حرمة المكان والزمان د, محمد بن سعد الشويعر |
مثلما يحرص الناس ان يتأدب بعضهم مع بعض، حسب مقاماتهم الاجتماعية، ومراكزهم الوظيفية، فكذلك جُعل أدب الاسلام اشمل من ذلك، وأمكن في التوقير والاحترام، بل ما جاء في الاسلام يعتبر عقيدة منبعثة من مصدر تشريعي يؤجر عليه الانسان اذا عمله بصدق واخلاص، ومريداً بذلك الامتثال لشرع الله الذي مصدره الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وهما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته التي ترك من بعده، ولن تضل الأمة، افراداً وجماعات ما داموا آخذين بتلك الوصية، ومتمسكين بهذين المصدرين الأساسيين في عقيدة المسلم.
فكتاب الله محفوظ من العبث، ومن كيد الكائدين، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيّض الله لها رجالاً اخلصوا واجتهدوا حتى ميزوا الصحيح من الدخيل، وأوجدوا الجرح والتعديل للرجال، حتى نخلوهم وأبعدوا من عليه مداخل تقدح في عدالته، او تشكك في صحة روايته، فبرزت الكتب الصحيحة السبعة التي يعتمد عليها المسلمون في كل مكان وزمان بدون شك أو ريب.
وهذان المصدران، حينما يرتبط بهما الفرد متابعة وفهماً، ويرعاهما المسلم اهتماماً وتعظيماً، فانه سوف يجد فيهما الشمول والكمال في كل شيء كما قال سبحانه:
ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ]89 النحل[، ولذا فإن فيهما خير توجيه في حرمة الزمان، وخير هداية لحرمة المكان,, فقد جعل الله الأزمنة تتفاوت أجراً وعملاً، كما تتفاضل الأمكنة تقديساً وحرمة، فما يقدسه البشر بأهوائهم لا يعتبر مقدساً,, وما وصفوا له حرمة لم يأذن بها فلا حرمة له.
والحاج وهو في الديار المقدسة هذه الايام، وقد ادى معظم مناسكه بهدوء بال وراحة نفس، وبعد ان ادرك ما عمل من اجله في هذه البلاد التي حرص قادتها على توفير ما يريحه، ويجعله يشعر بالاستقرار النفسي حتى تتفرغ حواسه كلها لأداء العبادات واستكمال شعائر الحج والزيارة بخشوع واطمئنان، يرتاح قلبه من المشاغل ليتفرغ لمناجاة ربه ودعائه وشكره على ما هيأ له من امور اراحته في حجه وعمرته، وفي زيارته لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت عزّ على بني قومه، قبل مقدم الملك عبدالعزيز لتوحيد البلاد، وتشريف الله له بخدمة الحرمين الشريفين، ليبذل جهده وما تحت يده من امكانات، لراحة ضيوف الرحمن، عزّ عليهم ان ينعموا بمثل ما تهيأ للحاج والزائر في هذا العهد الزاهر الذي امتد بعد عبد العزيز في جهود ابنائه، وعزّ ذلك في قلب كل مواطن في المملكة، ليكونوا جنوداً اوفياء يسعدون بخدمة ضيوف الرحمن ويرتاحون لما يقدمونه لكل وافد في سفر تعبدي للمملكة,, التي اكرمها الله بوجود الأماكن المقدسة عند المسلمين وبحماية بيت الله الحرام.
هذا الحاج لا بد انه يدرك ان هذا التفاضل الذي هيأته الشريعة الاسلامية للزمان والمكان، وخصوصية كلّ، وحرمت ان تمس المقدسات بما يكدر صفو العبادة ولا ان يمس شعور كل مسلم في اي موقع من الأرض، وأن يأخذ كل مسلم ذلك التفاضل امراً تعبدياً تحترم كرامته، فيحرم امتهان اي شيء يتعلق بحرمة الزمان,, او حرمة المكان بالتنقيص او الاستهزاء، او الاضرار او بما يجرح شعور المسلم في مقدساته المتعلقة بدينه.
فليس رمضان والعمل الصالح فيه مثلاً كغيره من الشهور، وليس العمل الصالح والصلاة خاصة في بيت الله الحرام كغيرها في الأجر والمكانة من الصلوات في الأماكن الأخرى، وليست الرحلة للحرمين وشد الرحال للمساجد الثلاثة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسجد الحرام ومسجد رسول الله والمسجد الاقصى، كغيرها من الرحلات، ولا الصلاة فيها كغيرها من المساجد، الا ان هذه الثلاثة ايضا تتفاضل بالأجر ومضاعفة الحسنات، فافضلها المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الاقصى.
كما ان يوم عرفة يفضل العمل فيه غيره، لما فيه من حرمة الزمان والمكان، والعمل الصالح في عشر ذي الحجة يفضل العمل الصالح فيه سائر الايام، يقول صلى الله عليه وسلم: ما من ايام العمل الصالح فيهن احب الى الله من هذه الايام العشر، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد الا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله ولم يرجع بشيء رواه البخاري وأبو داود والترمذي واللفظ لهما,, وفي عرفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم اكثر من ان يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وانه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما اراد هؤلاء؟ اخرجه مسلم والنسائي.
وتفاضل الأزمنة والأمكنة في العبادة والاهتمام بين تفضيل ونهي، واجر واثم، ليس خاضعاً في شريعة الاسلام للأهواء الشخصية والتقديرات الفردية، كما هو الحال عند المعتقدات الاخرى على وجه الارض، لان هاتين الحرمتين في عقيدة المسلم تختلفان في مصدرهما عما هي لدى اصحاب تلك المعتقدات، فهم قد اوجدوا لانفسهم اموراً لا دليل عليها من عقل او نقل، وهيأوا لأنفسهم أزمنة وامكنة، تخصص للعبادة يرقص فيها الشيطان واعوانه، لما فيها من بعد عن ذكر الله ودعائه، ومجانبة للطريق السليم, احدثها لهم اتباع الهوى,, ومن غلب عليهم الجهل يفرح الشيطان بذلك لأنهم عظموا ما لم يعظمه الله، ولم يأذن به رسوله صلى الله عليه وسلم.
اما في الاسلام فان الفرد فيه يدرك بأن الحرمة جاءت بنص شرعي: من الله وعلى ألسنة انبيائه، والانبياء لا يتقوّلون على خالقهم ما لم يأمرهم به,, لأن من كان بالله اعرف كان منه أخوف.
وتأتي حرمة الزمان وحرمة المكان في الاسلام: تعظيماً في القلب، وتفاضلاً في العبادة، وحسن استجابة بورع وخشية، لأنها وردت بنصوص قرآنية كريمة، لا تقبل الجدل ولا الشك من ذلك قوله تعالى: ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ]36 التوبة[,, فجعل الله لهذه الأربعة: حرمة زمانية فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعيين هذه الأربعة وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم وشهر رجب فكان الجاهليون يمتنعون فيها عن القتال والأخذ بالثأر وما الى ذلك: في وقت امتهنها من يدعي الاسلام.
فعلى كل مسلم على وجه الأرض ان يحرم ما حرم الله، وان يستجيب لشرع الله، وتتأكد الحرمة المكانية لمكة المكرمة والمدينة المنورة بمضاعفة الأجر وتقوية العمل الصالح: نمواً وحرمة وترغيباً وترهيباً فقد ورد في الحديث الشريف: ان الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة بمائة ألف صلاة فيما سواه، وان الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة بألف صلاة فيما سواه عدا المسجد الحرام .
كما جاء تأكيد حرمة مكة المكرمة بهذا النص الكريم من كتاب الله: ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ]25 الحج[ وقد فهم عظم هذه الدلالة سلف هذه الأمة مفهوماً عظيماً فحرصوا على التطبيق حيث يرى بعض المفسرين ان حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فهم من هذا النص مضاعفة السيئات كماً وكيفاً في مكة، فكان اذا قضى حجه او عمرته رضي الله عنه، ذهب مسرعاً الى الطائف التي اتخذها مقراً لسكناه، وعندما سئل عن ذلك قال: لا اقيم في بلد تضاعف فيه السيئات، كما تضاعف الحسنات.
أما القرطبي في تفسيره فيرى ان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يأمر باقامة خيمتين على اطراف الحرم، احداهما في داخل الحرم يخصصها للعبادة، اما إذا اراد ان يؤدب ولده او خادمه، او يشتغل بأمر من امور الدنيا فانه يذهب الى الخيمة الاخرى التي في الحل,, وهذا من ورعه رضي الله عنه وفهمه لمعنى حرمة مكة.
وما عملهما هذا رضي الله عنهما، وغيرهما من سلف الأمة، الا من ادراكهما لحرمة المكان، وتعظيمهما لحرمة الزمان ايضا، مما يجب التأسي بمثله، والترسم لخطاهم في هذا وغيره مما فهموه من النصوص، سواء كان الجزاء كماً او كيفا فقط، او كماً وكيفاً سوياً على اختلاف بين العلماء,, فالذين يرون ان الجزاء كماً، لأن الحديث حدد ذلك العدد في المفاضلة، قال بعضهم هذا في الحسنات فقط اما الذين يرون ان المضاعفة كيفاً فقالوا: هذا خاص بالسيئات، اخذاً من الحديث الذي جاء فيه: بأن من هم بسيئة وعملها كتبت سيئة واحدة,, ولكنهم قالوا: ليست السيئة في الحرم مثلما هي في غيره، فالحرم اشد وفي التعمد اشد ايضاً لأن في ذلك استهانة بالنص وامتهاناً لقداسة ما حرمه الله زماناً ومكاناً.
ولذا فان الواجب التقيد بالحرمة، وعدم تجاوزها او التهاون بها، حتى لا تستباح الحرمات، وحتى لا يغلب الران على القلوب فيحولها الى مسار الشر والافساد,, وأسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المثل الاعلى لكل مسلم يجب ان يمتثل ويستجيب لأنه عندما دخل مكة عام الفتح لم يتباه ولم يدخلها متعاظما مفتخراً، بل دخلها متواضعاً ناكساً سلاحه، مطاطىء الرأس، يكاد رأسه ان يلامس الرحل تعظيماً لبيت الله الحرام، وصيانة لمكانته، وأمر أصحابه الا يقاتلوا في مكة الا من اشهر سلاحه في وجوه المسلمين ثم امر صلى الله عليه وسلم منادياً بأن ينادي في أهل مكة: بأن من دخل بيته وأغلقه عليه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
والملك عبد العزيز رحمه الله عندما دخل مكة عام 1343ه دخلها محرماً هو واصحابه، متواضعاً ومتخشعاً اسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً لما حرمه الله لهذا البلد الذي جعله الله آمناً، وجعل فيه بيته الحرام مثابة للناس، وأمناً، وقد بين ذلك الوضع الذي اعجب به اهل مكة للملك عبد العزيز رحمه الله الاستاذ احمد عبد الغفور عطار في كتابه صقر الجزيرة، حيث أبان الموقف واطمئنان الناس ورضاهم وان الملك كان بصحبته العلماء.
وفي تعظيم الأزمنة، ما جاء عن رسول الله في فضائل شهر رمضان، وشهر محرم وشهري رجب وشعبان، وفضل يومي الاثنين والخميس حيث يعرض فيهما العمل على الله، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومهما ويقول: احب ان يعرض عملي على الله وانا صائم، وفضل الذكر والدعاء يوم عرفة والعيدين وليلة القدر وغير هذا مما جاءت به النصوص الشرعية, بتعظيم الأجر والدعوة الى العبادة القولية والفعلية.
ومثل ذلك الأمكنة، ذلك ان امر الله هو ما بلّغته رسل الله، وما جاء في القرآن الكريم، وهذا كله ثابت ومحفوظ الى يوم القيامة بحفظ الله، ليكون شهادة ترفع بها الأعمال فتميزها ويتضح بها جلاء الصدق والمكانة فتعرف بذلك,, لأنها عن الله، في القرآن الكريم، او عن الله ببلاغة رسل الله الصادقين في نقلهم عن الله والذين لا يمكن ان يتقوّلوا على الله، وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين.
فاذا خلا الأمر من هذه الشهادة المميزة، فما على العاقل المتفهم الا ان يرد ذلك الأمر لانه غير مقبول سواء كان قولاً أو عملاً,, لقوله صلى الله عليه وسلم: من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهورد , وقوله: من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو رد اي مردود على صاحبه ولا يقبل.
فالله جل وعلا يحب ان يعمل بشرعه، الذي شرع لعباده من اوامر ونواه، ورخص وتحذيرات والوقوف عند كل حد لتحترم وتقدس لأنها من تعظيم الله، وطاعة رسوله كما يحب ان تجتنب نواهيه، وهذا من الوقوف عند حدوده سبحانه كما جاء في الحديث: ان الله شرع فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تنتهكوها وحرم اشياء فلا تقربوها وسكت عن اشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها او كما قال صلى الله عليه وسلم.
وعلماء الاسلام قد افتوا بضلال من يصدر منه عمل يروع الحجاج او يقلق راحتهم، او تصرفات من افراد تذهب الخشوع من قلوب المصلين او تصرفهم عن التفرغ لاي نوع من العبادات التي جاءوا من اجلها استجابة لأمر الله سبحانه,, بل انهم كفّروا من يتعمد الاستهانة بحرمات الله: زماناً ومكاناً,, او الاستهانة بشيء من شرع الله الذي شرع لعباده او دعا الى ذلك حتى لا يُضَلَّ بذلك بريءٌ او يقلده غيره فيكفر بذلك لان لمكة والمدينة وللحج واعماله حرمات يجب ان تراعى وقد جاءت تفاصيل اوضح في باب أحكام الردة عن الاسلام.
والمستقرىء للتاريخ يرى في صفحاته أعمالاً وافدة على الاسلام والمسلمين من هذا النوع، شبيهة بأعمال اليهود الذين لا يحرمون ما حرم الله، ولا يبالون بانتهاك حرمات الله الزمانية والمكانية، ولذلك استحقوا غضب الله ولعنته عليهم كما جاء ذلك بنص القرآن الكريم، لأنهم يعملون ذلك عناداً ومكابرة، فقد نهوا عن الصيد في يوم السبت، فتجاوزوا وتحايلوا، وقد امرهم انبياؤهم بتعظيم يوم الجمعة، فجعلوا بدله يوم السبت، وقد حددت لهم شريعتهم اشهراً واياماً لا قتال فيها ولا عدوان، ولكنهم حرصوا على العمل في وقت النهي، وتركوا العمل وقت الأمر، حسبما تنطوي عليه نفوسهم الخبيثة، المشربة بالكفر، ولذا جاء ذكرهم في كتاب الله الكريم موصوفين بالفسوق وبالكفر وبالمعاندة مما اوجب غضب الله عليهم ومقتهم، ووصفهم بأنهم كلما أوقدوا ناراً للحرب اطفأها الله، ويسعون في الأرض فساداً وخراباً، وقد عاقبهم الله في الدنيا عقاباً عاجلاً، على اعمالهم السيئة، ومعاندتهم المستمرة، بأن جعل الله منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، واستحقوا لعن الله لهم وطردهم من رحمته عدة مرات في القرآن الكريم، وعلى ألسنة انبيائهم تارة بالصفات والاعمال وتارة بالاسم الصريح، يقول الله سبحانه في سورة المائدة لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون , ]78 - 79 المائدة[.
وان من تعاون معهم ووالاهم سيعمل مثل عملهم، ويحشر معهم، لأنه يحبهم ويهفو قلبه لتأييد اعمالهم، ومساعدتهم في كل ما يقومون به,, يقول سفيان الثوري: في دلالة سورة الفاتحة: غير المغضوب عليهم ولا الضالين ومثله قول ينسب لسفيان بن عيينة، المغضوب عليهم هم اليهود الذين عصوا الله عن علم ومعرفة وبمعاندة، والضالين هم النصارى يعبدون الله على جهل وضلال,, فمن فسد من علماء المسلمين ففيه شبه باليهود ومن فسد من عبّاد المسلمين ففيه شبه بالنصارى, نسأل الله السلامة.
والواجب على كل مسلم ان يمتثل أمر الله وامر رسوله صلى الله عليه وسلم في تقديس ما قدس الله ورسوله امراً مطلوباً والانتهاء عما جاء النهي عنه من الله ورسوله,, ومراعاة حرمة المكان والزمان, امتثالاً للأمر واجتناباً عند النهي.
من عجائب مصر:ذكر المسعودي المتوفى في 346ه في كتابيه مروج الذهب ومعادن الجوهر، القضايا والتجارب بعضاً من العجائب التي هي اقرب منها الى الخيال دون الحقيقة، ولكن نوردها للقارىء هنا على عهدة المؤرخ والرحالة ابي الحسن علي بن الحسين المسعودي حيث قال: فمن عجائب اخبار مصر ما ذكره يحيى بن بكير قال: كان عبدالعزيز بن مروان عاملاً على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان، فأتاه رجل متنصح، فسأله عن نصحته فقال: بالقبة الفلانية كنز عظيم قال عبدالعزيز: وما مصداق ذلك؟ قال: هو ان يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام، عند يسير من الحفر، ثم ينتهي بنا الحفر الى قلع باب من الصفر، تحته عمود من الذهب، على اعلاه ديك من الذهب عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه مضرجان بالياقوت والزمرد براثنه على صفائح من الذهب على اعلى ذلك العمود.
فأمر له عبد العزيز بنفقة ألوف من الدنانير، لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه، وكان هنالك تل عظيم فاحتفروا حفرة عظيمة في الارض والدلائل المقدم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر، فازداد عبدالعزيز حرصاً على ذلك وأوسع في النفقة واكثر من الرجال، ثم انتهوا في حفرهم الى ظهور رأس الديك، فبرق عند ذلك لمعان عظيم كالبرق الخاطف لما في عينيه من الياقوت وشدة نوره ولمعان ضيائه، ثم بانت قوائمه وظهر حول العمود عامود من البنيان بأنواع من الاحجار والرخام، وقناطر مقنطرة، وطاقات على ابواب معقودة، ولاحت فيها تماثيل وصور اشخاص من انواع الصور والذهب، وأجربة من الأحجار، قد اطبقت عليها اغطيتها وشبكت وقيد ذلك بأعمدة الذهب، فركب عبدالعزيز بن مروان حتى اشرف على الموضع، فنظر الى ما ظهر من ذلك، فأسرع بعضهم فوضع قدمه على درجة منسبكة من نحاس، تنتهي الى ما هنالك، فلما استقرت قدمه على المرقاة الرابعة ظهر سيفان عظيمان عاديان عن يمين الدرجة وشمالها، فالتفّت على الرجل، فلم يُدرك حتى جزّآه قطعاً وهوى جسمه سفلاً فلما استقر جسمه على بعض الدرج، اهتز العمود، وصفر الديك تصفيراً عجيباً، سمعه من كان بالبعد من هنالك، وحرّك جناحيه فظهرت من تحته اصوات عجيبة، وقد عملت باللوالب والحركات، اذا ما وقع على بعض تلك الدرج شيء او ماسها تهافت من هنالك من الرجال الى اسفل تلك الحفرة، وكان ممن يحضر ويعمل، وينقل التراب ويبصر ويتحرك ويأمر وينهي نحو الف رجل فهلكوا جميعاً، فجزع عبدالعزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر، ممنوع النَّيل، نعوذ بالله منه، وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما اخرج من التراب على من هلك من الناس، فكان الموضع قبراً لهم, ]مروج الذهب 1: 407 - 408[.
كما ذكر من عجائب مصر ونيلها: السمك المعروف بالرّعّاد، وهو نحو الذراع، اذا وقعت في شبكة الصياد رُعدت يداه وعضداه، فيعلم بوقوعها، فيبادر الى اخذها واخراجها عن شبكته، ولو امسكها بخشب او قصب فعلت ذلك وقد ذكرها جالينوس وانها ان جعلت على رأس من به الصداع الشديد او شقيقة وهي في الحياة هدأ من ساعته, ]1/ 394[.
|
|
|