Friday 19th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 2 ذو الحجة


مشروعية الحج
د, نبيل بن محمد آل إسماعيل *

كلما أهل هلال شهر شوال -من كل عام- تتطلع القلوب، وتهفو النفوس الى تلك البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة,.
والأصل في المشروعية قول الله -عزوجل-: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)، وقوله :(وأتموا الحج والعمرة لله,,)، وقوله -صلوات الله وسلامه عليه: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا ، وهذه الفريضة ليست قاصرة على الأمة المحمدية- على صاحبها افضل الصلاة والسلام- بل هي ضاربة في الماضي البعيد,, حتى تذكرنا بدعوة أبي الأنبياء والمرسلين ابراهيم -عليه الصلاة والسلام-.
فقد جاء في الصحاح وغيرها: أنه لما فرغ من بناء البيت، قال له ربه -عزوجل:يا ابراهيم، ناد في الناس: إن الله قد بنى لكم بيتا فحجوه,, فقال: يارب، وماذا يبلغ صوتي؟, قال: يا ابراهيم،عليك النداء، وعلينا البلاغ,, فصعد على جبل أبي قبيس فنادى بالحج ثلاثا، فسمعه الخلق جميعا حتى من في الاصلاب والأرحام، وكل من قسم الله له الحج، أجاب ملبيا!! .
والى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير,,).
وتلك الألوف، بل الملايين التي تتوجه الى البيت الحرام -كل عام- هي أثر لبركة دعوة الخليل -عليه السلام- التي سجلها القرآن الحكيم في قوله:(ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون,,).
ولما كانت الشريعة الاسلامية مبنية على قواعد عامة لا تتخلف,, ومنها رفع الحرج، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، (يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا)، (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)إلخ.
لذا، فلم يفرض البر الرحيم هذه الفريضة - على المستطيعين- في العمر أكثر من مرة,, لما يكتنفها من مشقة بالغة لا يطيقها الكثيرون، فها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:يا أيها الناس، ان الله قد كتب عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت- حتى كررها ثلاثا- ثم قال:لو قلت: نعم؛ لوجبت؛ ولما استطعتم, ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على انبيائهم .
حتى من عجزت قواه البدنية، ووجد راحلة وزادا لمن يحج عنه، فإنه الحج مشروع له,, فعن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- قال:كان الفضل رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر اليها،وتنظر اليه وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصرف وجه الفضل الى الشق الآخر فقالت: يارسول الله:ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لايثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال نعم, وذلك في حجة الوداع أي: لم يأت بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم.
ومع هذا، فقد تنصل الكثيرون من أدائها، ولاذوا بالتسويف والأعذار المكذوبة حتى باغتهم الأجل المحتوم وهم محرومون وعندها يقول أحدهم (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون).
والويل - كل الويل- لمن تركها جحودا، أو كسلا وهو قادر على أدائها,, فقد بلغ من شدة الوعيد لتاركيها -بلا عذر شرعي- ان جعلهم في عداد الكافرين والمشركين,, ونلحظ ذلك في قوله تعالى:(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
ونلحظه -أيضا- في قوله -صلى الله عليه وسلم-:من وجد راحلة ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا ولعل قائلا يقول: ان الناس -في الجاهلية- كانوا يحجون، فما الفرق بين حجهم وحج المسلمين بعد مجيء النبوة الخاتمة؟
والجواب عن ذلك:
انهم كانوا يحجون على سبيل العادة، لا على سبيل العبادة، هذا فضلا عما خلطوه به من دلائل الشرك، وقبيح العادات، حتى أحبطت أعمالهم,, ولم يجدوا لها عند الله ثوابا,, يقول الله تعالى:(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عند فوفاه حسابه والله سريع الحساب, أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) ويقول: (وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا), ويقول -تبارك وتعالى-:(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا).
وقوله -جل شأنه- في الحديث القدسي: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه .
أما الحج -في عرف الإسلام- فهو قائم على التوحيد والاخلاص، يقول الحق -جل ثناؤه-:(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون): ويقول -سبحانه وتعالى-:(ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين, بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).
وقوله -صلى الله عليه وسلم- في العبادات عموما: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى الحديث، وفي الحج خصوصا يقول: خذوا عني مناسككم .
نسأل الله الحي القيوم ذا الجلال والإكرام أن يجعل حجنا وعمرتنا وفق ما شرع، وان يرزقنا وجميع المسلمين القبول بفضله وكرمه آمين .
وصلى الله على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
* وكيل قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير