إشكالية العالم مع نظام بغداد انه لا يمكن التعامل معه ضمن الأطر السياسية او الدبلوماسية المعروفة في تعامل الدول بعضها مع البعض، كما انه لا يقوم على الركائز التي تحدد انظمة الحكم في الشرق او في الغرب، وبالتالي لا يمكن النظر اليه كنظام اسلامي أو عروبي.
وقد يتساءل بعض الطيبين: كيف لا يمكن اعتباره نظاما اسلاميا أو عربيا؟ وهو عضو في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي, فلهم اقول: تذكروا مسرحية (صدام حسين) عندما اعلن في حشد جماهيري ببغداد عن رفضه لاتفاقية الجزائر التي وقّعها (صدام) نفسه عام 1975م ومن ثم عمد الى تمزيقها في مشهد تمثيلي وشنّ الحرب على ايران وبعد ان ذاق مرارة الحرب وتجرع كأس الذل والهوان اخذ يستجدي ويطالب بوقف الحرب وقبِل بما كان يرفضه، أي بالعودة الى اتفاقية الجزائر والقبول بالمطالب الايرانية كاملة في شط العرب.
وتذكروا غزوه لدولة الكويت واحتلاله لبلد جار عربي كامل السيادة، باعتبارها المحافظة التاسعة عشرة، وبعد هزيمته المخزية وتحرير الكويت قبِل بشروط التحالف الدولي بصورة مذلة في خيمة صفوان داخل العراق.
وتذكروا رفض نظام بغداد لسنوات مشروع الأمم المتحدة المسمى ببرنامج النفط مقابل الغذاء دون ان يشعر للحظة بآلام شعب العراق الذي يتضور جوعاً ويتألم مرضاً، ممعناً في المتاجرة بموتى اطفاله، وأخيراً وبعد سنوات قبِل بما كان يرفضه دون قيد او شرط ورحم الله اطفال العراق.
وتذكروا عندما رفض نظام بغداد تفتيش قصور (صدام حسين) بينما يقبل في نفس الوقت ان تقلّب فُرُش الماجدات العراقيات بحثاً عن اسلحة الدمار الشامل، وعندما تلقى الصفعات من قِبَل الأمم المتحدة قبِل صدام حسين ان تقلب شراشف أسرّة نومه قبل قصوره، فأعان الله ماجدات العراق.
وتذكروا تعاون (صدام حسين) مع الصرب ضد المسلمين في البوسنة والهرسك عندما كان الصرب يذبحون المسلمين هناك، ولعل حادثة الحجاج العراقيين تكشف بصور مختلفة جليّة تصرفات (صدام حسين) الذي لا يعدو ان يكون زعيم عصابة، سطا على العراق أرضاً وشعباً ومقدرات واستمرأ العبث بكرامة هذا الشعب الكريم لتحقيق اهدافه الشريرة، فالحج بالنسبة للمسلمين هو الركن الخامس من أركان الاسلام ولا يصح التلاعب بمشاعر المسلمين تجاه ركن من أركان الاسلام.
ومع هذه الحقيقة فان (صدام حسين) أوهم ثمانية عشر ألفا من ابناء الشعب العراقي المسلم، بأن في امكانهم اداء مناسك فريضة الحج برّاً عبر منفذ جديدة عرعر، ولأنهم يدركون مكارم الاخلاق لدى القيادة السعودية والشعب السعودي صدّقوا كذبة (الزعيم) في انه سوف يسمح لهم بأداء فريضة الحج، وما عرف المساكين ان نظام بغداد كان يتخذهم ذريعة لأهداف سياسية غبية وخبيثة، كعادته في ادارة أزماته التي يصنعها ثم يصعّدها ثم ينهيها بعد ان يشرب آخر قطرة من الذل الذي تعوّد عليه ويبدو انه اراد تعميمه على شعب كريم لا ذنب له، ومشكلة (صدام حسين) انه لم يع بعد ان العالم قد تمكن من الغوص داخل نفسه وحدّد مكامن ضعفها واصبح على دراية بأهدافه ومراميه بينما هو يتوهم بأنه يملك وحده زمام ادارة الازمات!!.
إن الهدف من حشد ثمانية عشر ألف شخص من العراقيين على الحدود السعودية/ العراقية هو لتضليل الرأي العام الاسلامي والدولي لتأكيد ادعاءاته بأن الأمم المتحدة ترفض تمكين العراقيين من اداء مناسك الحج وذلك برفضها دفع المبالغ المالية التي تتيح لهم اداءه، بينما الحقيقة المعلنة والمعروفة هي بالقطع غير ذلك ، فالأمم المتحدة عرضت تسليم كل حاج عراقي مبلغا يقارب ثلاثة آلاف دولار بينما نظام بغداد يرفض إعطاءهم هذه المبالغ ويطالب هو باستلامها، ومن الطبيعي ان ترفض الأمم المتحدة طلب (صدام حسين) لكونه يقود نظاماً قاصراً وفق الشرعية الدولية، فهو النظام الوحيد في العالم الذي قتل شعبه بأسلحة الدمار الشامل، وهو النظام الوحيد في العالم الخارج على القانون الدولي بشنّ حرب عبثية مع ايران استمرت ثماني سنوات انتهت بقبوله بالمطالب الايرانية بعد ان تسبب في قتل اكثر من نصف مليون عراقي، واهدار عشرات المليارات من الدولارات من ثروات الشعب العراقي، وهو النظام الوحيد الذي غزا دولة عربية كاملة السيادة وحوّلها الى محافظة عراقية، مهدراً حقوق الشعوب وضارباً بالشرعية العربية والاسلامية والدولية عرض الحائط، ومن ثم اعاد العراق الى الوراء خمسين سنة على الاقل ناقص السيادة على الجغرافيا والشعب والسياسة داخل حدود العراق نفسه، وتسبب في تدمير مقدرات العراق الاقتصادية والعسكرية والصحية والاجتماعية.
فكيف إذن تأمن الأمم المتحدة على نظام ناقص الأهلية في ادارة مصالح الشعب العراقي.
هذه هي الحقائق في علاقة نظام بغداد مع الأمم المتحدة,, حول موضوع الحجاج العراقيين.
أما الأهداف الاخرى التي دفعت (صدام حسين) إلى التلاعب بمشاعر الحجاج العراقيين عبر حشرهم على الحدود العراقية/ السعودية ومطالبته المملكة العربية السعودية بإعطائه الأموال العراقية التي يدّعي بأنها محجوزة في البنوك السعودية للصرف منها على حجاجه، فالمسألة ببساطة يعرفها العالم كما يعرفها نظام بغداد وهي أولاً: ان الاموال العراقية الموجودة في بنوك العالم - إذا كان له اموال فيها - محجوزة وفق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والتي قبِل بها صدام حسين.
ثانياً: الأموال العراقية الموجودة لدى البنوك السعودية، فعلى الرغم من انه تنطبق عليها قرارات الامم المتحدة إلا أنها مبالغ زهيدة لا تعادل ثمن المبالغ السعودية المستحقة للبنوك السعودية والمحتجزة في بنوك النظام العراقي في بغداد، فكيف يطالب بأمواله الزهيدة لدى البنوك السعودية بينما هو يسطو على اموال البنوك السعودية واموال رجال الأعمال السعوديين في بنوك العراق، مع احقية المملكة العربية السعودية بمطالبة العراق بتسديد المستحقات السعودية,, إن عليه هو ان يطالب الامم المتحدة بالافراج عن امواله وذلك بعد ان تُسدد حقوق الشعوب والدول المستحقة على العراق.
فبماذا يطالب نيرون العراق؟.
ثم ان النظام العراقي كنظام مدين للحكومة السعودية بمبالغ تفوق خمسة وعشرين مليار ريال كقروض لم يسددها حتى هذه اللحظة,.
الا يحق لنا ان نسأل العقلاء في هذا العالم -ومن الطبيعي ان نظام بغداد خارج دائرة العقلاء-: هل رأيتم نظاما في العالم يمارس الإفك والرذيلة واستمراء الكذب الفاضح اكثر من نظام بغداد؟.
الجواب تعرفونه واعرفه مقدما,, ليس هناك سواه.
فعندما اعلن خادم الحرمين الشريفين عن ترحيب المملكة العربية السعودية باستضافة الحجاج العراقيين على نفقة المملكة العربية السعودية وفق الثوابت الاسلامية السعودية المعروفة أسقط في يد زعيم النظام العراقي فأسرع لاجبار الحجاج العراقيين على العودة الى العراق دون ان يتمكنوا من اداء فريضة مناسك الحج.
اما الاسباب التي دفعته الى ذلك فهي لا تفوت على المراقبين في الشأن العراقي فالنظام العراقي لم يكن في نيّته أصلاً السماح لهذا العدد الكبير بدخول المملكة العربية السعودية فهو دائماً يقوم بعملية انتقائية للراغبين في اداء الحج من العراقيين بحيث لا يمكّن منهم الا من بلغ من السن عتيّاً لحقيقة يدركها هو قبل غيره,, فالقادرون منهم على الفرار من العراق سوف ينتهزون فرصة الحج للهروب من بطش نظام بغداد وسوف يستصرخون العالم للعمل على عدم تمكين صدام حسين من استعادتهم بل انهم على استعداد لمحاربته اذا مُكّنوا من ذلك, فغالبية الثمانية عشر ألفا هم من هذه الفئة, لهذا كان يزايد بهم ويتاجر وعندما اعلنت القيادة السعودية عن استضافتهم تسلل الرعب الى داخل قلبه,, فزعيم لا يأمن ابنه على حياته منه، بماذا يمكن ان يوصف؟!.
وماذا يمكن ان يكون موقفه من شعبه؟.
وماذا يمكن ان يفعل به هذا الشعب لو تمكن منه؟!.
والذي ينبغي ان يعيه الجميع ومن ثم يكون على اساسه التعامل مع النظام العراقي انه نظام (بلطجي) لا يعترف الا بلغة القوة والقوة وحدها,, فالركل في وسط البطن هو الذي يعيده الى رشده إذ إن التعامل الدبلوماسي الراقي والنوايا الحسنة لا يحسن التعامل معها قاطع الطريق وناهب ثروات الشعوب، وكاتم انفاس الناس.
إنني اعرف ان الحكومة الرشيدة في بلادنا تزن الأمور بميزان العقل والحكمة والمصلحة الاسلامية والعربية ولكن هذا لا يمنعني كمواطن سعودي من ان اقول ما أراه صحيحا وليس بالضرورة أن يكون هو الأصوب، لقد كنت اتمنى عندما وصلت الطائرات العراقية الى بلادنا متجاوزة الحظر الجوي المفروض من قِبَل الأمم المتحدة على نظام بغداد ان لو تم احتجازها على وجه الخصوص، فالعراق يمارس الحرب على بلادنا بكل الوسائل غير المشروعة فلا أقلّ من ان نحتجز طائراته وفق متطلبات الشرعية الدولية مع تمكين الحجاج العراقيين من اداء فريضة الحج.
فماذا عساه ان يفعل,, سوف يجد أنه عاجز عن فعل اي شيء,, وفي هذه الحالة لا بأس من تذكيره بطائراته التي استولت عليها ايران وهي تفوق المائة طائرة,, ترى هل يذكرها أم أنها أصبحت لديه من سقط المتاع؟!!
د, خالد آل هميل