Tuesday 30th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 13 ذو الحجة


قصة قصيرة
(الحلم)

ها هي ليلى، ها هي تسير في ذلك الطريق بقرب تلك القرية التي هجرت منذ سنين واصبحت جرداء من كل شيء حتى من الخضرة والناس، ولكن ترى لماذا تسير فيها، انها تسير في اتجاه معين وفي ناصية معينة ترى على ماذا تلوي ولماذا تخطط؟ انها تسير بانتباه شديد ، فجأة أحسّت بشيء يسير وراءها احست بخطوات بشرية تمشي وراءها ولكن ترى من يكون؟ لم تكن خائفة وهذا الذي ادهشها، لماذا لم تخف؟ لماذا لم تسرع في الركض لماذا لم تلتفت خلفها لترى من هو؟ كانت وكأنها تعرف تلك الخطوات كانت كأنها تدرك خطوات حسن هذه ولكنها لم تلتفت وواصلت السير في نفس الاتجاه الذي اختارته، ترى من يكون هذا؟ هل يكون هو بعد كل هذه السنين؟
هل يكون هو؟ بعد كل هذه الغربة الطويلة!! بعد عشرين سنة! ولكن لماذا يعود؟ لماذا يأتي؟ ماذا يريد؟ الا يكفيه ما فعل الا يكفيه هذه الهجرة الطويلة ام تراه اتى ليدمر الباقي ولكن لماذا؟ لماذا يدمر الباقي؟ لقد دمر الماضي والحاضر هل يريد تدمير المستقبل ايضا؟ لا لن اسمح له، لن اسمح له بذلك,, ومازال السؤال ملحا لماذا عاد؟ هل تذكرني بعد هذه الغربة الطويلة، هل تذكرني بعد كل هذه السنين، هذه الغيبة وبعد كل هذا الفراق تركني اعيش وحيدة قال لي:
سأعود لك اطمئني سأعود ولكنه لم يعد قالوا بانه مات هل مات حقا لم اصدق في حينها وانا الآن لا اصدق وعندما استدارت لترى من هو وجدته ميتاً!!! ولكن قبل عشرين سنة.
أشجان عمر البدر

** كتابة القصة في شكل حلم تحتاج الى خبرة ومعرفة بعلم النفس، تمكن صاحبها من أن يرد احداث الواقع واوضاعه الى رموز مناسبة في الحلم، وان يقيم علاقات بين تلك الرموز في عالم الحلم قادرة على الايعاز بوطأة الواقع وان كانت من طبيعة ونسيج مخالفين للاصول الواقعية التي يمكن ان ترد اليها تلك الرموز، مثلا اذا اراد الكاتب ان يصور قلق تلميذ متميز يخاف ان يفقد امتيازه جعله الكاتب يحلم انه يقف في شرفة برج مرتفع تزل قدمه فيهوي من شاهق.
على هذا القياس تستطيع ان تفسر القصة الحلم في ترجمة عكسية لعمل الكاتب وبالتالي فالقارىء بدوره يحتاج الى نفس الخبرة السيكلوجية.
كذا في قصة الحلم للصديقة اشجان البدر، لان بطلتها ليلى تعاني في حياتها عزلة ووحشة ووحدة فقد حلمت انها في ارض يبست من الزرع والناس، ولانها لا تريد ان تصدق ان زوجها حسن قد مات فانها تحاول ان تقطع تلك الارض اليابسة حياتها التي تعيش الى حيث يمكن ان يكون الغائب الذي لاتشك لحظة في انه مازال حيا، وتحلم بلحظة عودته، وتكاد الحدود تتداعى بين عالمي الحقيقة والحلم، ليتخذ الحلم شكوى الواقع ويوحه بتلك المعاناة الطويلة للمرأة وهي تتذكر كم مر من عمرها في عبثية الانتظار، ومن ثم فقد افسد غياب الخروج حياتها عشرين عاما حد انها بدأت تجابه بينها وبين نفسها مشاعر الغيظ والقنوط على هدر الاهيام لتصبح عودته ان عاد حدثا يستجلب السؤال الذي طالما طرحته على نفسها في الحياة وتواجهه بقوة في الحلم: من اجل اي شيء قد جاء؟! خاصة وانه لم يعد في العمر الا بقية منذورة للتبدد,, هي تعلم - في الحقيقة - انه قد مات ولا تريد ان تصدق، ولهذا فعندها تستدير في الحلم لتراه خلفها ترى انه ميت منذ عشرين عاما,, تلك هي الحقيقة التي ارقتها - في مراوحة بين الوعي واللاوعي - في حياتها المعاشة وان انكرتها.
لا يستطيع المرء في الحياة ان يبتعد خطوة عن ظله,, ان كان يقطع صحراء موحشة وتراءى له ذلك الظل شبحا مخيفا فحاول ان يهرب منه، جرى بكل قوته ، في اللحظة التي يتوقف فيها يجد ان ظله تتصل قدماه بقدميه,, كذا الفكرة المستحوذة في تبديها في حلم الصديقة أشجان البدر.
القصة على بساطتها تكاد تستكمل لنفسها شروطها الفنية ، وتكاد تكشف عن دراية صاحبتها بلغة الحلم ومنطقه سيكلوجيا، وهاتان ميزتان يمكن ان تؤهل اشجان لكتابة القصة وبشكل جيد, اللغة عند اشجان البدر بسيطة لا تتجاوز هذه البساطة الى التهويم والشاعرية مما تمليه عادة الاحلام باتجاه، ولا تتراجع الى مجرد التقرير والسردية، ولكنها اختارت هذا الوسط البسيط والذي يتناسب والموضوع، وكأنها لا تريد ان تصدر حكما من خلال اللغة على حلمها بانه كان اشارة الخلاص او انه كابوس الإمعان في الضياع.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
الركن الخامس
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved