Tuesday 23rd March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 6 ذو الحجة


تشكيل
إيغالات الحرمان العدمية,,!!
لوحة: أسماء

اسم هذه اللوحة لصديقة الصفحة (اسماء) هو الحرمان، والحرمان يعني احتياجا ضروريا الى شيء مفتقد لكن هذا الفقد بطبيعة الحال لا يعني فقدا لكل شيء والا غدا الحرمان نوعا من العدم قد يملك الانسان بيتا وثيرا ولكنه يعني الحرمان من القيادة لعلة صحية، وقد يملك مالا ولكنه يعاني الحرمان من الطعام بأوامر الطبيب.
ولكن اسماء تقدم لنا حرمانا يوغل في النفي حد العدم,, كائن بشري - كان انسانا وحرم من انسانيته - يتداخل في نفسه الى اضيق نطاق حتى اصبح كتلة متكومة وملتمة في ضيق قوقعة لا تتسع الا لمخلوقات الخلية الواحدة، مثل جنين هو في هذا الرحم من الظلمة ليس محروما من ثوب ثمين او (خيشة) رخيصة تستر جسمه فحسب ولكنه ايضا محروم من (الملامح) الانسانية فرغم هذا الضوء الساقط عليه من نافذة علوية ساطعا او كاشفا لا يبين له ظل انف ولا تجويف فم او عين، هو ليس مأثورا وسط هذه الظلمة ومحظيا بهذا الضوء فما جاءه الضوء ككل الخلق يهتدي به بل نوعا من الفضح يعري في حرمانه كل السوءات فلا عاد يملك هبة الظلمة تستره ولا عاد يملك نعمة النور ترشده هاهما النور الظلمة معا ولكنه محروم من الاثنين,,!!
يملك - او يغتصب - من المكان مساحة تضيق على نفسها تشبه قطاعا مجتزأً من قبة ضيقة او ربما كان هذا تجويف جدار القبلة في مسجد، عز عليه بيت في الدنيا يأوي اليه فأوى الى هذه الزاوية,, فكان لا يتسع له ان يمد رجله او يبسط جسمه فبقي الكائن محروما من حق التمدد او الراحة ولضيق المكان استأصلت الظلمة منه اطراف الاقدام التي غيبتها كأنما تهيئه لإمكانية التقوقع في شح الفراغ!!لاشيء حوله، طعام او آنية فارغة تدينه بشبهة ان قد نال قسطا من حق الاكل ولا شربة ماء! فأي حرمان اشد ايغالا من العدم؟!
اسماء فنانة موهوبة قدمت لنا المشهد مصمتا كأنه (قطاع) شق بسكين من كتلة كبيرة لنرى ما بداخلها وبالتالي تواجهنا بمقدمة اللوحة، الواجهة انسداد مصمت يمعن في جموده بسواد هذه الظلمة فلا منفذ لنا للروغان من فداحة المشهد لا منفذ للمحروم للفرار من عدمه الطاغي على وجوده,,,! يصدمنا - عند الرؤية - هذا الانسداد الاصم للواجهة كأنه حجر يفجأنا غيلة وفجأة في الوجه كي نستفيق على دمامة مشهد يجترح في الآدميين انسانيتهم ويصمها بالادانة,, تكشف موهبة اسماء عن نفسها في حيلها الفنية التي مكنتها ان تضع لنا كائنا في قلب الظلمة وتمكننا من ان نراه في ذات الوقت تلك النافذة العلوية التي تسقط شعاعا ولا تمد ضوءا يبدد ظلمة,, ما اروعها!وحين نتصور كيف جاورت غابة النور مع غابة الظلمة بأداة هي (قلم الرصاص) (المرسم) يزداد تقديرنا لهذه الموهبة.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
شعر
الركن الخامس
الرياضية
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved