ان الحديث أو الكتابة عن تاريخ التعليم بمحافظة عنيزة وكيف كانت بدايته يطول ويتشعب نظراً لأن التعليم في هذه المحافظة قد بدأ منذ امد بعيد جداً وبالتحديد من خلال دروس المساجد وحلقات الفقهاء والتي كانت الصيغة السائدة للتعليم في الجزيرة العربية لفترة طويلة, وهذه البدايات التعليمية الجميلة والمفيدة في ذلك الوقت ازدادت وازدانت نضجاً وأكثر استقراراً مع بداية الدولة السعودية الثالثة وظهور الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية الذي سعى إلى توحيد أرجاء الجزيرة العربية في وطن واحد وتحت شعار واحد وأعطى التعليم جل اهتمامه البالغ لأن الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - يدرك أن العلم هو الركيزة الأساسية للنمو والتطور والبناء, فقد سعى إلى نشر التعليم بين الكبار والقضاء على الأمية واستنارة القلوب والعقول بنور العلم والتعليم.
وفي عنيزة بلغت دروس المساجد درجات كبيرة من الشهرة والصيت تجاوزت حدود هذه المدينة التي كانت تدرس على أيدي المشايخ أمثال الشيخ صالح بن عثمان القاضي والشيخ عبدالرحمن السعدي يرحمهما الله جميعاً، وبالطبع فقد تخرج على يدي هؤلاء العديد من العلماء وخاصة فيما يتعلق بالشريعة وعلومها, كما أن وجود هذه الحلقات ساهم في ازدهار المجالس التعليمية مما ساعد على نشوء العديد من الكتاتيب المختصة التي تجاوز عددها عشر كتاتيب في أحياء مختلفة من المدينة لتعليم النشء من أبنائها.
ولعل من أشهر الكتاتيب المعلم عبدالله القرزعي وصالح الدامغ وعبدالعزيز الصالح الدامغ وعبدالعزيز محمد الدامغ ومحمد عبدالله الجناحي وعلي الشحيتان وعبدالرحمن بن سليمان الدامغ وفهيد المفلح الفهيد وغيرهم, لتأتي بعد ذلك مرحلة التعليم الأولى التي تخطت مرحلة الكتاتيب والتي بدأت مع نهاية النصف الأول من القرن الرابع الهجري تقريباً بدأ يظهر التعليم الأهلي بعنيزة.
ففي عام 1340ه افتتح المعلمان الفاضلان صالح وعبدالرحمن القرزعي مدرسته التي تعتبر أرقى من الكتاتيب لاشتمالها على عدد من العلوم المتنوعة كالقرآن الكريم والحساب والخط, ونلاحظ أن هذه المدرسة قد تميزت بتوسعها النسبي والنوعي، عما كان سائداً في مدارس الكتاتيب وكانت التكلفة المالية لكل طالب ريالاً واحداً بالإضافة إلى ما يمنحه لهم المقتدرون من أولياء أمور الطلاب وقت جذاذ النخل وحصاد الزرع من تمر وقمح وبالطبع كان لهذه المدرسة تميزها وتوسعها في مناهلها التعليمية وقد تخرج منها العديد من التلاميذ الذين لا يزالون يعترفون لها بالفضل ومنهم من اكتفى بتعليمها ومنهم من واصل تعليمه في المدارس الأخرى فيما بعد.
وفي عام 1347ه عاد الأستاذ صالح بن ناصر الصالح إلى عنيزة مسقط رأسه بعد أن تلقى علومه في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير التي انشأها الشيخ الشنقيطي ومارس مهنة التدريس في المدرسة المباركية في الكويت كما مارس التدريس في كل من البحرين ودبي, ومع بداية عام 1348ه أسس الشيخ صالح بن صالح مدرسته النظامية الأهلية التي جاءت على غرار مدرسة النجاة الأهلية التي أنشأها الشيخ الشنقيطي في الزبير وكانت مدرسة الشيخ صالح هذه تعد أول مدرسة نظامية تنشأ في نجد وثالث مدرسة في المملكة بعد المدرسة الصولتية بمكة ومدرسة الفلاح بجدة، وذلك وفق جدول دراسي يومي منظم يدرس فيها العديد من المناهج والعلوم كالعلوم الشرعية مثل القرآن الكريم والنحو والتوحيد والعلوم اللغوية بشيء من التوسع إضافة إلى شيء بسيط من العلوم الحديثة كالهندسة والرياضيات والعلوم الصحية والطبيعية إلى جانب التاريخ والجغرافيا والاملاء والخط.
كما كان للمدرسة نشاط غير منهجي متعدد مثل الصحافة والرياضة المدرسية حتى إنه أدخل التمارين الصباحية للطلاب إلى جانب الرحلات والحفلات وقد استمرت على نهجها الدراسي حتى عام 1356ه.
العلاقات العامة
فهد العلي الوهيبي