عزيزتي الجزيرة.
فكرت أنا وخمسة من زملائي بطرد السآمة من نفوسنا والفتور من مفاصلنا معللين النفس بالهواء العليل في هداة الليل نتسامر على ضوء القمر في أمسية صيف تحفها المحبة وتتولاها عناية الله.
فرأينا ان نذهب ثالث ايام العيد الى أحد مصايف بلادنا رعاها الله,, فبينما نحن نسير وأفواهنا تتبادل حديث العذوبة وكلمات السلسبيل إذ وجدنا أنفسنا خلال بضع ساعات من نهار قد وصلنا الى ذلك المكان المنشود وكانت دهشتنا لا توصف حينما رأينا أن مكاننا الذي قصدناه ليس كما عهدناه إذ رأينا بعضا من الشباب,, وقد تفسخ من فطرته فنكسوا على رؤوسهم,, ممن تأثر بالحظيرة الغربية حيث رأينا اشكالا اشبه ما تكون بالدمى التي يلعب بها الأطفال حينما يدخل المطر معركة مع الطين,ثم انتقلنا لمكان آخر,, واذا بنا نرى أمة لم نر مثلها إلا في الحج -شرفه الله- لكثرتهم غير ان هذا لم يثر استغرابي ولم يهشم نفسيتي المؤملة إلا حينما رأينا تلك الأشكال الباهتة المضحكة المبكية.
فهذا أحدهم قد وضع على وجهه قطعة قماش سوداء لا ترى من وجهه إلا عينيه قد ربط آخرها برأسه وهو ما يسمى بالنقاب واذ هو يرقص رقصات غربية ليس فيها حرف واحد من كلمة رجل وحوله بعض الاصدقاء ممن هم على شاكلته وما علم هذا المسكين وأمثاله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ,تقدمنا قليلا فرأينا منظرا لا يقل عن سابقه فها هو أحد الشباب قد ردم جسمه كله على شاطىء البحر حتى لم يبق إلا رأسه فقط!.
لم تبرح الغرابة تحوم فوق رؤوسنا من منظره,, حتى رأينا منظرا ثالثا لشاب قد وضع على وجهه بعض الأصباغ من اللون الأزرق والأسود والأحمر والأخضر وتذكرت قول الأرجائي
فدعني أغالط في الحقائق ناظري فما المرء إلا العاقل المتجاهل |
فقلت لعله أحد المشجعين المتعصبين لأحد النوادي الرياضية ولكن ذاكرتي لم تسعفني أن تذكرني بناد له شعار يتكون من أربعة ألوان على وجه واحد,وإذا نظرت الى الجهة الشمالية من موقفنا نفسه رأيت ما يقف له شعرك وتسيل له نفسك حسرات فهؤلاء سبعة من الشباب وثامنهم بينهم يستمعون الى شريط غربي مصحوب بالديسكو وإذا بالموسيقى تدفدف وتتفتف,, وأجزم أنهم لا يفقهون مما يسمعون شيئا إلا ذلك الصخب وتلك الرجفة!.
ثم تقدمنا قليلا ونحن في طريق خروجنا من ذلك المستنقع فرأينا أشكالا من السيارات قد عُمل بها شيء لم أره في حياتي من قبل فهي محفور لها وقد دفنت عجلاتها بالتراب البحري واذا بواجهتها الأمامية قد نزلت الى الأرض وكأنها ساجدة واذا هم أمامها ينظرون اليها بكل فخر واعجاب وهي بهذا المنظر الذي يبعث على السخرية ويثير الاشمئزاز بل قد وصل بأحدهم أنه لم يكتف بدفن عجلاتها الأربع بل وضع ذلك التراب على الزجاج الأمامي لسيارته,عندها قلت لزملائي الذين معي لعل الله عز وجل أراد أن يرينا فضل العقل الذي حرم منه كثير من الناس.
بعد تلك المناظر أنطلقنا ونحن ما بين حامد لله وشاكر وآخر مهلل ومكبر وخرجت وأنا أردد في نفسي قول الله تعالى (ربنا أخرجنا من هذه القرية,, الآية) سورة النساء.
لذلك أقول لأولئك الشباب اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم مسلمين في بلد أعزه الله بالإسلام وبتطبيقه لشرع الله تعالى وتذكروا إذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وقد أوجدكم من العدم وغذاكم بالنعم وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة فبأي آلاء الله تنكرون
يا أيها الماء المهين من الذي سواكا
ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد واراكا
ومن الذي غذاك من نعمائه
ومن الكروب جميعها والاكا
ومن الذي شق العيون فأبصرت
ومن الذي بالعقل قد حلاكا
ومن الذي تعصي ويغفر دائما
ومن الذي تنسى ولا ينساكا
الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من الناس وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.
محمد بن سعد الدوسري
الخرج - متوسطة ابن الهيثم