الصديقان العزيزان المشرفان على صفحتي خطوات والعطاءات الواعدة بجريدة الجزيرة الغراء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فبين أيديكم رؤيتي النقدية لقصة زوجي الغاضب للكاتبة الرائعة مها الزبيري المنشورة في عدد الجزيرة رقم 9644 وتاريخ 7/11/1419ه أرجو الاطلاع عليها ونشرها ان كانت صالحة لذلك.
أشكر لكم حسن تعاونكم وأرجو ان اراكم دائما مبدعين ومتألقين,, ودمتم.
حسن أحمد محمد الصلهبي
مدرس اللغة الانجليزية بصبياء - جازان
***
تدفق الوجدان في زوجي الغاضب
لو أخضعنا هذه القصة للمقاييس الفنية للقصة القصيرة فربما ابتعدت كثيرا عن كونها قصة، فالاسلوب الخطابي الثائر والمتوهج، والتدفق الوجداني الواضح لبطلة القصة اشبه ما يكون بسيل جارف من العواطف والاحاسيس تمازجت فيه مشاعر الحب والخوف والغضب والشفقة, هذا الخليط من المشاعر الذي تستجره البطلة من ذاكرتها القريبة والبعيدة يكاد ان يكون شلالا دافقا يؤثر بشكل كبير على القارئ بالاضافة إلى ان هذه اللغة الثائرة والمتمردة إنما هي لغة شعرية تجعلها اقرب الى كونها قصيدة كقولها في بداية القصة ونهايتها ايضا على سبيل المثال: اضرب اضرب على وزن (فعلن,, فعلن) إنها نغمة شعرية قوية تفوح منها رائحة التحدي والثورة.
وليس هناك ايضا نسيج قصصي محدد )plot( وإنما اعتمدت الكاتبة على حوار الزوج الغاضب، مع ذكر لقطات )flashes( من الماضي البعيد حيث تعلقت به وتزوجته رغما عن الجميع، ومن الماضي القريب حيث فقدت جنينها، ومن الحاضر البائس، ومن المستقبل الذي تتوقعه فسوف تصبر على معاناتها معه مهما كان الثمن.
وتجمع القصة بين شخصيتين )character( غريبتين زوجٌ غاضب لا نعرف لماذا ولا حتى زوجته تعرف لماذا هو غاضب, لا نعرف شيئا عن شخصية هذا الزوج سوى الغضب يتلذذ بتعذيب زوجته بالضرب والقسوة في المعاملة, ويعود ليطلب العفو منها في لحظة عابرة, غموض هذه الشخصية المهزوزة والمتذبذبة يولد لدينا الكثير من التساؤلات: ما الذي جمع بين هذين الزوجين؟ وكيف احبته بالرغم من غرابة شخصيته؟ وكيف تصبر على هذه المعاملة القاسية؟هل هو الحب الاعمى؟ ام انه الخوف من النهاية البائسة؟ ام انها تعاقب نفسها وترى ان هذا هو العدل لانها قد تمردت على كل من حولها من اجل الارتباط به؟ وأيضا لماذا يعذبها؟ هل هو مريض نفسيا؟ هل هو زوج سادي )sadist( أم انه الانتقام؟ وغيرها الكثير من التساؤلات.
والشيء الاكثر إثارة ان شخصية الزوجة اكثر غرابة من زوجها فهي تجمع بين صفات متناقضة متنافرة، فمع كونها صادقة مع نفسها وتعترف بأخطائها، إلا انها تخدع نفسها بهذا الحب الموهوم، وكما هي عاطفية وخيالية لدرجة الجنون فهي ايضا واقعية وتدرك تماما ماذا تعني لزوجها، وكما هي ثائرة ومتمردة على ابيها وواجهت الكل من اجله إلا انها تصبح بين يديه كالطفلة الوديعة المغلوب على امرها, كيف تجمع كل هذه الصفات في امرأة واحدة يظهر هذا التناقض جليا في آخر القصة فبالرغم من ثورتها وغضبها عليه إلا انها تحزن لاجله وتريد ان تخفف عنه.
إن أهم قاسم مشترك بين الشخصيتين هو ان الزوج يتلذذ بتعذيبها وهي تتلذذ بعذابه لها هذه العلاقة الزوجية وان استمرت فهي علاقة فاشلة تماما، لانها قائمة على اسس لا تمت إلى العطف والاحتراف والتقدير بصلة, ولكن هل هو الحب؟ بالتأكيد: لا، إلا ان هذه الزوجة تحاول ان تعيش في وهم الماضي، وربما تريد ان تعاقب نفسها على تمردها وعصيانها.
ولعل الصراعات النفسية )confict( داخل كل شخصية من اهم ما يميز القصة, فالزوج يقسو على زوجته ويضربها ويعذبها ومع كل ذلك يعود ليعتذر منها, والزوجة تعيش في صراع مع نفسها بين حب هذا الزوج وكرهه، والبغض والعطف والشفقة عليه احيانا، والثورة عليه والخوف منه احيانا اخرى هذه الصراعات النفسية القوية تكاد تكون هي المحرك الاول لكل الاحداث التي حدثت وتحدث.
يتذبذب الخطاب في القصة بين ان يكون حوارا مباشرا )dailogue( مع الزوج علما بأننا لا نعرف إن كان المخاطب - أعني الزوج - موجوداً او لا، أو ان يكون مونولوجا داخليا )internal monologue( فيكون حوارا مباشرا مع القارئ وهذا هو الاغلب حتى تستطيع ان تستدر عواطفه لكي يقف معها جنبا إلى جنب في هذه المشكلة.
وبالامكان القول ان الكاتبة استطاعت ان تعبر عن وجهة نظرها في هذه القضية على لسان بطلتها وان لم تتدخل بشكل واضح فقد تركت زمام الحديث للزوجة لتعبر عن معاناتها, وهي - أي الكاتبة - بذلك تبرز تعاطفها مع هذه الزوجة.
أرجو ان تنال هذه الرؤية النقدية رضاكم واستحسانكم، ومعذرة ان كان هناك اخطاء فقد كتبت بشكل سريع وشكراً.