ظل الغني إذا افتقر، وصاحب المنصب إذا نزل، في عتاب وألم من قلة وفاء الناس الذين كانوا حوله ثم انفضوا عنه، أولئك الذين ساعدهم وساندهم ومدّ يد العون لهم، ثم إذا هم في زمن الشفق الأحمر ينسحب دفئهم وضوؤهم ولا ينال منهم شيئاً أعلى من الشفقة!
ونسي هذا الانسان الذي مر بهذه التجربة لأول مرة، تجارب من عاش تجربته من قبل! وعميت عليه الطبيعة الإنسانية التي سمّت الثري تشبيها بالثرى، وهو التراب الطري الندي لقرب الماء حوله! فلقد ظل الإنسان منذ وجد على الأرض يرد موارد المياه ليمتح بدلائه منها، فيسقي ويستسقى: فالمورد العذب كثير الزحام ! حتى الطيور إذا رأيتها تحوم في السماء فاعلمنَّ أنها رأت الماء
يسقط الطير حيث يُنتثر الحبُّ وتُغشى منازل الكرماء ! |
والواردون يردون المورد، فإذا جف معينه،ونضب ماؤه، وطالت أرشيته لغوره وجفافه، هجره الناس غير آسفين عليه الى مورد قريب معين!.
ولم يكن الانسان منذ عُرف وفيّاً مع الموارد التي غارت مياهها، بل ظل يذمها لأنها تحولت الى هباءة لا ينتفع منها، وهو لايُثني إلا على الآبار التي ظلت تسقيه: لا ترم حجرا في البئر التي تشرب منها ! أما التي جفت فهي هباءة يُلقى بها الرمم!.
هذه هي طبيعة النفس البشرية منذ أن كان الانسان ومنذ ان عرف الدنيا، وذاق طعم ثراء المال وثراء المنصب والسُّلطة، وأدرك تأثيرهما عليه وعلى من حوله!
يُعظمون أخا الدنيا فإن وثبت يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا ! |
طبيعة بشرية، ومنقصة إنسانية لا يظهر ان البشرية ستتخلص منها، وعلى المدرك لهذه الطبيعة من أهل المال والجاه ان يعلموا علم اليقين حقيقة هذا الواقع حتى لا يصطدموا بما لا يسرهم عند جفاف النبع وغروب المجد، وانفضاض الناس!.
ان الحكيم الموفق من سلط المال على هلكته بالحق وأعان الناس من ماله وجاهه، ومدّ لهم يد العون والإحسان والخدمة والمعروف رجاة من لا يخيب فيه الظن، ولا يُنسى عنده الجزاء، ولا ينقطع منه الشكر المولى العظيم البر الرحيم والغفور الودود صاحب الفضل الأول والأخير: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا, إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا, فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا, وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) الآيات 9-12 سورة الإنسان.
ان من كان جهده وعمله وعطاؤه وعونه من أجل الله وفي سبيل الله فليبشر والله بالوفاء العظيم، ولن يحزن على قلة الوفاء من الناس، لأنه لم يتوقعه منهم مطلقا، ولم ينتظره أبدا، وهذا هو الذي خرج بالأجر والثواب والزاد الذي لا مزاد عليه!.
وأما من أسدى المعروف وبذل المال ليكسب قلوب الناس، ويصرف وجوههم إليه، فقد أكل الناس ماله وتراثه وتناولوا مجده
أفنى تلادي وماجمّعت من نشب قرع القوارير أفواه الأباريق ! |
ثم تركوه حين انقطع فيضه، وقصر مدده، وبعُد مستقاه الى مورد فيّاض جديد، ولا تثريب عليهم: فمن أجدب انتجع !.
فيا من بُليت بمثل هذا، اعتبر بمن مضى، وازدجر بمن عبر، واعرف حقيقة الحياة وواقع الأحياء، ولا تقعدنَّ بعد انفضاض السامر وزوال الدنيا وجفاف النبع تذم الحياة والأحياء، وتصفهم بقلة الوفاء وتمام الجفاء وضيعة المعروف فيهم، وتقولنَّ:هذا والله طلاق الرجال !
أو تقولنَّ: كنت في غفلة عن هذا، وجهل بالحياة والأحياء، ليتني كنت فيها جذعا,,!!.
عبدالكريم بن صالح الطويان