لكي يحقق المبدع نوعا من التفوق على ذاته وعلى الآخرين لابد أن يأخذ صفة من صفات التميز في أعماله الابداعية بحيث تكون له بصمة تحدد خصوصية هويته.
والقاص فهد المصبح له نكهة خاصة يتذوقها حسك وعقلك ووجدانك,, انه مخترع جيد ومبتكر لجمل ابداعية وطرق تعبير يتميز بها وحده،والمصبح في أعماله القصصية يهرب من التفاصيل ويلتزم التكثيف الشديد في التعبير عما يريد ان تعبر عنه شخوصه.
وهذه الشخوص تعيش هاجسها الداخلي معبرة عن مخاوفها وطموحاتها وعذاباتها واندهاشها بما يحدث في عالمها الخارجي بالدخول في حوار مع الذات او ما يمكن ان نطلق عليهالمنلوج الداخلي ، والشخصية المحورية في قصص المصبح تتفاعل وتصطدم وتراوغ وتتداخل مع الحدث, وشخوص قصصه معظمها حائرة معذبة مغرقة في المعاناة والحيرة والشك يغلب عليها القلق في ايقاع وجودها الحياتي, وقصص المصبح ليست من النوع الذي يكتفى بقراءته قراءة مسطحة وكفى, وانما يحتاج الامر منك كمتلقٍ ان تفكر معها بعمق وتنفعل بشدة,, كي تتأمل بوعي كامل ما يختفي بين السطور،وعليك ان تمشي الهوينى بين سطور قصصه, لأنه يجيد اخفاء الألغام التي من الممكن ان تنفجر في وعيك دون ان تحس لتدفع خلايا عقلك ادراك ما بين السطور, التي تنبض بحيوية الفكر وعمق التأمل في واقع نحياه.
في قصته الأولى هاجس التقط بوعيه الوجداني والعقلي صورة لنموذج إنسان مطحون يعيش حياة هامشية, حياة موغلة في المعاناة وعذابات الحصول على لقمة العيش وحمارته هي طريقه الى ذلك, الناس يودعون عويس الى النهاية المحتومة ورحيله عن الدنيا كان بداية النهاية لحمارته, القاص أراد ان يختار نهاية لهذا الكائن الحيواني الذي ارتبط وجوده بحياة صاحبه درءا لهاجس تجسد في داخلهم.
في قصة غداً امتد تواصل المصبح مع واقعه الحياتي في مرحلة من مراحل حياته بأن التقط صورة حياتية لطفلة وحركتها اليومية في القرية, الحظائر التي تفوح منها الرائحة, الدهليز الذي تقبع فيه الجدة العجوز, وانعكاسات ايقاع حركة الحياة فيه, البنت الصغيرة التي ينتهي بها المطاف الى حلب الشياه في الحظيرة, القصة مليئة بالحركة تصل الى حد التصوير المجسم للحدث بعبارات جديدة وتركيبات جميلة السراج الخافت يشع نوره بعدما افقدته تلك الفتيلة سوائله، ثم ما لبثت ان تفحمت .
إلا أنه في قصة صمت لجأ الى الحوار ليعبر عما يريد ان تقول قصته وهنا يبرز بعمق بؤس الانسان وحيرته واحساسه بالضياع حينما يدهمه الجوع, يريد ان يقول هنا إن الكائنات الأخرى يمكن ان تحصل على الطعام ولا تعدم الوسائل في البحث عنه, أما الانسان فانه حينما يجوع لا يجد ما يقتات به، ولا من يسد رمقه من الآخرين, الانسان شقي بجوعه.
مرة أخرى بسيطرة الهاجس الداخلي على بطل قصة الزلزال, الذي انتابته لحظة شعور بالضياع حينما اختفت السطور من أمامه ولم يعد يرى، شعر بأن الظلام يجتاح داخله ويطبق عليه، أمسك الدفة يحاول الابحار للخروج من البحر المظلم، غسل وجهه بمياه البحر ليعود إليه بصره, الماضي يطارده، ثمة ما يخيفه, لكن الحياة مستمرة وقلبه مازال يدق,, في هذه القصة دخل المصبح الى منعرج فلسفي متأمل للحياة إنها في مجملها معاناة دائمة لا تتوقف؟!.
كما يتجلى في قصة شموخ شبح المعاناة الذي يلاحقه وهو يمعن الركض في دروب الحياة حتى يصاب بالاعياء وعندما يفيق يشعر بالعجز والاحباط يجعله يلتصق بالأرض ويصبح جزءا منها,, ينتظر ان يندفق في جوفها وشواهد الحياة من حوله تسخر منه وتشعره بضآلته امام مواجهة الصعاب وبطل القصة حاول ان يظل متماسكا وشامخا برأسه، لقد فقد القدرة على التحكم في الظروف واصبح محكوما بما يحيط به وفي النهاية قهرته التحديات وأصبح مهزوماً,, هنا لعب الخيال والرمز دوراً كبيراً في قصة شموخ, التحديات الصعبة هي الكائنات الصغيرة والانسان يحاول ان يواجه القهر لكنه في النهاية يعاني من الهزيمة والحيوانات الصغيرة تتضاحك من حوله وتشير بقرونها الى اسفل.
يجسد المصبح مأساة الانسان الذي يلهث وراء طموحه ويركز كل جوانب نشاطه الحياتي على تحقيق هدف يتطلع الى تحقيقه ويحلم به على الدوام,, انه يريد ان يقفز درجات الصعود ليصل الى القمة ويعايش أهلها وحينما وصل الى مجلس الكبار مات فيه ذلك التوهج وتجمدت رغباته وحينما أفاق لاذ بالصمت وآثر العزلة,, لاحظ الآخرون شعوره بالوحدة والاغتراب والألم ليفاجئه طموحه الذي لهث وراءه كثيرا في صورة شبح مرعب وحتى تعود اليه ذاته من جديد ويرى الحياة اجمل اشراقا اطلق الحرية للعصافير الملونة وهي أحلامه المكبوتة، عندها عادت اليه اشراقة الحياة,, القاص هنا يريد ان يقول: يجب ألا تستبد بنا ذواتنا لتفقدوا شعورنا بالحياة,, أعجبتني عبارته فمه مهروس في وجهه وأذناه ممسوختان بما يشبه العجين .
القاص هنا يحكي مأساة حبه الضائع من طرف واحد, العشق للمحبوبة دون استجابة منها,, يدخل العاشق في دوائر عذاب دائم لا حد له ومعشوقته أولين احبها بكل ذرة في كيانه, اصبحت شغله الشاغل وحلمه الذي لا ينقطع ولأنها جميلة ومشحونة بإغراء انثوي لاحد له حامت حولها قلوب العاشقين، الكل يخطب ودّها لتعطيه التفاتة أو نظرة أو حتى شبح ابتسامة، أما هو فقد اصيب بحالة هوس من حبه,, اصبحت صورتها هاجسه الذي لا يفارقه وكل اهتمام حياته يدور في فلكها, صارت هي روحه ونبض قلبه وتردد أنفاسه، لقد حكى للعداء حكايته، والعداء هنا رمز للجري وراء سراب والحب الضائع وفي النهاية ظل عشاق أولين يحبونها حتى الموت عندما ينتهي العمر والخطا ببكاء مفلسة تخشى الغبار.
وفي النهاية اسجل اعجابي بكل المجموعة القصصية وقد استمتع وجداني وعقلي بقراءتها، فهد المصبح قاص رائع يرصد واقعه بذكاء شديد, أتمنى ان يتحرر اكثر من دائرة رصد الواقع المحلي الى دائرة اكثر اتساعا,, وان ينتقل بنا الى عالم المدينة المعقد والشامل وان يطل علينا بالمزيد من ابداعاته.
|