Friday 19th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 2 ذو الحجة


من المكتبة
حوار مع الطيب صالح

الكتابة: البشرية تائهة وانا تائه معها!
لم تشكل الكتابة هاجسا للطيب صالح، فهو قد كتب بالصدفة، وفوجىء بأن ما كتبه نال اعجابا لم يكن يتوقعه,, ولم يسع اليه.
كثيرون لا يعرفون ان الطيب صالح كان يفترض ان يكتب شعرا لا نثرا، وهو شغوف بالشعر الى حد كبير، ولعله من الذين قرؤوا الشعر العربي وتذوقوه تذوقا كاملا، وقد كتب بالفعل بعض الاشعار جاءت مبعثرة هنا وهناك في رواياته، دون ان ينسب ذلك الى نفسه.
اما بالنسبة للقصة والرواية فإن الطيب يلح دائما انه كتب عن طريق الصدفة لم ارغب - كما قلت واقول دائما - ان اكون كاتبا,, لقد جرى قلمي فكتبت,, هذه هي كل الحكاية .
وحين سألت الطيب عن طقوس الكتابة عنده وطريقته في الكتابة ,, متى يكتب؟ ,, كيف يكتب؟,, واجواء الكتابة لديه قال ضاحكا: يا زول طقوس شنو,, دي مسألة جاءت هكذا وخلاص .
وقد كتب الطيب صالح اشعارا اخرى يقول انها في اطار الاخوانيات، لكنه لم يرغب في نشرها.
اما المقالة فقد كتبها تحت الحاح وبطلب من عثمان العمير حين كان رئيسا لتحرير (المجلة) وواصل كتابتها بالحاح ايضا من عبدالرحمن الراشد الذي تولى بعد العمير رئاسة تحرير (المجلة).
ومازلت اذكر حين قال لي مرة: حقيقة لا اعرف كيف يواظب بعض الكتاب على كتابة مقال او عمود يومي,, فقد ايقنت ومن خلال كتابتي لمقال اسبوعي في مجلة المجلة ان هذا عمل مرهق للغاية .
والواضح والمؤكد ان مزاج الطيب صالح توافقه الكتابة الروائية وليس كتابة المقال, لذلك سنلاحظ بوضوح، ان بعض مقالاته هي في الواقع ذات نفس روائي ومن ذلك تلك السلسلة الطويلة التي كتبها عن صديقه منسي، والتي تعد بحق عملا روائيا متكاملا.
,, ولكن كيف يرى الطيب صالح الكتابة؟
هنا اقتبست كلاما اجاب فيه على هذا السؤال:
اثناء الكتابة تسكن الكاتب شخصياته التي يراهن عليها، وقد يحصل ان يحبها او يكرهها ، ويقوم بينه وبينها جدل ما او حوار، بل حتى خلاف ويوجد الكاتب دائما في مأزق، فهو يريد ويسعى الى ان تسير الشخصيات في اتجاه ما، والشخصيات تجره في طريق اخر، وهذا ما يجعل الكتابة تزداد اغراء, وقد تنبع شخصيات لم تكن بالحسبان اثناء عملية الكتابة, لكن هذا لا يعني انني اخلق شخصياتي بدون هدف، بل اتحكم في جعلها تؤدي شيئا معينا, الشخصيات - بهذا المعنى - ليست دمى متحركة، وعلاقتي بشخصياتي الروائية هي علاقة جدلية من خلال فعل الكتابة، هذه العلاقة الجدلية هي علاقة تفرضها الحياة التي نحياها، هناك ما نريده، وهناك ما نجد اننا مضطرون للقيام به .
اننا نلاحظ بوضوح كم هي بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه علاقة الطيب صالح بالكتابة,, او علاقتها به، وفي هذا الفصل الاخير من الكتاب يتحدث الطيب باستفاضة عن الموضوع ويسلط الضوء على جوانب ظلت خافية او حبيسة في دواخله فيقول:
***
لم ارغب ان اكون كاتبا في يوم من الايام، مثلما لم تكن لدي اية رغبة في نشر ما كتبته، وقبل ان اغادر السودان الى لندن كنت قد كتبت محاولتين في القصة القصيرة او شيئا من هذا القبيل ومزقتهما وانتهى الامر عند ذلك الحد.
وعلى الرغم من ان ميولي كانت أدبية فقد دخلت كلية العلوم - كما اسلفت - وبخاصة ان مجتمعنا السوداني في تلك الفترة كان يحتاج الى اناس يساهمون في حل مشاكله، وهي مشاكل التنمية والبناء.
كان الناس يفهمون لماذا تصبح طبيبا او مهندسا او بيطريا او زراعيا او عالما، لكن أن تصبح كاتبا فهذا غير مفهوم,, حتى (الفقيه) في القرية على اهميته لم تكن له اية وضعية اجتماعية محددة فهو ليس مثل المزارع.
وعلى الرغم من انه كان يجب علي مجارات ميولاتي الطبيعية وادرس الادب فانني لم افعل ذلك تحت ضغط البيئة والمجتمع وعاداته,, لذلك ستأتي فكرة الكتابة لاحقا بمحض الصدفة,, ثم اني لم احب مطلقا ان يقال انني كاتب.
عندما جئت لندن في فبراير (شباط) 1953 ، وجدتها تعيش تحت وطأة شتاء من افظع الشتاءات التي عرفتها انكلترا,, كان بردا قارسا، مازلت حين اتذكره تصطك اسناني.
وآنذاك بدأت الوم نفسي لوما شديدا، كنت اقول: لماذا جئت اصلا الى هذا البلد؟! وما هذه المصيبة التي رمتني وساقتني اليه؟!
في تلك الفترة وتحت وطأة الحنين الى اهلي وبلدي وعشيرتي كتبت قصة قصيرة اسميتها نخلة على الجدول كان ذلك عام 1933 ونشرت في وقت لاحق ضمن المجموعة القصصية دومة ود حامد .
قصة بسيطة كتبتها ببساطة شديدة جدا.
والآن حين اعود الى قراءتها ادرك الى اي مدى كنت تحت تأثير حنين جارف الى وطني,, كانت القصة تعبيرا عن حنين للبيئة ومحاولة لاستحضار تلك البيئة.
اطلع على القصة معاوية الدرهلي وهو احد اصدقائي الفلسطينيين فأعجبته كثيرا واذاعها من اذاعة لندن، ثم نشرت في وقت لاحق.
بعض الانجليز المستشرقين اعجبتهم تلك القصة وقالوا لي انت كاتب ,, ودهشت لذلك، بل ان دهشتي ازدادت حين قال لي معاوية الدرهلي، ان اسلوبي فيه ملامح من اسلوب جويس,, وبدا لي ان هذا كلام كبير جدا,,!
بعد نخلة على الجدول بقيت سبع سنوات لم اكتب شيئا,, كان الامر بايجاز شديد، انني رغبت في اقامة جسر وعالم تركته دون سبب واضح، وبدا لي ان الحكاية آنذاك انتهت عند هذا الحد.
بعد سبع سنوات كتبت قصة اخرى اسميتها حفنة تمر ثم كتبت دومة ود حامد ونشرت في مجلة كانت تصدر في لندن اسمها اصوات يحررها المستشرق الانكليزي دينيس جونسون ديفيس مع الصديق المصري الراحل ادقار فرج,,, وبادر دينس جونسون ديفيس الى ترجمة دومة ود حامد الى الانجليزية وارسلها الى مجلة انكونتر (Encounter) وكانت اكبر مجلة ادبية تصدر في بريطانيا في تلك الفترة,, ولشدة دهشتي قبلت المجلة القصة ونشرتها,,!!
وسر جونسون ديفيس سرورا بالغا بها، وعندما نشرت دومة ود حامد في مجلة انكونتر، ألح عليّ بضرورة مواصلة الكتابة,, ولا اخفي انني تعجبت لهذا الطلب، قلت له مواصلة الكتابة يعني ان اتحول الى كاتب,, هذه مزحة، لقد كتبت ما عندي ,, وخلاص!!
في تلك الفترة زرت جامعة اكسفورد وكان لي فيها بعض الاصدقاء منهم الاخوان حسن بشير وكرار احمد كرار رحمه الله، وهناك التقيت علماء من احدى كليات اكسفورد اسمها سانت انتوني (Saint Antony) كانت مجلة انكونتر قد نشرت في العدد نفسه الذي نشرت فيه دومة ود حامد قصة للكاتب الامريكي نورومان ميلر، وهو من اشهر الكتاب في امريكا,, واثناء تناولنا وجبة الغداء قال لي احد الاساتذة: هل تعلم ان نورمان ميلر يمكن ان يتعلم منك؟ .
صعقت حين سمعت هذا التعليق,, وتساءلت: يتعلم مني انا؟ .
فأجاب بالايجاب، وراح يتحدث عن مميزات القصة، وقال انها قصة كلاسيكية فيها بساطة شديدة، وجوانب فنية غير مطروقة.
مرة اخرى اسمع كلاما كبيرا جدا.
قلت مع نفسي ان دكاترة الادب هؤلاء ربما يستهويهم ان يأتوا بمصطلحات وجمل لا احد يعرف مدى صحتها!
ولكنهم، ولدهشتي الشديدة، كانوا يتحدثون في منتهى الجدية.
استغربت في قرارة نفسي من الصدى الذي وجدته القصة، وقلت ربما ستستمر فعلا حكاية الكتابة هذه,بعد ذلك كتبت عرس الزين والمفارقة انني كتبت هذه الرواية وتركتها، ولم تنشر إلا عام 1964.
كتبت بعدها موسم الهجرة الى الشمال التي نشرت في مجلة حوار في بيروت عام 1966 وكان يحررها الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق صائغ.
وبالنسبة لموسم الهجرة كنت كلما افرغ من فصل اسلمه لدينيس جونسون ديفيس، ليتولى ترجمته ,, كان قد ترسخ لديه اقتناع بأنني كاتب جيد,, وبعد ان فرغ من الترجمة سلمها الى دار النشر هاينمان وهي دار نشر انجليزية كبيرة ومحترمة، وصدرت موسم الهجرة الى الشمال عن هذه الدار الكبيرة.
هكذا بدأت حكايتي مع الكتابة واستمرت، لكنني كنت اكتب دائما تحت ضغط اقامة جسر مع بيئتي الاصلية كما تولد لدي احساس بمسألة اخرى ، فقد ظل يراودني شعور بأنني تنكرت لعالم احبه حبا شديدا خصوصاً انني كنت ملتحما بالبيئة التحاما تاما،,,, كنت منغرسا في بيئتي، ثم خرجت من تلك البيئة، والله اعلم ما اذا كنت محظوظا او سيىء الحظ فمن المؤكد انني خرجت دون مبرر حقيقي.
كان يمكن ان اظل في السودان واتابع دراستي هناك واعمل في بلدي، واقنع بما احصل عليه، لانني لم أتغرب ابدا لأجمع المال او ابني منزلا وما الى ذلك خرجت في وقت لم يكن فيه الناس يخرجون، وهكذا لازمني احساس انني تنكرت لبيئتي ,, ولدي اعتقاد ان معظم المتعلمين السودانيين خانوا الامانة بشكل او بآخر، اذ اننا لم نوف اهلنا حقهم, فاذا تأملنا الخرطوم الحديثة سنلاحظ انها بنيت بواسطة اناس جاؤوا من القرى، تعلموا ومكثوا هناك,, جيلنا وربما الجيل الذي جاء من بعدنا باستثناء قلة ، انشغل بنفسه لذلك اكتفوا ببناء دور لانفسهم وركبوا سيارات فخمة لكنهم تنكروا لجذورهم,, وتولد لدي هذا الاحساس وربما اكثر من غيري,, وربما بسبب الغربة، وربما ايضا بسبب درجة انتمائي.
ولدي شعور كذلك، وهذه نقطة قد لا يستوعبها كثيرون ان الشهرة توبخني لذا لا احس باية متعة من وراء الشهرة، بعض الناس قد يعتقدون ان ذلك من قبيل التواضع ، لكنه قطعا ليس كذلك,, احس بالتوبيخ الداخلي اذ انني ادرك ان الشهرة جاءتني بسبب تنكري اصلا لبيئتي ومحاولة اقامة جسور معها من خلال الكتابة,, ولا يعني هذا جلداً للذات، الامر لا يصل الى حد القسوة، لكن لدي احساس قوي بالتقريع بسبب عدم الوفاء بالعهد,.
بعض الناس يسألونني احيانا: لماذا لا يكون لي دور توجيهي على الساحة الادبية، او في مجال الكتابة,, والواقع انني استغرب جدا هذا السؤال!!
لست انانيا، لكن حقيقة لا احس ان لدي شيئا محددا يمكن ان امنحه للآخرين، كثر الله خير هؤلاء الذين يتكرمون فيقرؤون ما اكتب.
ثم ان طريقتي لا استطيع منحها للآخرين لانها نابعة من تكوين وظروف خاصة.
وبما انني لست ملتزما الكتابة الى حد كبير، لاعتقادي الجازم ان في الكتابة شيئا من عنصر اللعنة، فكيف اشجع احدا على ان يصاب بهذه اللعنة، لذا افضل ان يواجه كل واحد، اختار هذا الطريق، مصيره بنفسه كما واجهته شخصيا، لان الكتابة لعنة ولا يوجد عاقل يتمنى ان يصاب الاخرون باللعنة,كما اعتبر نفسي إجازة أسبوعية، بكل صدق، اني لست جزءا من الحركة الادبية بل لدي رغبة حقيقة بعدم الالتزام بالادب,, واتمنى ان اكون دائما على الهامش، واسعى دائما للابتعاد عن هذا الموضوع,, لذلك لا اقترب ابدا مما يسمى بالصالونات الادبية او اتحادات الادباء,, انا شخص على الهامش وافضل ان اكون كذلك,, هذا الوضع يريحني كثيرا.
* من كتاب (على الدرب مع الطيب صالح) للمؤلف طلحة جبريل.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير