Wednesday 17th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الاربعاء 29 ذو القعدة


أما بعد
الثرية فلورانس,, بين الحياة والموت!!

حينما بلغت الواحدة والثلاثين كتبت في مذكراتها: ها أنذا ابلغ الواحدة والثلاثين ولا ادري لماذا تبدو الحياة مملة ولم أجد لها طعما بعد!!
ولا اظن ان شيئا في الحياة له طعم غير الموت!! هكذا كتبت الثرية الانجليزية فلورانس والتي قضت ثلث عمرها بدون عمل وبدون طموح؛ فالسيارات الفارهة في انتظارها كلما خرجت وجيش من الخدم ينتظر اشارة منها ليقوم نيابة عنها بكل ما تريد لذلك لم تشعر بقيمة الحياة رغم ثرائها الفاحش, ولكن من يقنع افواج السذج اللاهثين خلف المال, ومن يقنع الشباب الذي يتوقف طموحه في الحياة على امتلاك سيارة فارهة (وبأرقام مميزة) وهاتف (بارقام مميزة) ان الحياة بدون عمل وبدون هدف يطمح لتحقيقه هي حياة لا تختلف كثيرا عن حياة تلك الثرية فلورانس؟! جيش من السطحيين ربما لم يدرك بعد ان حياته ليس لها طعم وليس لها قيمة!!
شباب جامعي في عمر الزهور يقضي ليله ساهرا يتلقى بسلبية ما تبثه القنوات التجارية الفضائية,, واخرون قابعون في المقاهي حتى ساعات متأخرة من الليل,, ولافرق هنا بين مقاهي المعسل ومقاهي الانترنت فالجميع على اية حال يبحث عن العسل!!.
واخرون ارهقتهم الصناعات اللامعة ماديا,, فنظارته تلمع,, واقلامه تلمع,, وشفاهه تلمع!! واقصى طموح يتمنى تحقيقه في هذه الحياة ان تتربع صورته اللامعة على صدر إحدى المجلات والتي خالفت (العرف الخليجي) بإلغاء فتاة الغلاف لتحل محلها (فتى الغلاف)!!
فتات العلم يقتاته طلابنا (للاسف) من المذكرات الدراسية، بعد ان يقضي يومه الدراسي نائما على مقعد الدراسة وراضيا بتهميش الكتاب المدرسي والبحث العلمي.
لعلنا نعود لسيرة الثرية فلورانس فلربما اقتنع شبابنا بنصائح الجنس اللطيف اكثر من اقتناعه بغيرها.
بعد ان ادركت فلورانس تفاهة حياتها - وهذه اولى خطوات العلاج - اهتدت بعد ذلك الى وضع اسس التمريض عند النساء حينما نذرت نفسها لخدمة المرضى تطوعيا!! فرسمت لنفسها حياة جديدة نذرت من خلالها كل ما تملك من اجل الآخرين,, واصبحت عضوا نافعا في المجتمع، فتغيرت حياتها تماما وشعرت - لاول مرة - ان للحياة طعما آخر لايذوقه الا من عمل وكافح وفق امكاناته.
وبعد ان بلغت فلورانس التسعين من عمرها اصيبت بالعمى فكرمتها احدى الجمعيات الحكومية في بلادها على جهودها في مجال التمريض طوال ستين عاما مضت.
وبينما كانت على فراش الموت طلبت من احد مرافقيها ان يستكمل مذكراتها فقالت:
لعله من المضحك وانا ابلغ التسعين من عمري واعاني من فقد البصر ان اقول وانا على فراشي: اني لا ارغب في مفارقة الحياة!!
مفارقة غريبة من مفارقات الحياة شابة تتمنى الموت، وعجوز تتشبت بالحياة!!!
ماذكرته سابقا هو دعوة للعمل وتحقيق الطموح وليس دعوة للتشبت بالحياة!!
منيف بن خضير الضوي

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
ملحق الرس
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved