يبدو ان تعذر السيطرة على مشكلة حوادث المرور وما تخلفه من خسائر في الارواح والممتلكات بات امرا يساور البعض منا لدرجة التشاؤم بسبب تفاقم المشكلة من ناحية والتصرفات المنفلتة من عقالها التي اصبحت سمة لوضعنا المروري نعايشها يوميا على الطرق من ناحية اخرى.
ويجد هذا البعض في حالات التهور التي يمارسها سائقون جهلة في ظل غياب الردع الصارم مبررا لذلك خصوصا وان المشكلة اشبعت بحثا ودراسة وباتت الحلول لها معروفة من توصيات هذه الدراسات غير انها تقتضي التطبيق الحقيقي، وهو ما نفتقده حتى الآن.
على اي حال يطل علينا اسبوع المرور الخليجي لهذا العام بشعار جديد كما هو في كل اسبوع مروري انقضى لنجد انفسنا امام سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الفائدة من اسبوع المرور؟ وقد تبدو الاجابة معروفة سلفا في ظل تزايد ضحايا حوادث الطرق والخسائر المادية المرتبطة بها، الا ان ذلك لا يمنع من وقفة قصيرة لمناقشة فاعلية اسبوع المرور واثره نحو التصدي للمشكلة، وقبل ذلك سنعطي فكرة مقتضبة عن مشكلة حوادث المرور في دول مجلس التعاون الخليجية من واقع الاحصاءات التي تسجلها ادارات المرور في هذه الدول.
ان مشكلة الحوادث المرورية كما ذكرت، في تفاقم مستمر وجموح متصاعد نحو حصد الارواح، فحصيلة الضحايا في دول مجلس التعاون الخليجية بحسب آخر الاحصاءات تصل الى ما يفوق ستة آلاف شخص سنويا، اي بمعدل مائة وخمسة وستين (165) شخصا في اليوم من بينهم ست عشرة (16) حالة وفاة على الاقل, ولتوضيح الصورة من هذه الخسائر لعلنا ننوه بأن معدل الوفيات لكل مائة الف نسمة في مجموع دول المجلس، وهو معيار مناسب لغرض المقارنات الاحصائية، يصل الى ثلاث وعشرين (23) وفاة، بينما لا يزيد هذا المعدل عن خمس عشرة (15) في كل من انجلترا والمانيا مثالا لا حصرا، مما يشير الى فظاعة الخسائر وفداحتها وما نعانيه من جراء هذه المشكلة المستعصية، ومن المؤسف حقا ان تكشر هذه المشكلة انيابها في وجوه افراد الفئة الشابة من مجتمعنا الخليجي، اذ تؤكد الدراسات التخصصية ان ما يفوق خمس ضحايا حوادث السير في دول مجلس التعاون هم من شريحة الشباب دون عشرين سنة!! وبهذا نفقد من يشكلون سواعد التنمية, ان احدا لا يستغرب عند وصف المشكلة بأنها حرب في الشوارع سلاحها السيارات وخصومها السائقون بسبب من هو متهور منهم ولا يبالي بحياته فضلا عن حياة الآخرين.
وسط معمعة هذه الارقام يطل علينا اسبوع المرور في احتفالية سنوية وكأن اسبوعاً واحداً من التوعية سيكون كافيا للتصدي لهذه المشكلة الخطيرة، ويبدو وكأن القائمين على هذا الاسبوع على قناعة تامة بذلك والا لما تلاحقت احتفالاتنا الحولية بما يسمى ب: اسبوع المرور, ولنعود للسؤال المطروح حول فائدة هذا الاسبوع وفعاليته ولنطرحه بصيغة مختلفة: هل هناك داع لاستمرار اسبوع المرور الخليجي في وضعه الكائن؟ قد لا تستعصي الاجابة فتصاعد الخسائر السنوية من الحوادث والارقام السابقة كلها تعزز الشكوك حول فاعلية هذا الاسبوع السنوي الخاطف وتأثيره في الحد من المشكلة وتحجيمها, ولو تجاوزنا الاحصاءات نجد ان هناك بعض الدراسات التي طالبت باعادة النظر في هذا الاسبوع بل ذهبت الى حد المطالبة بإلغائه وهي دراسات علمية موثقة استندت الى رصد ميداني موسع، ليس المجال هنا للخوض في تفاصيلها.
اذن فمسألة اسبوع سنوي واحد ل (التوعية) تبدو غير مجدية البتة في ظل ما نعايشه من تفاقم لهذه المشكلة, غير ان ما يجب التأكيد عليه هو اننا لا ندعو الى إلغاء الاسبوع ولكن نطالب بإعادة النظر في وضعه فلماذا لا تمتد التوعية طيلة ايام السنة على ان تصل ذروتها في اوقات مثل قبل الاجازات ومواسم الاعياد ونحوها من المناسبات التي تتزايد فيها حركة السير خصوصا على الطرق الريفية, فالتوعية مطلب ربما نحصد اثرها على المدى الطويل في التأثير على عقلية السائق وغرس مفاهيم السلامة المرورية في نفسه وتعويده ذاتيا على احترام انظمة المرور وقوانينه.
ويجدر بنا عدم اغفال العقوبة التي هي صنوان التوعية اذا ما اردنا انجاز تحسن ملحوظ في مستوى السلامة المرورية، فلا يمكن تحقيق النجاح في هذا الامر دون التصدي للمتهورين بايقافهم وانزال العقوبات الصارمة في حقهم لكي يرتدعوا ويكفوا عن غيهم الذي غالبا ما يودي بحياتهم وآخرين من الابرياء على الطريق, اذن ما ندعو اليه هو ان تتلازم التوعية مع العقوبة وان يستمد هذا التلازم قوته من التخطيط العلمي الصحيح للتصدي للمشكلة بحساب يبتعد عن التخمين الذي غالبا ما يخطىء وبالتالي تنتفي الفائدة منها مما يشكل هدرا للموارد بأنواعها.
ملخص الامر ان اسبوع المرور الخليجي بوضعه القائم ليس له اي فعالية لتحقيق مقاصد وغايات السلامة المرورية، فنحن بحاجة الى توعية متواصلة تحل محله او على الاقل استخدام ما يصرف على مناسبة هذا الاسبوع في تعزيز امكانات دوريات شرطة المرور لمساندة دور الرقابة المرورية كي تتمكن من مواجهة المتهورين من جمهور السائقين وايقافهم عند حدهم للجمع بين الحسنيين: التوعية والعقوبة.
د, علي بن سعيد الغامدي
رئيس اللجنة الوطنية لسلامة المرور
استاذ هندسة المرور والنقل المشارك