مع ما يمر به العالم الآن من متغيرات متسارعة خاصة في مجال الاتصالات والاقتصاد، اصبح العالم الإسلامي يواجه العديد من التحديات التي تفرضه هذه المتغيرات مثل العولمة والجات ، مما يستدعي ضرورة تضافر الجهود الإسلامية للتحصن في مواجهة هذه التحديات، مع الاستفادة بكل أسباب التقدم والرقي المتاحة.
حول هذا الموضوع كان لالجزيرة هذان اللقاءان مع اثنين من علماء المسلمين.
المتحدث الأول كان فضيلة مفتي جمهورية مصر العربية الشيخ الدكتور نصر فريد واصل، الذي استهل حديثه موضحا ان الاسلام دين عالمي جاء لدعوة الناس في كل أقطار الأرض ليكونوا أمة واحدة ينتشر الخير بينها، وتراعي المصالح المختلفة لكل قطر، فالإسلام دعوة الى التعاون وتبادل المنافع.
واضاف فضيلة المفتي قائلا: ولكن العولمة بالمفهوم الغربي تجعل العالم الإسلامي سوقا رائجة لسلع الغرب وأهله، وما هم إلا مجموعة مستهلكين وتابعين للغرب يسددون فاتورة غذائهم في وقتها، فالغرب يستهدف من العولمة ضرب عناصر ومقومات نهضتنا، والقضاء على جميع البنى والأسس التحتية لأية حركة نحو التقدم والتمدن الواعي والقائم على أسس علمية وثقافية مدروسة.
واشار د, نصر واصل الى أنه من أبرز المخططات الماكرة التي وضعها الغرب، ضرورة بقاء العالم الإسلامي في التخلف العلمي، ولاشك ان هناك صراعا خفيا وعلنيا مستمرا بيننا وبين مجموعة الدول الامبريالية التي تعمل بأقصى درجة كي تبقى اقطار العالم الإسلامي متخلفة ومغيبة عن الواقع، وتكون بلا وزن ولا تأثير في الكيانات الدولية العملاقة.
ثم قال فضيلته: وهذا التخلف فيه خدمة لمصالح الغرب وأوروبا، حيث انه اذا ظهرت أي محاولة للنهوض من جانب أي قطر عربي أو إسلامي يتم وأدها في مهدها، وذلك من خلال التآمر والتهديد، والأمثلة على ذلك كثيرة.
أما العولمة فهي غاية من غايات الإسلام، ونحن المسلمين لا نخاف من العولمة ولكن علينا ان نستفيد من كل أسباب التقدم المتاحة من أجل اللحاق بهذه الحضارة في العلم والاقتصاد والمال، ولكن يجب الاحتياط من السلب والمخاطر الأخرى التي تنطوي عليها هذه المرحلة، وان نحترس من الذوبان في العالم حتى لا نفقد هويتنا!.
وحول الجات وما تفرضه من تحديات يقول مفتي جمهورية مصر العربية: هذا الأمر يجعلنا نسعى للنهوض باقتصادنا، ولا نعطي الفرصة للغرب كي ينفذ شعاره الأغنياء يزدادون غنى بينما يزداد الفقراء فقرا لأن دول الغرب مارست النهب الرأسمالي بطريقة منظمة ومتحكمة، وقامت بهذا الدور شركات عملاقة يسمونها الشركات المتعددة الجنسيات منذ فترات طويلة.
واختتم فضيلته حديثه بقوله: ولاشك فإن الدول الغربية مثلما نهبت ثروات شعوبنا فقد نهبت ايضا فرصة تصنيعها ونهوضها، باجبارها على التخصص في انتاج الموارد الأولية، والاعتماد على الدول الأوروبية الصناعية المتقدمة في احتياجاتها الأساسية، توثيقا لتبعيتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
حكم القطب الواحد زائف
أما فضيلة مفتي جبل لبنان الشيخ الدكتور محمد بن علي الجوزو فيرى اننا اذا كنا نريد من العولمة ذلك التقدم الهائل الذي حدث في مجال الاتصالات، بحيث أصبح العالم، وكأنه قرية واحدة تكاد تعرف كل ما يجري على سطح الكرة الأرضية في خلال دقائق معدودة من خلال القنوات الفضائية التي تتزاحم فيما بينها لتقدم كل جديد وتحرز قصب السبق على غيرها، أو من خلال الانترنت الذي اصبح موسوعة فكرية وعلمية واعلامية يتقبل كل ما يملى عليها من معلومات سواء صادقة أو كاذبة,, أو من خلال هذا الجهاز الصغير النقال الذي تحمله بيدك فيربطك بشتى انحاء العالم,, فإن العولمة هنا تصبح تعبيرا صحيحا عن هذه الطفرة العلمية التي وصل اليها العالم اليوم.
واضاف فضيلته بقوله: وهذه الوسائل كلها لها تأثيرها فكريا واجتماعيا واقتصاديا على كافة الصعد الانسانية في هذا الكوكب، ولكن ليس معنى ذلك ان شعوب العالم اصبحت واحدة، يحكمها منهج فكري وسياسي واقتصادي واحد، وان هذا المنهج الذي يبشر به الغرب أو تبشر به أمريكا، هو الذي يسيطر على مقدرات الشعوب اليوم، وهذا ليس صحيحا، فهناك صراع سياسي مرير يدور على أرض أمريكا، وأكبر دليل على هذا هو تلك الفضيحة الاخلاقية التي ارتبطت بسمعة الرئيس الامريكي كلينتون، والتي ما تزال قيد الابتزاز في الكونجرس الأمريكي، مما يؤكد ان أمريكا تحكم بادارة مريضة، تخضع لضغوط كثيرة، لا نكاد نراها، وان كنا ندرك ان الصهيونية العالمية تقف وراءها ورغم القوة المزعومة لأمريكا، فإنها لا تستطيع حماية نفسها من المكائد الصهيونية والرأسمالية,, ودعوى وجود القطب الواحد الذي يحكم العالم اليوم دعوى زائفة,, لأنها لا تقوم على أسس ثابتة ومستمرة.
واستطرد د, الجوزو قائلا: انها حالة مؤقتة وستزول كما زالت امبراطوريات كثيرة، وليس آخرها الامبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، أو الاتحاد السوفياتي الذي كان يحمل مشروعا ماركسيا يقول بحتمية التاريخ، وسقوط الرأسمالية لتتولى البروليتاريا حكم العالم,, لقد سقط المشروع الماركسي، وسقطت معه جميع نظرياته,,؟!.
ثم أكد فضيلة المفتي اللبناني ان التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي بالنسبة لهذه المتغيرات تحديات كبرى، أهمها ألا تضيع شخصيته،ولا ينبهر بما يرى من ثورة في عالم الاتصالات,, بل يحاول ان يستفيد من هذه الثورة لصالح الحضارة الإسلامية، والثقافة الاسلامية والعقيدة الاسلامية، فيقدمها للعالم على أنها البديل الديني والأخلاقي لجميع الحالات المرضية التي تصيب العالم اليوم، والتي تدمر أسسه الاجتماعية والانسانية والاخلاقية.
وعاد الدكتور الجوزو الى الاستدلال بقصة كلينتون وفضيحته الجنسية على أنها تصلح مثالا على مدى انهيار الأخلاق في المجتمع الأمريكي، لدرجة أن رئيس أكبر دولة في العالم اصبح مدعاة للسخرية والاستهزاء من قبل شعبه ومن قبل شعوب العالم، بسبب ضعف الوازع الديني والأخلاقي بالنسبة للرئيس الأمريكي، وبالنسبة للكونجرس الأمريكي الذي حرص كل الحرص على تضخيم الفضيحة واشاعتها بين الناس رغبة في تدمير سمعته واسقاطه، مع ان المجتمع الغربي كله يضج بمثل هذه الممارسات الجنسية المنحلة,,؟!.
واعتبر فضيلة المفتي ان مثل هذه الفضيحة تعتبر فرصتنا لنبين حكم الإسلام في مثلها، والتي يحرص الاسلام على وأدها وعدم اشاعتها حرصا على كرامة الناس، وعلى حصر الرذيلة في نطاقها الضيق، حماية للمجتمع كله,, وتحصينا له من الفساد,, فالاسلام الذي وضع قاعدة هامة تحكم المجتمع في تطبيق الحدود، وهي أدرأوا الحدود بالشبهات أراد من وراء ذلك ان يحمي هذا المجتمع من بعض مظاهر الضعف البشري,, حتى لا يشيع ذلك بين الناس، وحتى يحافظ على أعراضهم من أن تلوكلها الألسنة.
|