Friday 2nd April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 16 ذو الحجة


شجاعة على ضفاف الأمل

مع مغيب شمس كل يوم من أيام قرية السعادة يخلد الناس الى النوم بعد يوم شاق ومضنٍ في طلب العيش .
وبعد ان يقضوا بعض ليلهم بالسمر مع اهليهم يأوي كل منهم الى فراشة ليجمع شتات قواه استعدادا للعودة ليوم آخر جديد, فلا يبلغ الليل ثلثه الثاني إلا وقد نامت القرية وتدثرت بدثار الهدوء والسكون, هكذا جرت عادة أهالي هذه القرية في كل ليلة من لياليها السعيدة.
ولكن الامر يختلف تماما مع احد شباب هذه القرية, ففي احد البيوت التي تتوسط القرية وعلى احدى شرفات ذلك المنزل يجلس ذلك الشاب وحيدا في آخر كل ليلة يسامر النجوم والقمر حتى طلوع الفجر, ويدور في خلده الماضي وما خلف وراءه من معضلات ومآسٍ فيحس وكأن خنجرا حادا قد انغمس في صدره فيتحسس بيديه معالم صدره لعله ينزع ذلك الخنجر ولكنه لا يجد شيئا فيعود الى همومه من جديد, هذا الشاب الذي يقضي من هو في سنه وقته بالاستمتاع باللهو والتسلية وينام ليله قرير العين فما بال هذا الشاب يرمق النجوم والقمر بعينين يرهقهما السهر, اهو عاشق ام فقد أحد اقاربه ام يشكو من ألم في جسده حتى يقضي ليله ساهرا ونهاره شارداً,والحقيقة المرة ان هذا الشاب قد فقد ما هو أكبر من هذا كله، نعم لقد فقد ما تهون عنده كل مصيبة, أجل لقد فقد جوهر حياته وزهرة طفولته, وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى لقد فقد قريته وفارق عشيرته بين عشية وضحاها, فهو لا ينسى تلك اللحظات التي قام فيها احد الولاة المجاورين بغزو قريته والاستيلاء عليها وإخراج من فيها بالقوة من المعارضين الذين لم يرضحوا لنفوذ هذا الوالي, وكان هذا الشاب وعائلته ممن اخرج من القرية بالقوة لأنهم لم يرضوا بهذا النفوذ الجائر, ولا يزال هذا الشاب يتذكر تلك اللحظات عندما اخرج مع عائلته من قريته وهم لا حول لهم ولا قوة.
قام الشاب من شرفة المنزل التي طالما كان يلجأ اليها عندما تداهمه الهموم والأحزان فيجد فيها متنفسا يفرغ فيها آلامه وهمومه, ثم دخل الى غرفته واستلقى على سريره وظل التفكير هاجسه حتى طلع عليه الفجر وهو بين أمرين إما ان يستسلم للأمر ويرضى بالواقع وإما أن يحاول ان يجد حلا لاسترداد قريته.
وفي أحد الأيام دخلت عليه اخته فقص عليها الخبر، وما يعانيه في ذلك من ألم فربتت اخته على كتفه وقالت: ولم الألم والحزن ياأخي، فبإذن الله سوف تعود الينا قريتنا ونعيش فيها من جديد, (وبعد فترة صمت) ضغطت بيدها على عضده بقوة وصاحت: أنت نعم أنت, أنت الأمل بعد الله في استرجاع قريتنا, فاستعن بالله وتوكل عليه فلن يخذلك الله تعالى ابدا ما دمت على حق, فقال الشاب: ياأختاه والله ما بي من خوف ولا جبن ولكنه أبي لا يأذن لي بالخروج خوفا علي ولا مفر من الانصياع لأمره, فقالت أخته: ياأخي عليك بالمحاولة تلو المحاولة لاقناع ابي وسيوافق بإذن الله تعالى اذا رأى منك الاصرار والعزيمة فلا تيأس.
وفي احد الأيام دخل الشاب على والده وأخبره بما يعزم عليه، فقال له والده يابني انهم ذوو قوة واني أخاف عليك, فقال له الشاب: ياأبي والله إن الموت أحب الي من هذا العيش فأذن لي ولا تردني خائبا، ولا تخف علي فالله تعالى معي، وفي نهاية الأمر استجاب الوالد لرغبة ولده لما رأى عليه علامات الإصرار، وقال له ليوفقك الله تعالى لما تنوي الاقدام عليه ولكن انتبه لنفسك, فقال الشاب: نعم ثم عانق والده وخرج والارض لا تكاد تسعه فرحا بهذا الإذن.
وبعد أيام قام أمير القرية بتجهيز قوة للشاب وأمدها بالمال والسلاح والركائب ثم دعا ذلك الشاب وهنأه على ما يعزم عليه ودعا له بالتوفيق في مسعاه.
ومع بزوغ شمس اليوم التالي خرج الشاب على رأس قوته باتجاه قريته وهو يحمل بين جوانحه العزيمة الصادقة والأمل المرتقب في استرداد قريته الحبيبة.
ومضت الأيام تلو الأيام والشاب يمضي بقوته باتجاه قريته، وهو لا يزداد مع طول المسافة ومشقة الطريق إلا مزيدا من العزيمة والإصرار لاسترجاع قريته الغالية, وبلغ من فرط شوقه اليها انه تمنى لو تطوى له الأرض في لحظات حتى يكون على مرمى حجر منها، ولكن الصبر فلا بد من الصبر, ومن صبر ظفر.
وبعد أيام من السير في الصحراء وصل الشاب الى مشارف قريته فتوقف عن السير واستقر بعض الأيام على مقربة من قريته، وفي أثناء تلك الأيام قام باعداد خطة حكيمة وناجحة لمهاجمة القرية دلت على حنكة ذلك الشاب ومقدرته الفائقة على فنون القتال,ومع طلائع فجر احد الأيام تحرك الشاب ببعض قوته الى داخل حصن القرية ثم تسللوا الى قصر حاكم القرية واخذوا أماكنهم داخل القصر وبقوا هنالك حتى الصباح.
وفي الصباح خرج حاكم القرية مع حرسه وحاشيته الى ساحة القصر, وفي تلك اللحظات صاح الشاب ورجاله صيحة واحدة وكروا على الحاكم وحرسه كرة رجل واحد فقتلوا عددا من حرس الحاكم وتمكنوا من قتل حاكم القرية واستسلم لهم البقية, ونجح الشاب في استرداد قريته الحبيبة.
وعند ضحى ذلك اليوم صعد رجل من رجال الشاب على احد سطوح القصر وصاح بأعلى صوته: الحكم لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود,, الحكم لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.
صالح بن سعيد الشراري
طبرجل

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved