Tuesday 30th March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 13 ذو الحجة


بدون ضجيج
مواطن في اللامكان!
جارالله الحميد

قبل أيام شاهدت فيلما مصريا كان يرقد مع أشرطة أخرى منذ سنتين ولم يعن على بالي إلا منذ أيام, الفيلم اسمه رجل مهم جدا , وتدور أحداثه حول شاب ملتزم بالقوانين والواجبات تجاه الدولة بشكل مبالغ فيه إذا صح لنا القول: ان هنالك التزاما مبالغ فيه! وان كنت أقصد بالعبارة تصوير صرامة انضباطه وجديته, حتى في علاقته مع الجنس الآخر هي مزيج من الرغبة الطبيعية الفطرة والذعر الذي يملأه حين يفكر مجرد تفكير بالاقتراب من امرأة, ولنلخص أكثر وأكثر: فإنه بينما كان يمر بسيارته في شارع ما ركبت معه سيدة لا يعرفها وان بدا عليها المجون وطلبت منه ان يرافقها الى الكباريه الذي سترقص فيه ورفض في بداية الأمر ولكنه تحت تأثير أحداث صغيرة ربما يتوقعها القارىء الآن سار مع الراقصة للآخر, حيث ركبت معه بعد ان أنهت مهمتها! وصادف في الطريق الليلي حاجز تفتيش منيعا ولأنها كانت معه كان كل ما يخشاه ان يُسأل عنها فضرب الحاجز وتخطى الجنود المسلحين وأطلق هؤلاء النار تجاهه ثم قاموا بمطاردته الى أن ضاع منهم بالحظ.
الآن وجد المواطن الذي لم يكن يستغني عن أمه لحظة واحدة نفسه لاجئا الى بيت الراقصة وأخواتها بكل ما يشكله هذا البيت من انتقال عنيف من حالة السلام التي كانت تضفيها عليه حارته ووظيفته وأمه الى حالة من اللامكان ! بكل تداعيات هذه الكلمة, انه لا مكان , بالنسبة اليه, حيث فقد أولا: كل أمنه الشخصي إذ صار مطاردا من البوليس الذي عدّه أحد المخربين أو الارهابيين , وفي بيت تسكنه مجموعة آرتيستات بكل خلاعتهن التي تجرح داخله الشديد البراءة, والعذرية, ومضى به الزمن متنكرا من مكان الى آخر الى ان كرر معه القدر نفس لعبته الأولى فقامت هذه المرة سيدة من سيدات هذا الزمان!! بإجباره على الركوب معها وأدخلته قصرها الذي هو أحد مرابع اللهو والمجون على أنه ابن اختها المغترب الذي وصل توا, ومن الطبيعي ان الفساد لا يستثني احدا, لذا وجد في ليالي القصر الخرافي تجارا ومسؤولين منحرفين واندمج في شخصيته الجديدة طالبا من الله الستر, موقنا بين كل لحظة وأخرى بيد غليظة تضع الكلبشات في يديه, وذات ليلة كان يجلس على كرسي قريب من السيدة الأفعى فإذا ان الحوار يدور كالتالي:
- الا,, عملتوا أيه في قضية الراجل اللي هرب من الحاجز؟ يا ترى فيه اصابات ولا,.
فقاطعها ضاحكا:
- يا شيخة, دا طلع راجل تافه ولا عندوش أي قضية! واحد مركب معاه ست, خبط الحاجز لأنه ارتبك, ها,,ها.
-وبعدين؟.
- قيدت القضية ضد مجهول!
حالما سمع المواطن ذلك قام قافزا ورقص رقصة تذكرني برقصات زوربا , وانتهى الفيلم.
هذه حكاية المواطن الذي ظل طول حياته خافضا رأسه أمام القوانين مراعيا لها, حتى طاح مرة واحدة في قضية وضعته في أزمة اللامكان ثم تداعى هذا الفيلم الجميل, ان السينما متعة أولا, وحدوتة بسيطة متقنة تضعك أمام نفسك, وجها لوجه.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
الركن الخامس
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved