تدلى غطاء الفرو الأبيض من زاوية السرير الخشبي بعد رميه.
تقلبت صفحات الكتب الموضوعة على المنضدة، وتغير مكان قطعة القماش السميكة المثبتة بأعلى النافذة، عندما فتح النافذة بأقصى قدر تصل اليه اليدان.
تنهد واستنشق كمية كبيرة من الهواء بقوة، أحس بالهواء البارد النقي يدخل رئتيه، ويطرد بقايا الهواء الملوث.
كرر العملية مرات عدة الى ان اطمئن قلبه المضطرب.
ثبت بصره بمكان واحد، وانشغل فكره باسترجاع ما سجلته ذاكرته من طيف الصورة التي رآها، وبدأ معها لسانه يترجم بصوت مسموع,, بقايا لحم وعظام مفترسة تواً، ارض خالية من التضاريس والشجر، أصوات مخيفة قريبة، أضواء بعيدة لامعة .
انعقد حاجباه، وقرع أسنانه بشدة، ثم قال لم يكن هذا فقط,!
بدأ يجوب بنظره أنوار المدينة الخافتة، ومكان الغابات التي تحولت مساكن، رغم الأشجار العارضة التي قطعت من النصف، وخصص طرف المدينة مخزنا لها.
ساءه هذا المنظر وأدخل الحزن الى قلبه، ولكن سرعان ما دخلت البهجة والسرور قلبه عندما ابصر الغابات البعيدة المحيطة بالمدينة من كل جانب.
ورجع الى سريره وكله نشوة وأمل.
منصور حماد حرّي المطيري
* يكتب منصور المطيري قصته بنفس الأسلوب الذي يصور به الانطباعيون لوحاتهم ضربات سريعة بالفرشاة المغمورة باللون بهدف اصطياد اللحظة،عند أولئك وجمل قصيرة مغمورة بالمشاعر بهدف القبض على اللحظة عند كاتب القصة,.
يكتب كتصوير الانطباعيين ليس لأن القصة قد حملت عنوانا لها صورة لم تكتمل أو لأنه يترك نفسه تتمادى مع ما تطبعه في نفسه الاشياء من حس وانطباعات وانما لأن اللوحة يقول انها لم تكتمل بين يديه شديدة الشبه بلوحات الانطباعيين التي لا ترى منها شيئا عن كثب ولكنك ما تكاد تبتعد عنها قليلا حتى تكتشف فيها دقة متناهية، ان الانطباعيين، وان منصورا المطيري معا يصورون رؤى النفس ومشاعرها لا رؤية العين المباشرة المحدودة,, هكذا تصف الجملة القصيرة عند منصور شيئا ربما تراه العين، ولكن ليس هذا دورها، وانما تترك تلك الجملة انطباعا وحسا ربما لا علاقة لهما بالمشهد الماثل، فنكاد نتصور بيتا نافذته تطل على واد، تصطرع فيه الحيوانات ويأكل أشرسها الضعيف منها، تحيط بذلك الوادي من كل جانب غابات الاشجار كان هذا المشهد بالنسبة للبطل فيما يبدو يمثل اضطراما للحياة يمنحه راحة وسكينة كلما ضاقت في الغرفة أنفاسه فانطلق الى النافذة يعب من نقاء هوائها,, هذه المرة رأى الناس في معركة الحياة وغلبة القوي للضعيف قد جردوا مشهده الأثير من سحره، وجردوا الحياة من نضارتها حين قطعوا اشجار الغابة هل لكلمة (غابة) دلالة هنا ؟.
هذا ما يقوله مشهد بقايا اللحم والعظام لصراع مقابل لا ما تقوله ألوان انسحبت عن أشجارها بعد ان تقطعت وحدها مثلما ان فتك حيوان شرس بآخر ضعيف لا يقوله مشهد بقايا العظام وحده بل وصف الأشجار التي تعرت منها الارض ايضا,, وصورة المشهد كله مقابل موضوعي للحياة في الدائرة الكبيرة، وصورة مستودعات الاخشاب وخلاء الارض من نضرتها معادل موضوعي في دائرة اضيق وبقايا العظام واللحم معادل ثالث في دائرة اشد ضيقا، ولم تكتمل الصورة بالدائرة الاقل جدا التي تلتف حول عنق بطلها!.
قصة منصور بالغة الكثافة وبالغة البساطة وهذا جمع بين صعبين يضيف لمنصور المطيري تفوقا جديدا.