العمر يتقدم بنا جميعاً، في كل يوم من أيام حياتنا، لكن جون غلين كان في السابعة والسبعين من العمر عندما قام برحلته الثانية في الفضاء ضمن إطار تجربة علمية لمحاولة معرفة أسرار الشيخوخة، والحقيقة التي لا شك فيها هي أن السن تتقدم بكل منا حتى من قبل أن نولد، ونحن نكبر سناً طوال أيام حياتنا، فالتقدم في السن عملية طبيعية تستحق الابتهاج والشكر، لأن البديل عنها هو الوفاة في سن مبكرة.
ارتفع متوسط العمر المأمول ارتفاعاً كبيراً في القرن الحالي، ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه في كل المجتمعات تقريباً في بلدان العالم كله، وهذا يعني أن عدد الذين يصلون إلى مرحلة الشيخوخة آخذ في الازدياد، وبين أبناء العالم اليوم 580 مليوناً بلغوا سن الستين او تجاوزوها، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى ألف مليون في عام 2020، أي بزيادة تعادل 75% بالمقارنة مع الزيادة السكانية العامة التي تصل إلى 50% فقط.
ان الصحة ضرورية جداً للحفاظ على المعافاة وعلى نوعية جيدة من الحياة عند التقدم في السن، وهي لا شك ضرورية إذا أردنا أن يواصل كبار السن إسهامهم الناشط في حياة المجتمع، والواقع أن الغالبية العظمى من كبار السن يتمتعون بصحة جيدة، ويعيشون حياة ناشطة ونافعة، بل انهم يمتلكون ثروة فكرية وعاطفية واجتماعية لا تتوفافر لمن هم أصغر سناً.
يبين هذا الملف كيف ان مبادىء مواصلة النشاط في الشيخوخة تساعد في الحفاظ على الصحة والابداع على مدى العمر، ولا سيما في السنين المتقدمة، وهو يدحض بعض المعرفات السائدة حول الشيخوخة والمسنين، ويقترح طرقاً لمساعدة الأفراد وأصحاب القرار السياسي واخراج المبادىء إلى حيز العمل كي تصبح مواصلة المسنين لنشاطهم حقيقة عالمية.
الخرافة الأولى:
ان معظم المسنين يعيشون في البلدان المتقدمة
بل العكس هو الصحيح: فغالبية المسنين، بل أكثر من 60% منهم، يعيشون في البلدان النامية، ففي العالم اليوم حوالي 580 مليوناً من المسنين، يعيش 355 مليوناً منهم في الدول النامية، ومن المتوقع أن يرتفع عدد المسنين في عام 2020 إلى ألف مليون نسمة، بينهم أكثر من سبعمائة مليون في البلدان النامية.
ويتوقع كذلك أن يستمر ارتفاع متوسط العمر المأمول في كل بقعة من بقاع العالم تقريباً، أما السبب في هذا فهو ما تحقق في القرن الحالي من انخفاض ملحوظ في الوفيات قبل الأوان التي تنجم عن الإصابة بالأمراض السارية والمزمنة بين أعداد كبيرة من الناس، ثم إن ما أدخل من تحسينات في الصرف الصحي، والمساكن، التغذية، وما تم التوصل إليه من مبتكرات طبية، بما في ذلك التطعيم واكتشاف المضادات الحيوية، كل ذلك أسهم في هذا الازدياد التدريجي في عدد الذين يصلون إلى سن الشيخوخة.
وقد ترافقت الزيادة الكبيرة في متوسط العمر المأمول مع انخفاض كبير في الخصوبة في كل بلاد العالم، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى استخدام طرق منع الحمل الحديثة، ففي الهند مثلاً تضاءلت معدلات الخصوبة (أي عدد الأطفال الذين يتوقع أن تنجبهم المرأة) فانخفضت من 5,9 في عام 1970م إلى 3,1 في عام 1998م، وفي البرازيل انخفضت معدلات الخصوبة من 5,1 في عام 1970 إلى 2,2 في عام 1998م، غير أن هذا الانخفاض كان أكثر وضوحاً في الصين التي طبقت سياسة اقتصار.
الخرافة الثانية:
ان كل المسنين سواء
المسنون في الحقيقة مجموعة متنوعة ومتفاوتة جدا فكثير من المسنين الطاعنين في السن يعيشون حياة ناشطة ويتمتعون بصحة جيدة، في حين أن بعض المسنين الذين هم أقل عمراً من أولئك بكثير، يعانون نوعية حياة متدنية، فالناس يهرمون كل بطريقته وينجم التفاوت عن مجموعة كبيرة من العوامل، بما في ذلك الخلفية الجنوية والعرقية والثقافية، وكون المجتمع الذي يعيشون فيه، صناعياً أو نامياً، حضرياً أو ريفياً, ثم إن الموقع الجغرافي وحجم عائلة المسن، ومهارته وخبرته التي اكتسبها في حياته، تعتبر كلها من العوامل التي تؤدي إلى تمايز الأفراد عندما يتقدم بهم العمر.
كذلك فإن الاختلافات الفردية في الخصائص البيولوجية (مثل ضغط الدم والقوة البدنية) تميل إلى أن تكون اكبر واكثر وضوحا بين المسنين مما هو عليه الحال بين الفئات الأصغر سنا فهذه الخصائص بين يافعين في العاشرة من العمر تكون أكثر تقارباً بكثير مما هي عليه بين عجوزين في الثمانين, وهذا التنوع يؤدي إلى صعوبات بالغة في تحليل وتفسير النتائج التي تخرج بها الدراسات العلمية عن التقدم في السن، إذ غالباً ما تجري هذه الدراسات على مجموعات خاصة ومحددة من المسنين, ولذلك فإن النتائج التي تتوصل إليها قد لا تنطبق على نسبة كبيرة من كبار السن، أو حتى على غالبيتهم.
كذلك تزداد الاختلافات بما تعرض له المرء من أمراض في حياته، إذ قد يؤدي ذلك إلى تسريع عملية الشيخوخة, وقد أظهرت دراسات عديدة أن هنالك تفاوتات واسعة في أنماط المرض بين الناس من مجتمعات عرقية وثقافية مختلفة، دون أن يكون هناك في الغالب تفسير واضح لهذه الاختلافات فنجد على سبيل المثال أن المهاجرين وذرياتهم الذين انتقلوا من بلدان شبه القارة الهندية إلى بلدان أخرى في مختلف أنحاء العالم، ترتفع بينهم نسبة الإصابة بمرض شرايين القلب التاجية عما هي عليه بين بقية السكان في البلدان التي انتقلوا إليها.
أسباب هذه الفوارق
قد يكون هناك عامل وراثي يسهم في تحديد مدة العمر الذي نعيشه, غير أن صحة المرء ونشاطه في سن الشيخوخة إنما هي خلاصة لما مر به من تجارب، وما تعرض له من أمور، وما قام به من أعمال في مراحل حياته المختلفة.
والواقع أن مجرى حياتنا يبدأ قبل الولادة، إذ تشير الأبحاث إلى أن الجنين الذي يكون قليل التغذية في الرحم يكون اكثر عرضة في الكبر إلى الإصابة بأنواع مختلفة من الأمراض، بما في ذلك مرض القلب التاجي، والسكري، ويبدو كذلك أنه يهرم بسرعة أكبر مما يتعرض له الفرد الذي يتلقى تغذية جيدة في حياته المبكرة، كذلك فإن سوء التغذية في الطفولة، ولا سيما في السنة الأولى من العمر، والإصابة بأمراض الطفولة مثل شلل الأطفال والحمى الروماتزمية والتعرض للحوادث والإصابات تزيد كلها من احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة، بل المقعدة احياناً في الكبر, ثم إن بعض أنماط الحياة التي يتبعها المرء في مرحلة المراهقة البالغية، كالتدخين مثلاً، وتعاطي الخمر، وعدم ممارسة الرياضة، وقلة التغذية أو السمنة، تزيد كثيراً من احتمالات الإصابة بالأمراض والعجز بعد ذلك.
ثم إن التفاوت في المستوى الثقافي والدخل، والأدوار الاجتماعية، والتوقعات أو الطموحات في كل مراحل حياة الإنسان، كلها تزيد من تنوع أنماط الشيخوخة، ثم إننا نجد في كل بلدان العالم أن متوسط المستوى التعليمي بين المسنين أقل منه بين الفئات الأصغر سناً, وهذه اختلافات هامة نظراً لأن مستويات التعليم العالية تقترن عادة بصحة أفضل, ومن المعروف أن صحة الأطفال، فالنساء الأفضل تعليماً أقل أطفالاً في العادة، ويتمتع أطفالهن بصحة أفضل, كذلك فإن الذين يتلقون مستوى تعليمياً أفضل ينتهجون عادة في كل مراحل العمر أنماط حياة أفضل من حيث الالتزام بالمعايير الصحية، كما تتوافر لهم الرعاية الصحية والمعلومات الصحية بشكل أفضل.
الخرافة الثالثة:
ان الرجال والنساء يشيخون بطريقة واحدة
يشيخ النساء والرجال بطريقتين مختلفتين, فالنساء أولاً يعشن مدة أطول، وواضح أن جزءاً من السبب في زيادة متوسط العمر المأمول للمرأة هو بيولوجي، فالواقع أن النساء لسن الجنس الأضعف بحال من الأحوال، بل يبدو أنهن أكثر قوة ومقاومة من الرجال في كل مراحل العمر، وفي مرحلة الطفولة المبكرة بشكل خاص، كذلك ربما كانت هناك ميزة بيولوجية للنساء في الكبر، أو على الأقل حتى انقطاع الطمث، إذ إن الهرمونات تقيهن من مرض القلب الإقفاري (نقص التروية القلبية) على سبيل المثال.
ويتراوح متوسط العمر المأمول للمرأة عند الولادة حالياً بين خمسين سنة أو تزيد قليلاً في أقل الدول نمواً وأكثر من ثمانين عاماً في الدول المتقدمة، حيث يزيد العمر المأمول للمرأة عن الرجل بمعدل يتراوح بين خمس سنوات وثماني سنوات, ولهذا فإن الشريحة الأعلى من كبار المسنين في معظم بلدان العالم تتألف غالبيتها الكبرى من النساء غير أن زيادة العمر لا تعني بالضرورة حياة صحية أفضل, ثم إن أنماط الصحة والمرض بين النساء والرجال تتفاوت تفاوتاً كبيراً، كما أن زيادة عمر المرأة يجعلها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة التي تأتي عادة بتقدم السن، فالنساء مثلاً أكثر تعرضاً من الرجال للإصابة بتخلخل العظام، والسكري، ارتفاع ضغط الدم، والسلس والتهاب المفاصل, ومعروف أن الأمراض المزمنة المسببة للعجز، كأصابة المفاصل، تقلل من القدرة على الحركة، ولذلك فإنها تقلل من قدرة المرء على الاحتفاظ بالصلات الاجتماعية وهذا يؤثر بالتالي على نوعية الحياة.
ومن جهة أخرى نجد أن الرجال أكثر تعرضاً للإصابة بأمراض القلب والسكتة المخية، ولكن مع تقدم السن بالمرأة تصبح هذه الأمراض هي السبب الرئيسي في الوفاة والعجز بين النساء كذلك, والواقع أن الأنطباع السائد بأن أمراض القلب والسكتة إنما تصيب الرجال فقط قد قلل من إدراك أهمية هذه الأمراض بالنسبة لصحة النساء الأكبر سناً، ولذلك لابد من القيام بأبحاث جديدة في هذا المجال.
الخرافة الرابعة:
ان المسنين ضعاف البنية
الواقع أن المسنين ليسوا ضعاف البنية، بل الغالبية العظمى من المسنين تظل محافظة على قوتها البدنية حتى مرحلة متقدمة، ولا يقتصر الأمر على كون المسنين قادرين على القيام بأعباء الحياة اليومية، بل إنهم يواصلون القيام بدور فاعل في حياة المجتمع، أو بعبارة أخرى فإنهم يحافظون على قدرتهم الأدائية.
وهناك اختلافات وتفاوتات في الحفاظ على القدرة الأدائية بين المجموعات المختلفة من المسنين في كل مظاهر الشيخوخة فمع ان النساء يعشن عمراً أطول من الرجال في الغالب، إلا أنهن يتعرضن تعرضاً أكبر، بالمقارنة مع الرجال الذين هم في مثل سنهن، إلى الأمراض التي تسبب العجز عند تقدم السن، كما ان هناك اختلافاً واسعاً فيما نتصوره من حاجة إلى قدرات أدائية معينة بين المسنين، ففي بعض المجتمعات مثلاً تقوم النساء عادة بجلب الماء والحطب، حتى إن هذا يعتبر جزءاً من التقاليد الاجتماعية، والواقع ان المحافظة على الحد الأكبر من القدرة الأدائية بالنسبة للمسنين أمر يماثل في أهمية عدم الإصابة بالمرض,
|