قدر لي قبل فترة قصيرة أن أمارس التدريس مرة في التعليم العام لعدة اسابيع، بعد ان مضى على نهاية تجربتي الاولى مع التدريس ما يقارب ربع قرن من الزمان, تجربتي الاخيرة مع التدريس رسخت لدي القناعة بأن لب وجوهر العملية التعليمية (هنا وفي كل أصقاع الدنيا لم ولن يتغير على مر الأزمان، يتمثل هذا الجوهر في: معلم يدرك ويقدر مسئوليته الاخلاقية والتعليمية تجاه طلابه ويعمل بكل طاقته للوفاء بمتطلبات هذه المسئولية انطلاقا من عشقه لمهنته وايمانه بمبادئها , ويتطلب الوفاء بهذه المسئولية أن نقبل مسبقا بان التدريس عمل شاق ويتطلب جهدا فكريا وعضليا كبيرا، ومن قال بغير هذا فلا تصدقه, ويتعاظم الإحساس بالتعب والملل من هذه المهنة (وبالتالي التذمر منها) عندما تؤدى بدون دافع ذاتي يحرك صاحبه لكسب ما تفرضه عليه من تحديات, ولما كان التدريس عملا ذا متطلبات عقلية وجسمية عالية، فعلى الذين لا يطيقونه ان يفكروا كثيرا قبل ان يقرروا الانتساب اليه، ومن جهة اخرى، علينا ألا نتوقع ان يكون العمل التدريسي منتجا وفاعلا طالما لم تُوفر للمعلمين فرص التأمل في مستوى ادائهم له والتحاور حوله وتقاسم خبراتهم ومرئياتهم التربوية بشأنه، إن مثل هذه الفرص تغيب تماما عن مدارسنا في الوقت الراهن, المعلمون بحاجة الى استثمار كل الفرص ليحققوا لأنفسهم نموا مهنيا، ومع ان جامعاتنا تزخر بنخب تربوية متميزة إلا إن اسهامهم في تقديم الدعم والتوجيه الذي يحتاج اليه المعلمون - خصوصا المبتدئون منهم - يبقى محدودا جدا (وقد لا يكون ذلك بالضرورة تقصير منهم), في التعليم العالي، على سبيل المثال، يحقق مفهوم الزمالة للفرد وللمؤسسة مكتسبات مهنية جيدة، وهنا نسأل: الا يمكن ان يتجلى هذا المفهوم ايضا في التعليم العام ليحقق للمعلمين وللمدرسة نموا وتطورا مهنيا, ان حوارا مهنيا راقيا في موقع الحدث (المدرسة) يشارك فيه المعلمون ونخبة من التربويين المحترفين قد يفوق في تأثيره كثير من برامج التدريب التي تقدم للمعلمين الآن، ان احد سمات الادارة المدرسية المتميزة يتمثل في نجاحها في إسقاط جدران العزلة المهنية السميكة القائمة بين منسوبي المدرسة لتقيم على انقاضها جسورا من التواصل الذي يثري مفاهيم وخبرات المعلمين.
لا يزال البعض من الطلاب يجد وحشة في الرجوع للكتاب المدرسي، إنهم يتجنبون الكتاب المدرسي ويبحثون بشتى الطرق عن بديل له, انني اعلم مدى الجهود التي تبذل في إخراج الكتاب المدرسي، ومع ذلك فقد يكون من المناسب جس هذه الظاهرة ان وجدت فعلاً.
د, عبدالعزيز بن سعود العمر