسلام حيلة لجواز الظلم، بل للامعان فيه,,! فلم تجز عليهم هذه الحيل، لأن القضية بالنسبة اليهم كانت العدل المفقود والمنشود وليست زيادة تعداد المسلمين آحاداً من الناس!,.
ويحكي المقريزي - في التأريخ لسنة ]682ه 1283م[ - موقف جمهور المسلمين من اعتناق بعض الكتاب والجباة النصارى الاسلام,, ذلك الاسلام الذي لم يترك أثراً يخفف من تسلطهم وتجبرهم ومظالمهم، بل لقد ازدادوا منه ظلماً وعتواً ونجوا باعلانه من القتل والمصادرات!,, ويحكي المقريزي ذلك فيقول: لقد زاد تسلطهم بعد اسلامهم، واظهروا من التجبر ما كانت تمنعهم نصرانيتهم من اظهاره!, فكتب احد الشعراء الى الأمير بيدر النائب يقول
أسلم الكافرون بالسيف قهرا واذا ما خلوا فهم مجرمونا سلموا من رواح مال وروح فهم سالمون، لا مسلمونا (3) ! |
فهوإسلام يفرون به من الجزاء الذي استحقوه على مظالمهم - المصادرة للمال الذي جمعوه، والقتل جزاء على ما اقترفت أيديهم في حق الناس -,, وبعبارة الشاعر: رواح المال والروح !
فالقضية - بعبارة المقريزي - كانت التسلط والتجبر من قبل هؤلاء الجباة، ولم تكن نصرانيتهم او يهوديتهم بحال من الأحوال!
واذا جاز للبعض ان يتهم الشعر والشعراء بالمبالغات,, فان كلمات العالم الالماني الحجة آدم متز ]1869 - 1917م[ تعبر عن هذه السيطرة وهذا الاستبداد من اهل الكتاب بجمهور المسلمين فتقول: لقد كان النصارى هم الذين يحكمون في بلاد الاسلام ثم يشير الى دور هذه السيطرة وذلك الاستبداد في احداث ردود الفعل بين الطوائف والملل، فيقول: ان اكثر الفتن التي وقعت بين النصارى والمسلمين نشأت من تجبر المتصرفين الأقباط,, (5) .
وردود الأفعال هذه، هي التي تمثلت في مراسيم الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي خلف أباه العزيز,, فأنزل بالنصارى واحدة من المحن القاسية التي مرت بهم,, ثم عاد فعفا عنهم، وعوضهم عن المظالم التي انزلها بهم,, واخيراً راح ضحية الاستبداد الطائفي الملكاني بقصر الخلافة، عندما ذهب الى مثواه الأخير بمؤامرة من اخته سيدة الملك !.
* * *
وفي ضوء هذه الحقائق التاريخية، نفهم التحليل الموضوعي الذي كتبه الباحث اللبناني جورج قرم - والذي لا يمكن ان يكون متهماً! - والذي يقيّم فيه العلاقات بين المسلمين وابناء الملل والطوائف غير المسلمة,, فيقول:
ويلاحظ ان فترات التوتر او الاضطهاد لغير المسلمين في الحاضرة الاسلامية كانت قصيرة، وكان يحكمها ثلاثة عوامل:
الأول: هو مزاج الخلفاء الشخصي، فأخطر اضطهادين تعرض لهما الذميون وقعا في عهد المتوكل، الخليفة العباسي الميال بطبعه الى التعصب والقسوة, وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي غالى في التصرف حتى اضاع رشده!.
العامل الثاني: هو تردي الاوضاع الاقتصادية الاجتماعية لسواد المسلمين، والظلم الذي يمارسه بعض الذميين الشاغلين لمناصب ادارية عالية، فلا يعسر ان ندرك صلتهما المباشرة بالاضطهادات التي وقعت في عدد من الأمصار، اما العامل الثالث: فهو مرتبط بفترات التدخل الأجنبي في البلدان الاسلامية وقيام الحكام الأجانب باغراء واستدراج الاقليات الدينية غير المسلمة الى التعاون معهم ضد الأغلبية المسلمة,, ان الحكام الأجانب - بمن فيهم الانجليز - لم يحجموا عن استخدام الأقلية القبطية في اغلب الاحيان ليحكموا الشعب ويستنزفوه بالضرائب, وهذه ظاهرة نلاحظها في سوريا ايضاً حيث اظهرت ابحاث جب وبولك وبولياك كيف ان هيمنة ابناء الاقليات في المجال الاقتصادي ادت الى اثارة قلاقل دينية خطيرة بين النصارى والمسلمين في دمشق 1860م وبين الموارنة والدروز في جبال لبنان 1840م و1860م, ونهاية الحملات الصليبية قد اعقبتها في اماكن عديدة اعمال ثأر وانتقام ضد الاقليات المسيحية - ولا سيما الأرمن - التي تعاونت مع الغازي.
بل انه كثيراً ما كان موقف ابناء الاقليات انفسهم من الحكم الاسلامي حتى عندما كان يعاملهم بأكبر قدر من التسامح سبباً في نشوب قلاقل طائفية فعلاوة على غلو الموظفين الذميين في الابتزاز، وفي مراعاتهم وتحيزهم الى حد الصفاقة احياناً لابناء دينهم ما كان يندر ان تصدر منهم استفزازات طائفية بكل معنى الكلمة 6 .
اما ما اشتهر من مطاردة الدولة العباسية للزنادقة، وخاصة في عهد المهدي العباسي ]158 - 169ه 775 - 758م[ فانه لم يكن اضطهادا لديانات الفرس القديمة - فلقد عومل اهلها معاملة اهل الكتاب - ولا كان ضيق صدر بالتعددية في الملل والشرائع - لأن هذه الزندقة - التي طاردتها الدولة - كانت ستاراً دينياً لمخططات شعوبية سياسية استهدفت الاسلام -و ليست الحرية الدينية - واستهدفت عروبة الدولة وطمعت في الثأر من الاسلام ودولته اللذين اذلا دولة الفرس، وذهبا بعرش الأكاسرة القدماء,, فكان موقف المهدي العباسي كموقف ابنه الرشيد ]149 - 193ه 766 - 809م[ من البرامكة - دفاعاً مشروعاً عن الدولة وفكريتها وهويتها، اكثر منه ضيق صدر بالتعددية في الملل والمذاهب,, ويشهد على ذلك ان مطاردة الزندقة لم تؤد الى اي تضييق على اي من اتباع الديانات والملل والمذاهب التي كانت قائمة في ذلك التاريخ!
اما الضيق بالمذاهب الفلسفية الوافدة - غنوصية حلولية كانت,, او مشائية يونانية - فلقد كان من ثمرات عصور التراجع الحضاري والجمود الفكري، التي ضاقت حتى بالعقلانية الاسلامية المؤمنة وبالاجتهاد الاسلامي!!,, فكانت تراجعاً عن الفهم الحقيقي للمثال الاسلامي في التعددية والتنوع والاختلاف، ادى الى تراجع في التطبيق لهذا المثال!,.
وحتى في تلك العصور، ظلت التطبيقات الاسلامية للتعددية زاهية ومزدهرة ومتألقة، اذا ما قورنت بنظائرها في الحضارات غير الإسلامية,, فلقد كان ضيق الصدر عارضاً,, وموقوتاً,, تغالبه مبادىء الاسلام ومواريث الأمة في تطبيقات التعددية والتنوع في عصور الازدهار,, ويدعم هذه المغالبة المثال في النموذج الحضاري الاسلامي هو دين ووضع الهي ثابت وليس مجرد نسق فكري - من التسامح,, او حقوق الانسان - يجوز تخطيه او التنازل عنه او تجاوزه بحال من الأحوال!,, وبعبارة أرنولد : فانه من الحق ان نقول: ان غير المسلمين قد نعموا بوجه الاجمال في ظل الحكم الاسلامي بدرجة من التسامح لا نجد معادلاً لها في اوروبا قبل الأزمنة الحديثة، وان دوام الطوائف المسيحية في وسط اسلامي يدل على ان الاضطهادات التي قاست منها بين الحين والآخر على ايدي المتزمتين والمتعصبين كانت من صنع الظروف المحلية، اكثر مما كانت عاقبة مبادىء التعصب وعدم التسامح (7) .
تلك حي حقيقة العلاقة بين الملل والمذاهب والأقوام في حضارة الاسلام ان على مستوى المثال - النظري او على مستوى الممارسة,, والتطبيق !.
(1) آدم متز (الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري) ج1 ص 113, 114، 117، 118 ترجمة د,محمد عبد الهادي ابو ريدة, طبعة بيروت 1867.
(2) (خطط المقريزي) ج2 ص 123.
(3) المصدر السابق، ج3 ص 545 - 547.
(4) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج1 ص 105.
(5) المرجع السابق ج1 ص 112.
(6) د, سعد الدين ابراهيم (الملل والنحل والاعراق) ص 729، 730 وهو ينقل عن جورج قرم (تعدد الأديان ونظم الحكم) ص 211، 224، طبعة بيروت 1979م.
(7) المرجع السابق ص 729، 730.