الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه.
يؤمر الحجيج في اليوم التاسع من ذي الحجة من كل عام ان يخرجوا عن الحرم وحدوده ليقفوا محرمين في أرض عرفات التي لا تعد من الحرم، إنما هي صحراء تحيط بها الأودية والجبال، فمن قائل: أليست مكة المكرمة أشرف البقاع، وإليها تهفو نفوس المسلمين من بعيد فكيف بعد شد الرحال وانفاق المال؟!، والحسنة فيها بمائة ألف حسنة؟!,, بعد ذلك يؤمر الحجاج بتركها والحالة هذه.
أقول: قد يخطر هذا التساؤل من بعض المسلمين الذين ما عرفوا أهمية التوحيد الذي تنعم به هذه البلاد السعودية التي طهرها الله من الشرك ومن وسائله،فجزى الله الشيخ محمد بن عبدالوهاب وآل سعود أعظم ما يُجزى محسن على احسانه على حمايتهم جناب التوحيد.
فأعظم مقاصد الحج وكل العبادات غرس عقيدة التوحيد في صدور المسلمين، وتنشئة ناشئتهم عليها.
إذ لا تقبل أي عبادة أو قربة الى الله مالم تكن خالصة له.
فأنت ترى الحاج منذ تلبسه به يعلن التوحيد لله، بصوت عال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك الخ، فترديد هذه التلبية يعلم ان الغرض من الحج هو اعلان التوحيد بصوت يشترك فيه جميع الحجاج، إذ لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا هو، فالعبادة لا تصرف إلا له سبحانه، فالكعبة المشرفة التي هي اشرف بنيان على وجه الأرض إنما تحترم لأنها قبلة المسلمين، وبناء خليل الرحمن بأمر مولاه، فلا تعظم، ويطاف حولها إلا لتعظيم الله، لأن لها شرف توجه المسلمين اليها حال صلاتهم، وذبح نسكهم ليس إلا؛ فلا يظن جاهل أن تعظيم الكعبة عبادة لها، ولا الطواف حولها من أجلها، ورضي الله عن عمر حين قبل الحجر، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
وبعد: فقد اختص الله الكعبة بهذا التفضل، فلا يجوز للعبد ان يطوف على أية بناية أو قبة أو قبر أو نحو ذلك، ولما للكعبة من حب واحترام لدى المسلمين، وحولها تسكب العبرات، فإذا فراغ المسلم من أداء عمرته لبس ثيابه اذا كان متمتعا بالعمرة، ثم يحرم ثانية، ويخرج الى عرفات محرما ملبيا تاركا الحرم، وحدوده المكانية.
فيقف في عرفات بين يدي مولاه الذي خلقه، ورزقه، ويسر له الوصول الى بيته، فهو واقف بعيدا عن الحرم وعن الكعبة، معلنا في وقوفه التوحيد مكررا له.
إذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وافضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير ؛ ويستقر في قلبه انه فقير بين يدي ربه قد تجرد من ملابسه ولبس ملابس الاحرام مرددا لا إله إلا الله، فلا الكعبة، ولا القبة، أو الضريح، أو السيد، أو أي شيء ينفع، أو يشفع إنما ينفع الله، حتى شفاعة الأنبياء لا تتم إلا بأمره ورضاه.
فيا أخي الحاج اعرف التوحيد وتمسك به، فإذا كانت الكعبة ومحارمها التي الحسنة فيها بمائة ألف حسنة لا تنفع ولا تضر، واذا كان الحج عرفة، فلو ان حاجا قال: اريد ان اقضي يوم عرفة بجوار الكعبة بين طواف وصلاة وقراءة قرآن وذكر الله عزوجل، ولا أخرج الى عرفة لما أدرك الحج، وما كتبه له أجر من وقف بعيدا عن الحرم بعرفة، اذ مدار العبادة على التوحيد، وطاعة الله سبحانه، واخلاص العبادة له.
أخي الحاج: لعلك ترجع بعد حجك داعيا الى توحيد الله، محذرا من يطوف حول القبور، ويتمسح بعتباتها، ويخشع عندها.
فإذا كانت الكعبة المشرفة لا تنفع ولا تضر، فكيف بغيرها من الأبنية والأضرحة والمزارات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
أخي الحاج: لتعلم ان الحسنات مهما بلغت كثرة لا تنفع صاحبها مالم تكن خالصة لوجهه سبحانه وتعالى، وأن أي عبادة تؤدى، لا تنفع صاحبها اذا لم تكن وفق ما أمر الله به على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- لقوله عليه الصلاة والسلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد: فينبغي للمسلم ان يكون متبعا لا مبتدعا، فما أكثر البدع والمخالفات التي يظن اصحابها أنها حق.
أسأل الله ان يوفق الجميع للعمل الصالح المقبول، وان يجعل حجنا مبرورا وسعينا مشكور، وان يحفظنا بالإسلام، ويميتنا عليه، آمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
* عضو الدعوة والإرشاد في بريدة