Friday 19th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 2 ذو الحجة


من وحي المنبر
وجوب الحج وفضله
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله فرض الحج على من استطاع اليه سبيلا، سبحانه ما جعل عليكم في الدين من حرج، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل:(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين), وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من حج واعتمر وأدى المناسك كما أمره ربه، فصلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين فقهوا دين ربهم، وعلموا ما في الحج من منافع وفوائد فأدوا الفريضة امتثالا لأمر ربهم ومتابعة لسنة نبيهم واستفادوا الكثير من توجيهات نبيهم، وكانوا بحق في موسم حجهم ضيوفا للرحمن إليه يهرعون ومن جوده يسألون، ومن عفوه ورحمته يدعون ويطلبون رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله، واعلموا ان عبادة الله سبحانه وتعالى هي غاية الصفات والحلل التي يتحلى بها المرء في الدنيا والآخرة، فهي له افضل لباس في حياته وخير جنة من كل ما يخافه بعد مماته، فالانسان بأمس الحاجة الى تكفير الذنوب والآثام، وما دام الأمر كذلك فالجدير به المسارعة الى تقوى الله بفعل ما أمره به واجتناب ما نهاه عنه طاعة وانقيادا وامتثالا وعقيدة وديانة فحقيقة العبادة وغايتها محبة الله والذل والخضوع والاستسلام له، وسائر الأعمال مبني قبولها والثواب عليها على هذه الحقيقة وان تكون هذه الأعمال موافقة لما جاء به رسول الله فإن كانت الاعمال فاقدة صحبة الاخلاص والذل والخضوع، أو مخالفة لأمر الله وأمر رسوله، فهي مردودة على صاحبها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .
أخي المسلم,, بعد ان علمنا ان دوران التقوى على العقيدة والنطق والعمل، فالعمل إما أن يكون متعلقا بالبدن أو بالمال أو بهما، فمن الأعمال المتعلقة بهما حج البيت الحرام وزيارة هذه الأماكن المقدسة بعد رسوخ الإيمان بذلك في أعماق القلوب وتغلغله في مسام العروق وجريانه في البدن كجريان الدم أما ان حج البدن والمال مع تخلف القلب والروح، فالسفر وبذل المال حصل وتخلف الأجر والثواب بتخلف القلب والروح, فالحج ركن من اركان الإسلام، ومبانيه العظام، ففي الحديث عن رسول الله:بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا متفق عليه.
فمن جحد وجوبه أو استهزأ أو سخر بمن يحج فهو كافر بالله العظيم,, قال تعالى:(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
أيها المسلمون: ان أمة محمد هي خير الأمم لذا اختار الله لها أفضل الرسل وأنزل عليه لها افضل الكتب واختار لها افضل أيام الاسبوع عيدا، وهو يوم الجمعة الذي ضلت عنه اليهود والنصارى واختار لها من الأمكنة أفضلها وصرفهم بالصلاة إليها(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره).
وخص الله هذه البقعة المفضلة بعبادة لا تصلح بغيرها، وهي الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمرات، وهذه الأعمال مظهر للإيمان بالله وتوحيده اذا صدرت عن امتثال وانقياد ومتابعة لأمر الله وأمر رسوله ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده، قال عمر حينما قبل الحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك , وكما ان هذه الأعمال مظهر التوحيد ونفي الشرك، فهي اجابة لمنادي الله وهو الخليل ابراهيم( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود, وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).
ذكر ان الله قال لإبراهيم: أذن في الحج فقال يارب: ومن يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ فأذن على جبل أبي قبيس، فأجابه من اصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك.
أيها المسلم: ان الحج والعمرة نوعان من أنواع الجهاد إلا أنه لا قتال فيه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما سألته هل على النساء جهاد قال عليهم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة, والحج واجب في العمر مرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم .
نعم أيها المسلمون: الحج مرة، لكن رتب الله له من الأجر والخير الكثير ما الله به عليم، وما من أحد إلا وهو بحاجة الى هذا الأجر, مفتقر الى جنة الخلد، مترقب لرضا الرب ومما يحقق ذلك الحج المبرور قال صلى الله عليه وسلم الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .
وقد جعل فضله في المرتبة الثالثة من فضائل الأعمال، ففي الحديث عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله، قال ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا؟ قال ثم حج مبرور متفق عليه, وحنيئذ يراجع المسلم حجه وما بناه عليه من الأسباب التي تجعله مقبولا، وليصححه من الشوائب والمعوقات عما يجعله مبرورا, فهل حج بمال حلال ومركب حلال فرب أشعث أغبر يمد يديه الى السماء يارب يارب، ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام، فأنى يستجاب له وهل عمل أعمال الحج من احرام ووقوف وطواف وسعي وغيرها وفق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتسليم من ارتكاب الآثام كأذى الناس وسبهم وشتمهم، وألا يرتكب محظورا في احرامه، فحينئذ يصبح حجه مبرورا، ويرجع منه موفور الأجر والثواب، متجردا من الذنوب والآثام كتجرد المولود يوم ولدته أمه ظاهرا قلبه نقيا، قال صلى الله عليه وسلم: من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق, ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئِس الفقير, ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب.
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير