لم يثر كتاب في الآونة الأخيرة ما اثاره كتاب المرايا المحدبة من ضجة وصخب شديدين، فقد استشعر بعض من قرءوه خطورة الافكار المطروحة فيه، ووجد فيه آخرون مبررا مقبولا لرفض بعض مناهج يهاجمها الكتاب هجوما عنيفا، والكتاب ينقسم قسمين غير متوازيين، الاول: يقع فيما يزيد قليلا عن خمسين صفحة - يخصصه للحديث عن النسخة العربية للحداثة، والقسم الثاني - عدد صفحاته ثلاثمائة واربعون - يتحدث فيه عن (الحداثة: النسخة الاصلية)، اما الضجة التي اثارها الكتاب فبسبب قسمه الاول الذي تعرض فيه لبعض رموز الحداثة في العالم العربي, وهو القسم الذي يعنينا هنا.
ويمكن تلخيص الافكار الاساسية في هذا الجزء فيما يلي:
1- انتاب الكاتب احساس بالانبهاروالعجز في بداية قراءته للحداثيين العرب نتيجة استخدامهم لغة نقدية غير مألوفة يسميها لغة مراوغة.
2- هناك خلط واضح في تعريفات الحداثة لدى الحداثيين العرب.
3- التناقضات الجوهرية في فكر الحداثيين العرب تفوق التناقضات الاساسية في فكر الحداثة الاصلي.
4- أزمة الحداثيين العرب هي ازمة واقعين ثقافيين وحضارتين مختلفتين اضافة إلى كونها ازمة مصطلح.
5- يترتب على هذا ان نقل الحداثة الغربية بقيمها المعرفية الجديدة والمصطلح النقدي الذي تولد عنها إلى واقعنا العربي ضرب من العبث في الدرجة الاولى.
6- موقف الحداثيين من قضية الاصالة المعاصرة باهظ الثمن, فهو يكلفهم مصداقيتهم.
7- الجداول الاحصائية والرسوم البيانية التي تمتلىء بها كتاباتهم ترهق القارئ دون ان يخرج منها بشيء.
8- فشل الحداثيون العرب في تحقيق هدفين:
أ - في انشاء حداثة عربية حقيقية.
ب - في نحت مصطلح نقدي جديد خاص بهم.
هذه هي مجمل الافكار الاساسية في القسم الاول من الكتاب، ولنا هنا وقفة توازي اهمية الافكار المطروحة في هذا القسم.
حين يحاول باحث دراسة ظاهرة ممتدة في الزمان والمكان، فإن أمامه طريقين، الاول الطريق الصعبة، وهو ان يتتبع كل جزئيات هذه الظاهرة وتفاصيلها وتجلياتها محاولا من خلال ذلك ان يستخلص منها قوانينها العامة، ونكون في هذه الحالة امام ما يسمى بالاستقراء التام، اي ان الباحث قد حصر كل ما يمت لهذه الظاهرة بصلة، وحدد قوانينها، وبذلك يغلق الدائرة عليها، والطريق الثاني ان يستخلص هذه القوانين من خلال نماذج دالة تفتح المجال امام نماذج وتفاصيل اخرى شبيهة، ونكون في هذه الحالة امام ما يسمى بالاستقراء الناقص، الاستقراء التام نوع من المعرفة، بينما الاستقراء الناقص نوع من العلم المنهجي, فما الطريق الذي اختاره د, حمودة لبحث ظاهرة الحداثة العربية؟ يقينا انه ليس الطريق الاول، فمن تحدث عنهم من الحداثيين العرب لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الحداثيين الذين ينتشرون في كل البلاد العربية حتى في البلاد التي توسم بأنها محافظة، كما انه ليس الطريق الثاني، فاختياراته عشوائية، والاسماء التي اهملها - ربما عن عمد - قد اسهمت بنصيب وافر في تأصيل تيار الحداثة اسماء مثل صلاح فضل وعبدالله الغذامي ومحمد مفتاح وكثير من كتاب المغرب العربي، لايمكن الحديث مثلا عن الحداثة العربية دون التعرض الى أدونيس ودوره في الدعوة إلى الحداثة، كما لا يمكن تجاهل الدور الذي قامت به مجلة شعر اللبنانية، ولا دور مجلة الناقد، وهما مجلتان توقفتا عن الصدور الآن، لكن الحصول على اعدادهما متاح للباحثين ان أرادوا.
ما قام به حمودة إذن ليس استقراء تاما ولا استقراء ناقصا، بل يمكن ان نسميه استقراء عشوائيا إن صح هذا التعبير، لقد حصر حمودة نفسه في دائرة النقاد، على الرغم من ان الحداثة سواء في اصلها الغربي او في نسختها العربية تيار شمل كثيرا من نواحي الحياة، في الحداثة العربية نجد مثلا كثيرا من الدراسات اللغوية تتبنى المنهج البنيوي، وهو أحد تجليات الحداثة، كذلك نجد اعمال مفكر بارز هو جمال حمدان وفي فن العمارة نجد طرز الابنية الحديثة التي تتحدى كل ما هو موروث،بل تتحدى طبيعة البيئة المنشأة فيها، وفي الازياء والرسم، وفي مجال العلوم الانسانية مثل الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة التي لم تستطع الحداثة ان تفتح ابوابها بعد في العالم العربي، إذن لا يمكن اختزال تيار شديد التعقيد مثل الحداثة في كتابات بضعة نقاد على الرغم من قيمة ما يكتبون، وإذا تعلل حمودة بأنه يتحدث فقط عن تجليات الحداثة في الادب العربي، فإن الطرف الآخر في العملية الادبية، وهو طرف المبدعين غاب عنه، فلا نجد إلا اشارة خفيفة الى مسرحية, يا طالع الشجرة لتوفيق الحكيم، وهي مسرحية رائدة اساء حمودة تفسيرها، وقد تكفل محمود أمين العالم بالرد عليه في هذه النقطة.
في ظل هذه العشوائية لايمكن الاطمئنان تماما إلى سلامة النتائج التي استخلصها حمودة من استقرائه، ونحن نستخدم كلمة نتائج هنا بقدر كبير من التجوز، فنتائج أي دراسة تعتمد التفكير العلمي المنهجي تسبقها مقدمات منطقية، وعمليات استقراء واستدلال دقيقة تفضي بشكل سببي إلى نتائج تنسجم مع هذه المقدمات والعمليات، اما هنا فإننا امام نوع من الحكام المسبقة والانطباعات الذاتية التي حاول حمودة ان يبحث عن مظاهرها في دراسة هنا او هناك.
احدى هذه الاحكام المسبقة القول بأن اختلاف الواقع العربي عن واقع العالم الغربي يجعل نقل الحداثة الغربية بقيمها المعرفية والمصطلح النقدي الذي تولد عنها ضرب من العبث، ولا يماري احد في اختلاف الواقعين، لكن هذا الاختلاف لا تترتب عليه عبثية النقل من واقع إلى آخر، أو ما يمكن ان نسميه التأثير المتبادل بينهما، او حتى التأثير من جانب واحد، أيا كان هذا الجانب، هنا نحن امام حكم مركب لا يرتبط احد جزأيه بالآخر سببيا او تاريخيا، وبرغم ذلك كتب لهذا الحكم الشيوع في بعض الدراسات التي تعني بعلاقتنا بالآخر حضاريا او سياسيا او اجتماعيا، وهنا نجده في مجال الادب والنقد، عدم الترابط السببي في هذا الحكم راجع الى ان الاختلاف بين الواقعين لايستلزم حتما ان يكون النقل من واقع إلى آخر ضربا من العبث، فنحن هنا امام اكثر من احتمال في عملية نقل الافكار من مجتنمع الى آخر:
الاحتمال الاول ان تنقل الفكرة كما هي، ويتقبلها المجتمع الذي تنقل إليه.
الاحتمال الثاني ان تنقل الفكرة كما هي ويرفضها المجتمع الذي تنقل إليه.
الاحتمال الثالث ان تنقل الفكرة كما هي ويرفضها المجتمع المنقول إليه في مرحلة ما، لكنه يتقبلها في مرحلة اخرى.
الاحتمال الرابع ان يتم تحوير في الفكرة كي تلائم المجتمع الذي تنقل إليه.
ويمكن طرح احتمالات أخرى في هذا الموضوع، ذلك ان تركيب المجتمع - اي مجتمع - شديد التعقيد بحيث يصبح التنبؤ بمدى حساسيته تجاه الافكار الوافدة شديدة الصعوبة، إذن حين يحكم على عملية نقل الحداثة الغربية الى البيئة العربية بأنها ضرب من العبث، نكون هنا امام احتمال واحد لا اظن انه يلقى تأييدا كبيرا، ولا يمكن القول ان هذا الحكم قد صدر بعد عملية استقراء واسعة لتجليات الحداثة الغربية في البيئة العربية، فالواقع ان هذا لم يحدث، وخريطة الحداثة التي اجتهد حمودة في رسمها تنقصها تفاصيل كثيرة.
أما عدم الترابط التاريخي في الفكرة السابقة فيتأكد من خلال تحليل علاقة العرب بالغرب بدءا من حركة الترجمة الكبرى التي بدأت في العصر الاموي، ثم بلغت احدى ذراها الكبرى في عهد المأمون في القرن الثالث الهجري، ولسنا معنيين هنا بالتتبع التاريخي لهذه العلاقة، لكن تكفي الاشارة إلى موقف العرب من الفلسفة اليونانية، وكيف تم استيعابها وهضمها وتنقيتها من كثير من الشوائب الوثنية والافكار المتصادمة مع الدين لتخرج لنا فلسفة تمتد بجذورها إلى اليونان وبفروعها وثمارها إلى العرب والمسلمين.
لكن في الفكرة السابقة خطرا آخر لا اقول ان حمودة وحده مسؤول عنه، هذا الخطر هو تكريس واقع الاختلاف بين العرب والغرب، ومن ثم تكريس واقع الغربة والازدواجية التي يشعر بها المثقف في العالم العربي، ازدواجية بين عالم يتطلع إليه في الغرب وعالم يعيش فيه في الشرق، على الرغم من المحاولات الحثيثة التي تبذل في البحث عن حلول نتجاوز بها حقول الالغام والاخاديد والهوات السحيقة التي تفصل بين العالمين، حلول تحفظ لنا هويتنا، وفي الوقت نفسه تجعلنا عنصرا فاعلا في هذا المجتمع الكوني.
أشار د, حمودة في هذه النقطة إلى ان المذاهب الاوروبية تطورت في صورة طبيعية عبر ما يزيد عن ثلاثة قرون، بينما اجتازها الادب العربي في مدة لاتزيد عن نصف قرن في معرض حديثه عن الطريقة التي يتم بها النقل عن اوروبا، وهذا أمر لفت انظار كثير من الباحثين غير حمودة، الذين حكموا تبعا لذلك على مذاهب الادب العربي المعاصر بعدم الاصالة، لانقطاعها عن تراثها السابق عليها، وعدم الدقة، لانه لايمكن نقل مذهب ادبي تطور في بيئته الاولى عبر ما يزيد عن قرن، وتم اختزاله في البيئة المنقول إليها في بضع سنين دون ان يصاحب ذلك عدم دقة في النقل، وأحيانا سوء فهم للاصل، لكن امر الادب العربي الحديث غير ذلك، وان بدا ظاهريا انه تورط في جريمتي عدم الاصالة وعدم الدقة، ولا يبدو استقراء حمودة في هذه النقطة ومن ينقل عنهم استقراء علميا، فالكلاسيكية العربية لم تنشأ نقلا عن الغرب، بل كانت نشأتها الاولى تلبية لحاجات اجتماعية وحضارية وأدبية اتسم بها ذلك العصر، لا اظن ان المقال هنا يتسع لعرضها، لكن تكفي الاشارة إلى محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم - وهم اعلام الكلاسيكية العربية -، فتحليل اعمالهم وظروف نشأتهم تبين ان هؤلاء وغيرهم لم يؤسسوا الكلاسيكية العربية نتيجة قراءات ومحاولات للنقل عن اوروبا، بل كانت نشأتهم الشعرية عربية صرفة، حتى شوقي الذي كان على دراية واسعة بالادب الفرنسي استطاع ان يروّض قراءاته في هذا الادب داخل القوالب الشعرية المعروفة في الادب العربي، وعندما نقل إلينا المسرح الشعري، فإنه لم يتخلص من
نظام القصيدة العربية التي كانت تعتمد على البحر والقافية، وإذا كان المتأخرون قد اطلقوا على مجمل ابداعهم مصطلح الكلاسيكية، فإنهم انفسهم لم يستخدموا هذا المصطلح، وأغلب الظن انه لم يدر في خلدهم ان ما فعلوه هو نوع من التأثر بالكلاسيكية الغربية، من ناحية اخرى يبدو هذا الاستخدام لمصطلح الكلاسيكية الغربية نوعا من التجوز احدث خلطا في اذهان بعض الباحثين الذي قرأوا في الكلاسيكية الغربية وقارنوها بالكلاسيكية العربية، وقد وجدوا فروقا كبيرة بين الاثنتين عجلت بالحكم على الكلاسيكية العربية بعدم الدقة في النقل.
أما الرومانسية العربية فأمرها يختلف قليلا، فالذين نقلوها فعلوا ذلك بتخطيط واع، وقراءات مسبقة في الرومانسية الاوروبية، لكن لماذا اختيرت الرومانسية دون غيرها من مذاهب الأدب في اوروبا ليتم نقلها الى البيئة العربية؟ فلم تكن الرومانسية هي الاتجاه الوحيد في اوروبا آنذاك، بل يمكن القول انها انحسرت هناك في الوقت الذي كان العرب ينقلون عنها، ويدهش المرء حين يعرف ان اغلب الاتجاهات المعاصرة في اللغة والأدب والنقد والعلوم الانسانية الاخرى قد بدأت بذرتها في تلك الفترة أواخر القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين، ظهر في اوروبا حينئذ فرديناند دي سوسير وادوارد سابير وميخائيل باختين والشكلانيون الروس وجماعة براغ ورومان ياكبسون وغيرهم عشرات من الباحثين والعلماء، وهؤلاء ظل تأثيرهم مستمرا حتى الآن في اتجاهات التفكير النقدي المعاصر، كما ان مصطلح الحداثة والحديث عنها قد ظهر قبل هؤلاء جميعا، برغم هذا الدوي الذي انشغلت به اوروبا أوائل هذا القرن، فإننا لا نجد أثرا لذلك في كتابات العرب في تلك الفترة، آثر العرب ان يعودوا إلى الرومانسية الاوربية ليأخذوا عنها، فهل تمت هذه العودة نتيجة وجوب الالتزام بالترتيب التاريخي لمسار المذاهب الغربية، ام تمت نتيجة حاجة عربية حتمت نشر المذهب الرومانسي عند العرب؟ إضافة إلى ذلك لم يأخذ النقاد العرب عن رومانسية الغرب فقط، بل اخذوا أيضا عن الكلاسيكية الغربية، ونجد في كتابات ناقد واحد مثل العقاد مزجا للمذهبين الكلاسيكي والرومانسي، هذا يعني ان هؤلاء النقاد كانوا يأخذون عن الغرب مايتلاءم مع التطورات المتسارعة في المجتمع العربي، لم يكن نقلهم نقل حاطب الليل الذي يجمع الغث والثمين، ولعل شكري عياد في كتابه عن المذاهب الادبية والنقدية عند العرب والغربيين قد أوفى هذا الجانب حقه، على الرغم من ان حمودة ينقل عن شكري عياد في هذا الكتاب بما يوحي بالاتفاق بينهما في مسألة نقل مذاهب الغربيين الى العرب، لكن قراءة شكري عياد بتأن تخرج بنتيجة عكس ما قصد حمودة، مما يدل على انه قرأ الكتاب قراءة مغلوطة ليخرج منها باقتباسات تؤيد دعواه، يؤكد شكري عياد في اكثر من موضع من كتابه على ان انتقال المذاهب الأدبية الى العرب اوائل هذا القرن تم في صورة طبيعية، ويتحدث عن العقاد فيقول (العقاد وصاحباه - مثلا - حين اعلنوا عن مذهبهم في مقدمات دواوينهم كانوا كما كان مذهبهم ثمرة طبيعية لتطور الحياة العربية والفكر العربي في الربع الاول من القرن العشرين، فلم يختلقوا هذا المذهب ليلفتوا الانظار إليهم فحسب، وحين اصدر العقاد مع زميله المازني كتابهما المشترك (الديوان) بجزأيه، واختارا أسلوب الهجوم العنيف لم يكن تغير الاسلوب علامة على اختلاق المذهب ايضا، وهكذا الشأن في كل ابداع أدبي، فلا شيء من ذلك يتم بصورة تلقائية، وليس المذهب الأدبي الا حصيلة جهد مشترك ومتصل بين المشنئين والنقاد), (ص:147).
إننا حين ندرس تراث الرومانسية العربية في النصف الاول من القرن العشرين نخرج بنتيجة مؤداها ان هذه الرومانسية - برغم ان بعض جذورها يمتد عبر البحر الابيض المتوسط - في مجملها عربية الطابع، وبخاصة في إنتاج جماعة أبولو التي انضوى تحت لوائها عشرات من شعراء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، اما المهجريون فإنهم اقرب في ابداعهم ونقدهم إلى رومانسية الغرب، وهذا أمر طبيعي.
ما يمكن قوله عن المذاهب الادبية الاخرى شبيه بما قلناه عن الرومانسية، حتى الحداثة لم تكن تقليعة نقلناها عن الغرب ضمن التقاليع التي تظهر هناك كل يوم، على الرغم من انها تبدو كذلك في بعض الكتابات، والذين نقلوها إلينا ادركوا بوعي - دون ان يعيشوا فكر الاختلاف الذي يعيشه د, حمودة - اننا جزء من هذا العالم، لا يستطيع ان يعيش بمعزل عن تيارات التجديد التي تهب عليه من كل صوب، دون ان يتعرض للاندثار، وتتسلل إلينا هذه التيارات خلسة في بعض الاحيان، وفي احيان اخرى تأتي في صورة زاعقة، وهنا يجب ان يكون لدينا جهاز مناعي قوي قادر على التعامل معها، وتمييز المفيد منها مما هو ضار.
حين نأخذ البنيوية بوصفها احدى تجليات الحداثة، هل كان اقتباسها عن الغرب ترفا فكريا لا تتحمله البيئة العربية، ولا يعنينا هنا متى تم هذا الاقتباس سواء تم في اوج نشاطها او بعد انحسارها؟ لا يستطيع احد الاجابة عن هذا السؤال دون العودة الى الكتابات النقدية السابقة عليها، وتقويم هذه الكتابات، وستكشف عملية التقويم ان المصطلح النقدي السابق على البنيوية قد استنفد كل اغراضه، وتحول كثير من النقاد الى اللعب بمهارتهم اللغوية دون ان يكشفوا شيئا في النصوص التي يتعاملون معها، وأستطيع في هذا ان اعطي عشرات الامثلة، وإذا كان حمودة يسمي لغة الحداثيين بأنها لغة مراوغة، فإن لغة ما قبل الحداثيين قد تحولت على ايدي النقاد إلى ما يمكن ان نسميه لغة عاجزة، لقد بدت البنيوية في وقت من الأوقات ضرورة ملحة لإنقاذ شرف النقد العربي بتعبير لويس عوض، بحيث انها لو لم تكن ظهرت في اوروبا لكنا اخترعناها نحن في البيئة العربية، صحيح ان البنيوية ليست هي الاسلوب الامثل لتحليل النصوص الابداعية، لكنها قياسا إلى ما سبقها من نقد تعد خطوة متقدمة، وصحيح ايضا ان بعض البنيويين العرب بالغوا في استخدام الرسوم البيانية والجداول الاحصائية والمعادلات الجبرية التي قد لا تعني شيئا لدى المتلقي مثلما يفعل كمال أبو ديب، لكن التيار العام لدى البنيويين لا يتطرف تطرف أبو ديب، وهناك كتابات كثيرة استطاعت ان تستخدم الرسوم البيانية بوعي ،ان تضيء من خلالها جوانب في النص لم تكن لتضاء بواسطة السرد النقدي العادي (راجع في ذلك أعداد مجلة فصول الاخيرة).
لا يمكن الاطمئنان إذن إلى سلامة الأحكام النقدية التي خرج بها حمودة، وحكم من خلالها على تيار ما يزال يمارس تأثيره في البيئة النقدية، كما انه ما يزال في حالة حراك سيصل من خلالها الى شكل اكثر ملاءمة لنا، وعندئذ يمكن فحصه وتقويم تجربته الكاملة، أما الآن فما يزال الوقت مبكرا على عملية التقويم هذه.
*كلية التربية للبنات - عنيزة