Thursday 1st April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الخميس 15 ذو الحجة


قضية للنقاش
الناتو عمدةالقرية الدولية
رضا محمد لاري

ترتب على قتال حلف شمال الاطلنطي الناتو للصرب احدى معاقل التميز العنصري والتفرقة الدينية، تهجير أو فرار مواطني كوسوفا من ارضهم ليعصموا انفسهم من خطر الموت في كل لحظة من ساعات الليل والنهار، وفي كل مكان بالبيت والشارع والحقل حتى اصبحت برشتينا وغيرها من قرى كوسوفا خاوية على عروشها، تصفر الرياح في بيوتها المدمرة وشوارعها الخالية وحقولها المحروقة.
ما يحدث اليوم في كوسوفا على يد الصرب ضد الانسان في عام 1999م ينقلنا إلى خمسين عاما للوراء لأنه يذكرنا بما حدث في فلسطين على يد الصهاينة ضد الانسان في عام 1949م,, التاريخ هنا لايعيد نفسه كما يقول المؤرخون وانما طبع من النجاتيف عفريتة الصورة المأخوذة لفلسطين صورة جديدة مطابقة لها بالملى في كوسوفا الفرق الوحيد بينهما ان صورة فلسطين كانت بالابيض والاسود وصورة كوسوفا اصبحت بالالوان الطبيعية.
انطباق معالم الصورة بين الأمس واليوم جاء مرتكزاً على مفاهيم خاطئة جعلت الصهيونية تعتبر فلسطين ارض الميعاد، وعاصمتها القدس ارض القداسات اليهودي,, وجعلت الصرب تعتبر كوسوفا أرضا مسيحية وعاصمتها برشتينا ارض القداسات المسيحية بمعطيات المذهب الارثوذكسي المنتمي إلى الكنيسة الشرقية المعروفة بعنصريتها ضد كل الاديان بما في ذلك الدين المسيحي غير الملتزم بالمذهب الارثوذكسي.
هذا الواقع العنصري الصربي بأبعاده الخطيرة على الانسانية، جعل العالم كله يتعاطف لأول مرة مع الاعمال العسكرية لحلف شمال الاطلنطي الناتو ضد الصرب فجمع بين اوروباوامريكا على الرغم من الحرب التجارية الدائرة بين القارتين وبين العالم المسيحي والإسلامي على الرغم من انعدام الثقة بينهما وبين العالم المتقدم والمتخلف على الرغم من الاحساس بخطورة الناتو القمعية بعد ان لجأ إلى السلاح لأول مرة حتى يفرض انتصاراته السياسية وارادته الاقتصادية على العالم كله بالقوة الرادعة في اوضاعه الحالية الراهنة او بعد تصغيره بالجات والعولمة التي ستحول العالم إلى قرية صغيرة، وتجعل من حلف الناتو العمدة المتسلط على مقدرات هذه القرية العالمية.
عجز روسيا منفردة أو مجتمعه مع حلفائها عن التصدي العسكري لحلف الناتو، جعلها تسعى إلى الوساطة بين بلجراد عاصمة الصرب وبروكسل عاصمة بلجيكا المقر الرئيسي لقيادة الناتو، لانهاء القتال الدائر بينهما ارسلت موسكو رئيس وزرائها يفجيني بريماكوف إلى بلجراد وبروكسل ليعرض عليهما خطة الصلح القائمة على التقسيم الذي تحافظ به الصرب على برشتينا باعتبارها ارض القداسات المسيحية في المذهب الارثوذكسي وتعطي اجزاء من كوسوفا لاهلها الاصليين ليقيموا عليها دولتهم المستقلة أو اقامة حكم ذاتي لما تبقى من اقليم كوسوفا تحت مظلة استمرار الانتماء للصرب وبغض النظر عن نجاح أو فشل هذه الوساطة الروسية فان ما يحدث يقدم دليلاً اخراً قاطعا على فساد الفكر السياسي العالمي الذي يتعامل مع العنصرية العرقية والدينية بأساليب ترسخهما على المسرح الدولي فبالأمس عند عام 1949م صدر عن الأمم المتحدة قرار التقسيم لأرض فلسطين بين الغزاة العنصريين اليهود الصهاينة وبين اصحاب الارض الاصليين عرب فلسطين بمؤازرة ودعم حكومة الانتداب البريطانية، واليوم في عام 1999م تحاول روسيا ان تفرض التقسيم لارض كوسوفا بين الغزاة العنصرين الصرب وبين اصحاب الارض الاصليين الالبان بمؤازرة ودعم الوساطة الروسية.
قبول الناتو للوساطة الروسية لا تتضح فقط من حث الرئيس الامريكي بل كلينتون للرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش على قبول وساطة موسكو لانهاء حالة القتال الدائرة في البلقان، وانمان وضحت هذه الموافقة من مساهمة قوات الناتو في اخلاء اقليم كوسوفا من مواطنيه بتكثيف ضربه بحجة ملاحقة الجيش الصربي الذي اخذ يرتكب جرائم القتل الجماعي في الاقليم للرجال و النساء والشيوخ والاطفال حتى يخرجوهم من الارض، تماماً كما فعلت الوكالة اليهودية بالقتل الجماعي للرجال والنساء والاطفال والشيوخ في فلسطين، وساعدها على القيام بهذه الاعمال الوحشية حكومة الانتداب البريطاني التي اخذت تحارب الصهاينة فوق ارض فلسطين قبل الغاء الانتداب عليها والانسحاب منها.
هذه المقارنة بين ما حدث في فلسطين بالامس وبين ما يحدث في كوسوفا اليوم يجعلنا نتصور قتال الناتو في الصرب يمثل حالة انتداب دولي حديث في ظل الوساطة الروسية التي ان نجحت في وقف القتال ثم تقسيم الارض بين المالكين لها وبين المعتدين عليها بكل ما يترتب على ذلك من ابقاء الفارين منها خارج ارض الوطن ليشكلوا مشكلة دولية مستعصية على الحل بالحياة دون المستوى الانساني في مخيمات اللاجئين كما حدث بالامس للفلسطينيين واستمر لمدة خمسين عاماً ومازال مستمراً حتى الان والذي بدأاليوم لمواطني كوسوفا دون وجود ارضية لحل عملي لهم مما يفترض معه بقاءهم في العراء لسنوات طويلة قادمة.
لم تعبأ الدنيا لما حدث من تشريد للفلسطينين على يد الصهانية وتركتهم بلا وطن ولا مأوى يعيشيون في المخيمات لانهم خارج الاطار الحضاري للانسانية، ولكن الدنيا بأسرها بما في ذلك اعضاء من حلف شمال الاطلنطي الناتو اخذوا يتعاطفون مع اللاجئين الالبان لانه من غير اللائق ان تقوم مخيمات للاجئين في البلقان فوق الارض الاوروبية مركز الاشعاع الحضاري في العالم.
فاقت من غيبوبتها المفوضية العامة الدولية للاجئين في جنيف والتابعة للامم المتحدة وخرجت عن صمتها الطويل على جريمة اللاجئين الفلسطينيين واخذت تصرخ رئيستها ايما بونيني في وجه العالم مطالبة بأي حل سريع وفوري لمشكلة النازحين من كوسوفا إلى الدول المجاورة لها لان الدول المستقبلة لهم تقعد بها امكاناتها عن استضافتهم في داخل اراضيها.
سارعت دول الناتو بتقديم العون للدول المضيفة للاجئين الالبان وتعهدت واشنطون بان الأخذ بالتقسيم لكوسوفا الذي ترفعه موسكو سيلزم الناتو بإعادة الفارين من الموت إلى وطنهم مرة اخرى لانه سيراعى بدقة عند التقسيم سعة الارض لاقليم كوسوفا حتى يستطيع استيعاب كل مواطني هذا الاقليم.
صحيح نحن نتعاطف مع هذا المنطق الذي يلغي المعاناة عن الانسان الالباني خصوصا وان اغلبيتهم من المسلمين على الرغم من رفضنا المطلق لمبدأ التقسيم لارض كوسوفا المطلوب تحريرها من عدوان الصرب عليها وبدون هذاالتحرير لها ينطبق على قوات الناتو المحاربة للصرب المثل العربي العامي كانك يا ابوزيد ما غزيت ولكن هذا التعاطف مع انهاء حالة اللاجئين الالبان في اوربا يزيد من الغصة في نفوسنا ونحن نرى اهمال اللاجئين الفلسطينيين في الوطن العربي ومطالبة الدول العربية استيعابهم في الاوطان العربية التي يقيمون بها في حالة تمام الصلح العربي الاسرائيلي لان تل ابيب ترفض انتماءهم إلى الارض المعادة للسلطة الفلسطينية سواء اتخذت شكل الدولة المستقلة او نمطا من انماط الحكم الذاتي الفلسطيني تحت المظلة الاسرائيلية حتى لا يخلخل وجودهم بها التركيبة السكانية حفاظاً على امن وسلامة اسرائيل في علاقاتها مع العرب بعد الصلح معهم.
تتضح معالم الكيل بمكيالين في القضايا الدولية المماثلة بسبب اختلاف انتمائها الاقليمي من تراجع واشنطون عن موقفها من قضية السلام في الشرق الأوسط فلقد لمسنا توظيف حرب الناتو في الصرب لخدمة مصالح اسرائيل عن طريق عدم الزامها بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية المتفق عليها في اتفاقية واي بلانتيشن بحجة ان السلطة الوطنية الفلسطينية عجزت عن الوفاء بالتزاماتها المتفق عليها في نفس الاتفاقية، مع العلم بانه سبق لواشنطون الاعتراف بوفاء الفلسطينيين لكامل التزاماتهم المقررة في واي بلانتيشن واخذت تطالب اسرائيل بضرورة الانسحاب من الاراضي التي تعطي للسلطة الفلسطينية مجالها الاقليمي.
اعتقد في ظل الظروف الدولية المستحدثة بحرب الناتو للعنصرية العرقية والدينية في الصرب بوقف جرائمهم في كوسوفا يتحتم على العرب تصعيد قضية العنصرية العرقية والدينية في اسرائيل لوقف جرائمهم في منطقة الشرق الاوسط.
نحن لانتوقع من حلف الناتو ان يدخل في حرب ضد اسرائيل لخدمة المصالح العربية كما فعل مع الصرب لخدمة مصالح كوسوفا ذلك لان دوافع الخوف من البلقان الارض التي كانت سببا في قيام الحربين العالميتين الاولى والثانية، لا تتوفر في ارض الشرق الاوسط التي استخدمت احدى ميادين القتال في نفس الحربين الاولى والثانية واخضعت المنطقة بعدهما لنظام الوصايا تحت مظلة عصبة الأمم في باريس بعد وفاة الرجل المريض الدولة العلية العثمانية ولنظام الانتداب تحت مظله الأمم المتحدة في نيويورك التي اعطت الرجل القوي امريكا حق التلاعب بمصير الشعوب فساعد الداية البريطانية في ولادة اسرائيل على ارض فلسطين.
ولكن دوافع التحرك العربي التي نطالب بها ترمي إلى احراج المسلك العسكري لحلف شمال الاطلنطي الناتو من خلال ايضاح التناقض في مواقفه بين محاربته للفساد العنصري العرقي والديني الصربي في منطقة البلقان وبين دعمه للفساد العنصري العرقي والديني الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط.
اريد ان اقول بان حلف الناتو عمدة القرية الدولية يشكل خطورة بالغة على كل سكان هذه القرية فإما ان يتحولوا الى خدام وعبيد في دوار العمدة يفرض عليهم السخرة الاقتصادية تحت مظلة المذلة السياسية، واما ان يكونوا مصدر قلق للعمدة ودواره فيعمل على ارضائهم حفاظا على مصالحة الاقتصادية معهم تحت مظلة اعتزازهم السياسي المستند الى حريتهم الكاملة.
تحريضي للعرب على اتخاذ المواقف الصارمة يستهدف الحفاظ لهم على حريتهم المطلقة في اتخاذ قراراتهم باستقلالية تامة، ليجعلوا لأنفسهم ولأرضهم مكانة متميزة على الارض في ظل الأوضاع الدولية الجديدة والخطيرة التي اخذت تطرق بشدة ابواب هذه الدنيا.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
ملحق نجران
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved