عزيزتي الجزيرة الغراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة وبعد:
يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم إخباراً عن الخليل إبراهيم عليه السلام انه قال: رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر البقرة 126.
ويقول: واذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ ان نعبد الأصنام إبراهيم 35.
وذلك يدل على ان إبراهيم عليه السلام طلب من الحق تبارك وتعالى أن يؤمن البيت العتيق من الخوف ومما يرعب أهله وقاصديه وذلك لأنه البيت الأول الذي وضع للناس في الارض وقد كتب الحق تعالى على الناس زيارته وحجه لمن استطاع إليه سبيلا كفريضة واجبة.
فقال تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم آل عمران 96/97.
فاستجاب الحق تعالى لدعاء ابراهيم عليه السلام شرعاً وقدراً، فقال تعالى: ومن دخله كان آمنا آل عمران 97,, وقال: واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا البقرة 125 أي مجمعاً للناس وأمنا لهم من العدو ومن أن يحمل فيه السلاح، بعد أن كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لايسبون حيث يقول تعالى: أو لم يروا انا جعلنا حرما آمناً ويتخطف الناس من حولهم العنكبوت 67.
وقوله تعالى: كان آمنا يمكن أن تؤخذ بمعنيين: أحدهما: انه من دخل هذا البيت تحقق له الشعور بالأمن والطمأنينة وزال عنه الخوف من العدوان عليه بحكم وجوده في الأرض المقدسة بجوار بيت الله العتيق، والآخر انه من دخل هذا البيت فقد وجب تأمينه وحمايته من الخوف، وان على من تحمل مسؤولية الأمن في هذه البلاد أن يجعل قاصده آمنا في حله وترحاله وفي أداء مناسكه ومشاعره وان يوفر له أسباب الحماية والرعاية حتى يؤدي فرائض الحج أو العمرة أو الطواف أو الاعتكاف أو الصلاة في أمن وطمأنينة يحيى المعلمي - الأمن في القرآن .
أما قوله تعالى: واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا فمضمون مافسر به الأئمة هذه الآية ان الله تعالى يذكر شرف البيت وماجعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مثابة للناس، أي جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولاتقضي منه وطرا لو ترددت عليه كل عام، وذلك انما هو استجابة لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم إبراهيم 37 تفسير ابن كثير, ولقد كان دعاء إبراهيم عليه السلام لجعل هذا البلد آمناً نابعاً من ان وجود الأمن أمر ضروري لأداء العبادة كاملة على خير وجه اذ في حالة الخوف واضطراب الأمن لايتمكن المؤمن من اداء واجباته الدينية والشعائر كاملة رغم الحرص الشديد منه على ذلك.
وقد استجاب له الحق تعالى بأن جعل هذا البيت آمنا ووعد بتأمينه لعباده الصالحين وكل قاصديه كما وعد بأن يمكن لهم في الأرض ويستخلفهم حتى يعبدوه عبادة خالصة، فقال تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولايشركون بي شيئا النور 55.
ولتحقيق هذا في الواقع العملي من الله سبحانه وتعالى على قريش بأن منحها الأمن وسخر لها من الثمرات مايكفيهم ويجبي إلى مكة وماحولها من القرى حتى تقيم حول البيت الذي أقيم في واد غير ذي زرع فيأتي إليها الناس من كل فج عميق ليؤدوا المناسك ويشهدوا مالهم من منافع في هذا البلد الأمين الذي أقسم به الحق تعالى اشعاراً لعظمته وأهميته فقال: والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين التين 1-3 .
وحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال فيه وحرم حمل السلاح فيه لغير حاجة فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لايحل لأحدكم ان يحمل بمكة السلاح رواه مسلم.
وقد توعد الله تعالى كل من يريد أو يهم بإحداث شغب أو اخلال للأمن في بيته المحرم فقال تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج 25, فمن ظلم فله العقاب وعدم الأمن فالحرم لايجير عاصياً أما الأمن فللمؤمنين الذين لم يلبسوا ايمانهم بظلم، وهم عباد الله الصالحين الذين اخلصوا له العبادة فقال تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون الأنعام 82.
وفي وقتنا الحالي نجد أن ولاة أمر هذه البلاد -بما منّ الله عليهم- يعتبرون سدنة لهذا البيت بأمر ربهم ليعدوه لقصّاده من عباد الله المؤمنين كما انهم يعتبرون انفسهم مسؤولين عن حماية هذا البيت وماحوله ومايتعلق بأمنه من خفارة للحجاج وحفظ أمنهم وسلامتهم وتوفير للوسائل والضروريات اللازمة لهم من تعبيد للطرق واعداد لأدوات الاتصال وتوسعات في المساجد خصوصا الحرمين الشريفين وغيرهما مما يؤمن للحجاج قضاء مناسكهم في أمن وطمأنينة من لحظة دخولهم حدود هذه البلاد وحتى يغادروا حماها متوجهين إلى بلادهم.
والحقيقة ان هذه المسؤولية المقدسة يقدرها ويلمسها كل من منّ الله عليه ويسر له زيارة هذه البلاد المقدسة قاصداً بيته المحرم.
هذا وبجانب الأمن المادي في رحلة الحج المباركة، فهناك أمن نفسي وطمأنينة وراحة بال وخلو للقلب من المشاغل الدنيوية وتفرغ كامل للعبادة في صفاء روحي وسعادة، تلك السعادة الروحية والطمأنينة النفسية التي يحظى بها المؤمنون عن طريق الايمان الذي يثلج الصدور ويشيع السعادة في النفس ويجعل الانسان مطمئناً لكل مايحل به وكل ماقدر له.
مالك ناصر درار