المؤمن العاصي الكثير المعاصي والشر، القليل الخير لا يخلد في النار لإيمانه,, ولكنه قد يعذب الأحقاب، ولا جلد للعاقل على النار ثواني,, وأحكام الكفر، وبيان ما هو كفر: كل ذلك واضح في كتاب الله أتم وضوح، وليس محل خلاف وسيع أو تردد,, أما التكفير بما صدر من كفر فهو الخطير، ولكن الله حدد للأمة الاسلام وشرائعه الظاهرة,, يطالب بها الناس بأفعالهم وأقوالهم، ويحكمون بالتكفير قضاء بعد مناظرة قاطعة وارتفاع كل الشبه، ويجرون أحكام التكفير الدنيوية، ولا يقطعون للمعين بالخلود في النار,, وهذا منتهى الوسع والغيرة لدين الله، فلا يسهَّل ما عظم الله أمره من الكفر، ولا يلغى ما أوجبه الله من أحكام التكفير في الدنيا، ولا يفترى على الله بالحكم بالنار والخلود فيها لأي معين لم يرد عنه النص بذاته، ولقد ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية أصلين في مسألة التكفير,, أولهما غير مؤثر في محل النزاع، وهو أن كافر أهل القبلة لا يكون إلا منافقاً، فنفاقه هو كفره.
قال أبو عبد الرحمن: ليس الغرض تمييز نوع الكفر، وانما الغرض تعيين ما يكون كفراً، وتعيين من يكون كافراً سواء أكان كفره ابتداء، أم ردة، أم نفاقاً؟!,, ولقد تكلم شيخ الاسلام ابن تيمية عن أهل القبلة، وأدخل فيهم الفِرَق على خلاف في الجهمية قال: وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين:
أحدهما: أن يُعلم ان الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون الا منافقاً، فإن الله منذ بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن، وهاجر الى المدينة، صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به، وكافر به مظهر الكفر، ومنافق مُستخفٍ بالكفر, وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة,وأول من ابتدع الرفض كان منافقاً، وكذلك التجهم، فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية، لقربهم منهم.
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطناً وظاهراً، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق,, ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقاً، أو عاصياً,, وقد يكون مخطئاً مغفوراً له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين.
الأصل الثاني: المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم,, ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب,, وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول (صلى الله عليه وسلم) إذا لم يعلم أنها أنزل على الرسول (1) .
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية عن إحالة الإيمان مع ترك العمل: يمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئاً ما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات (مثل الصلاة بلا وضوء، والى غير القبلة، ونكاح الأمهات) وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الايمان الذي في قلبه، ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهي أن الرجل اذا كان مقراً بوجوب الصلاة فدعي اليها وامتنع واستتيب ثلاثاً مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل,, هل يموت كافراً أو فاسقاً؟,, على قولين:
وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك,, هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يُضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى,, لا ينتهي الأمر به الى القتل (2) .
وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الانسان إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يقتل,, سواء كان الدين حقاً أو باطلاً,, اما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطناً وظاهراً: فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط.
والقرآن يبين ان إيمان القلب يستلزم الظاهر بحسبه كقوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين),, الى قوله,, (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) ]سورة النور/ 46 - 51[، فنفى الايمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الايمان (3) .
قال أبو عبد الرحمن: إنما تمضي أحكام الكفر والتكفير على ظاهر الاسلام كما أسلفت في صدر هذا البحث في دنيانا، ونترك أحكام الآخرة الى علم ربنا وعدله يوم الموافاة,, ولقد تتبعت كلام شيخ الاسلام ابن تيمية فوجدته يفرق بين الحكم بكفر مذهب وكفر الذاهب اليه، وبين كفر الجماعة وكفر المعين.
وكان رحمه الله كثير التقرير لحقيقة الايمان ومقتضياته ودعائمه,, قال رحمه الله تعالى: والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً رسول الله: أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله,, يدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة ]رضوان الله عليهم[، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً الا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عاماً الا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع اصحابه دون اصحاب غيره حيث داروا: فاذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط بخلاف اصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ,, بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلَّماً الى عالم واحد وأصحابه,, ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شبيه بقول الرافضة في الامام المعصوم.
ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وجود المتبوعين الذين تنسب اليهم المذاهب في الأصول والفروع,, ويمتنع ان يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون احدهم علم من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن اولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلا بد ان يكون قوله: ان كان حقاً مأخوذاً عما جاء به الرسول موجوداً فيمن قبله.
وكل قول قيل في دين الاسلام مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه: فإنه قول باطل (4) .
قال أبو عبد الرحمن: وللإمام ابي محمد ابن حزم - رحمه الله - كلمات عديدة في هذا الموضوع في شتى كتبه وتعليقاته، ومن جملة كلماته قوله: وأعلى الناس منزلة في العلم الصحابة رضي الله عنهم، فان الصاحب ولو لم يكن عنده الا حديث واحد أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عند ذلك الصاحب حق يقين من عند الله تعالى، لأنه أخذه ممن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وممن لا يخطىء في شيء من الديانة أصلاً، فهو عند ذلك الصاحب كالقرآن في صحة وروده من عند الله عز وجل في وجوب الطاعة له,, ثم التابعون فإنهم أخذوا السنن التي هي العلم عمن شهد الله لهم بالعدالة كلهم، إذ يقول تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا),, إلى قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) ]سورة الفتح/29[.
وقال تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى,,) ]سورة الحديد/ 10[.
وقال تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون),, الى قوله تعالى: (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) ]سورة الأنبياء/ 101 - 103[.
وقال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) ]سورة الفتح/ 18[.
قال أبو محمد رحمه الله: فمن أخذ العلم عمن شهد الله تعالى لهم بالجنة قطعاً وبالعدالة، وبأنه تعالى رضي عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم، فقد صحت لهم العصمة من تعمد الفسوق، إذ لا يجتمع الفسق والسكينة في قلب واحد، فهو أعلى درجة في العلم، وأثبت قدماً فيه، وأولى باسمه ممن أخذه عمن بعدهم: ممن لايقطعون له بالعدالة، ولا بصحة غيبه، ولا بعدالته عند الله عز وجل، ولا يقين عن معتقده ممن ليس فيه الا حسن الظن به فقط، والله أعلم بباطنه، وهذه صفة التابعين,, وكل من دونهم، فلا يجوز أن يكون أعلم من صاحب بوجه من الوجوه، وجائز أن يكون أعلم من تابع، لأن التابع لا يُقطع بصدقه، ولا بصحة نقله، ولا بعدالته عند الله عز وجل كما نقطع نحن وهم بعدالة الصاحب عند الله عز وجل وبصدقه، لأن العدل عند الله لا يكون الا صادقاً بلا شك,, لا سيما مع قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبؤوا الدار والايمان من قبلهم),, إلى قوله عز وجل (,,انك رؤوف رحيم) ]سورة الحشر/ 8 - 10[، فشهد الله تعالى لهم بالصدق والفلاح (5) .
وقال أيضاً: لا اختلاف بين جميع أهل الأديان عامة (فكيف أهل الايمان خاصة) في أن الأنبياء عليهم السلام أفضل من مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وداوود، وأعلم وأجل وأولى عند الله تعالى وعند الناس بكل فضل وخير، وقد ذكرهم الله عز وجل فقال: (أم تقولون إن ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) ]سورة البقرة/ 140 - 141[، فاذا كان الأنبياء عليهم السلام لم نكلف معرفة أعمالهم، ولا حمِّلنا دراية ما كسبوا، واخبرنا الله عز وجل اننا لا نسأل عما كانوا يعملون: فحق بلا شك ان من دونهم اولى بسقوط معرفة اعمالهم، ودراية احوالهم عنا، فصح بهذا ان السؤال: عمن كان اعلم مالك أو ابو حنيفة او الشافعي او أحمد او داوود؟,, فضول من القول وغثٌ من السؤال واشتغال بما لا يغني وتهمُّم بما لا فائدة فيه,, وهذه حال لا يهتبل بها عاقل (6) .
قال أبو عبد الرحمن: الآية الكريمة لا تنطبق على دعوى ابي محمد، لأنها عن مسؤولية كل عبد عن عمله امام ربه، اما التماس شواهد الحال في الدنيا عن معرفة الأورع والأعلم فأمر عظيم الفائدة، وهو من كمال الفقه في الدين، لأنه تحرٍّ عمن نأخذ عنه ديننا,, ومعرفة الأعلم والأورع لا تعني العصمة وضرورة التقليد.
وقال: ومن قرأ كتب العلماء والفقهاء والسالفين والخالفين من المذكورين وغيرهم وقف يقيناً على الأفقه منهم، ولا سبيل الى ان يعرف ذلك من اقتصر على رأي رجل منهم دون غيره لانه يحكم بما لا يدري فيما لا يدري، وهذا جور لا يحل.
وأفقههم أشدهم اتباعاً لأحكام القرآن وأحكام الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبعدهم عن رأيه والقطع بظنه، وعن التقليد لمعلميهم دون غيرهم (7) .
قال أبو عبد الرحمن: وبما أن صحة الاعتقاد تنتج صحة الادراك، وبما أن الحق ليس مسلماً الى عالم واحد ومقلديه دون غيره، وبما أن الصحابة رضوان الله عليهم (في أقوالهم وسيرهم وعقيدتهم حاشا ما صح بالنص انه اجتهاد خاطىء) هم الجماعة الأولى لأهل السنة والجماعة، وهم المرجع لاستبانة المنهج: كان أميز منهج وأصحه سياق دلائل النصوص الشرعية، ثم يعطف عليها اقوال الصحابة رضوان الله عليهم وأفعالهم وما دل على معتقداتهم.
(1) مجموع فتاوى شيخ الاسلام 3/353 - 354.
(2) قال أبو عبد الرحمن: قد يفعل حماقة لا جنوناً عناداً للمخلوق لا للخالق,, كأن يكون نوى أن يصلي بحريته دون أن يُكره، فيظل التكفير ظاهراً.
(3) مجموع الفتاوى 7/218 - 219 و221.
(4) منهاج السنة 5/261 - 263.
(5) الرسالة الباهرة نشرت بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق م 64 ج1 ص 44 - 46.
(6) الرسالة الباهرة ص 14 - 15.
(7) الرسالة الباهرة ص 47.
|