Saturday 10th April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,السبت 24 ذو الحجة


خلافاً للرأي السائد
المسنون يسهمون اسهامات لا حصر لها لعائلاتهم ومجتمعاتهم

الخرافة الخامسة
انه ليس لدى المسنين ما يقدمونه
الحقيقة أن المسنين يسهمون إسهامات لا تدخل تحت حصر لعائلاتهم ومجتمعاتهم واقتصاد بلادهم لكن النظرة التقليدية التي تكرس هذه الخرافة إنما تميل إلى التركيز على المشاركة في القوة العاملة وتناقص هذه المشاركة مع تقدم السن، ولهذا يفترض على نطاق واسع أن تضاؤل اعداد المسنين الذين يقومون بأعمال لقاء أجر إنما يرجع إلى انخفاض قدرتهم الأدائية بسبب الشيخوخة، والواقع ان انخفاض القدرة الأدائية لا يعني بحال من الأحوال عدم القدرة على العمل, بل إن المتطلبات البدنية في كثير من الوظائف والأعمال قد انخفضت بما تم إحرازه من تقدم تقني، يسمح حتى للذين يعانون تعوقاً بالغاً أن يكونوا قادرين على العطاء والإنتاج الاقتصادي, وبالإضافة إلى ذلك فإن انخفاض أعداد المسنين الذين يقومون بأعمال لقاء أجر إنما يرجع في الغالب إلى جوانب معينة، منها نقص التعليم والتدريب، كما يرجع بصفة خاصة إلى التحيز ضد المسنين ، وليس إلى كبر السن بحد ذاته.
كذلك فإن الرأي السائد بأن كبار السن ليس لديهم ما يقدمونه إنما يبنى على أساس فكرة أن الأعمال المأجورة هي وحدها الأعمال ذات القيمة, غير أن كبار السن يقدمون إسهامات كبيرة في الأعمال غير المأجورة، بما في ذلك الزراعة، والقطاع غير الرسمي، والأمور التطوعية، وكثيراً ما يعتمد الاقتصاد المحلي في أنحاء كثيرة في العالم على هذا النوع من النشاط إلى حد كبير، إلا أن الشطر اليسير من هذه الأنشطة يؤخذ بعين الاعتبار في حساب الأنشطة الاقتصادية الوطنية، مما يؤدي إلى التغافل عن إسهام المسنين، أو التقليل من شأنه أو قيمته في كثير من الأحيان.
الخرافة السادسة: ان المسنين
عبء اقتصادي على المجتمع
يسهم كبار السن بطرق شتى في التنمية الاقتصادية في مجتمعاتهم، غير أن أمرين مترافقين قد أسهما في انتشار الخرافة التي تزعم أن المجتمعات لن تستطيع أن توفر الدعم الاقتصادي والرعاية الصحية للمسنين في السنين القادمة، أما الأمر الأول فهو الصورة الذهنية للأعداد الكبيرة من المواطنين الذين سيظلون على قيد الحياة حتى تتقدم بهم السن في القرن المقبل, وأما الأمر الآخر فهو وضع تركيز أكبر على القوى الفاعلة في السوق في كل أنحاء العالم تقريباً، وما يرتبط بذلك من حوار عن دور الدولة في ضمان الدخل وتوفير الرعاية الصحية للمواطنين.
يساور كثيراً من الدول، ولا سيما الدول الصناعية، قلق متزايد من حجم ما تنفقه الدولة على الضمان الاجتماعي، مما دفعها إلى التساؤل إذا كان من الممكن تخفيض النفقات بفتح المجال لمزيد من المنافسة في القطاع الخاص لتوفير الضمان الاجتماعي، ومما يؤسف له أن هذا الحوار العالمي قد جعل التركيز كله على ما يتكلفه المجتمع لقاء توفير المعاشات والرعاية الصحية للمسنين، بدلاً من أن يركز على الإسهامات المستمرة التي يقدمها كبار السن للمجتمع والتي لها قيمة اقتصادية كبيرة، وقد أدى هذا إلى انتشار خرافة مفادها أن كبار السن يعتمدون عموماً على غيرهم من الناحية الاقتصادية، مما يعني أنهم عبء وعالة على المجتمع، غير أن الحقائق تظهر أن هذا مخالف للواقع, إذ لابد من أن يؤخذ أمران هامان بعين الاعتبار، وهما العمل والضمان التقاعدي.
رعاية المسنين
مفهوم إسلامي أصيل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا، وقد تحدثنا في عام سابق عن أهمية الرحمة بالصغير ورعايته من كل الوجوه، لا سيما الصحية، وبقي للكبير أن نعرف له حقوقه الجسمية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن نكفل تلك الحقوق بحيث تتوافر للمسن الرعاية بمختلف أوجهها.
إن الكبر مرحلة طبيعية يمر بها كل إنسان وهي سنة من سنن الله في خلقه, إذ يقول سبحانه وتعالى في محكم آياته: الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة, يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (الروم: 54), وقد أراد الله تعالى لهذه المرحلة أن تكون آية وحكمة, وحكمتها أن لا يغتر المرء بقوته حين يصبح ضعيفاً لا حول له ولا قوة، ثم يكبر وينمو ويشتد عوده حتى تصل قوته الجسمية إلى تمامها وهو في ريعان شبابه, وبعض الناس يغتر بقوته تلك، ويحسب انها لا تزول أبداً, وقد يدفعه ذلك إلى الطغيان والعدوان على من هم أضعف منه، لذلك شاءت حكمة الله تعالى أن تكون النقطة التي تكتمل عندها مظاهر قوة المرء، هي نفسها النقطة التي تبدأ فيها هذه القوة في التراجع شيئاً فشيئاً، حتى يدخل مرحلة الشيخوخة، فيرتد ضعيفاً وتبدو عليه آثار المشيب.
ثم إن لله تعالى حكمة أخرى في هذا الشأن, وهي أن يبلو الناس أيهم أبر بأهله في كبرهم وأكثر إكراماً للشيوخ, فرعاية المسن مكانها الطبيعي الأسرة، بين الأبناء والأحفاد، حيث دفء مشاعر المحبة والتوقير والاحترام، والرعاية المخلصة النابعة من قلوب تدين بالفضل لذويها, إن وجود المسن بين أهله عزيزاً مكرماً من أعظم العوامل أثراً في تخفيف عبء الشيخوخة وأعراضها عن كاهله, فيستمد من وجوده وسط أهليه الأمان والطمأنينة، ولا يقع فريسة للقلق والخوف من معاناة الوحدة وذل الحاجة، فضلاً عن شعوره بأنه ما زال بإمكانه القيام بشيء نافع من خلال علاقته بصغار الأسرة وأطفالها.
والأبناء والأحفاد عندما يحرصون على رعاية كبارهم يكونون بذلك قد أطاعوا الله مرتين: مرة ببر الوالدين والإحسان إليهما في كبرهما، وهي الفضيلة التي قرنها الله تعالى بعبادته وأمر بها بعد النهي عن الشرك به، ومرة بصلة الأرحام التي لم يفتأ رسول الله صلى الله عليه سلم يأمر بها.
أما المسن الذي لا أبناء أو أقارب له يرعونه في شيخوخته، فإن رعايته واجبة على المجتمع ككل, فالحديث النبوي الذي افتتحنا به ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا موجه إلى عامة المسلمين، ويعتبر المسؤولية مشتركة بينهم عن معرفة حق الكبير وراء ذلك الحق، وواجب المجتمع أن يضمن للمسن مأوى أمناً تتوافر فيه الصحبة التي تدفع الاكتئاب والملل، كما تتوافر فيه فرص الانخراط في أنشطة نافعة ومجالات غير مجهدة، فضلاً عن توفير الرعاية الصحية والغذائية، واذا كانت السلطات في المجتمع هي المسؤولة أساساً عن إقامة مؤسسة ودور للمسنين، فإن أفراد المجتمع لهم دورهم في تدارك أوجه العجز التي قد تقع فيها هذه السلطات بسبب نقص الموارد أو اختلاف الأولويات, ولعل التبرع في مجال رعاية المسنين من أكبر أوجه البر التي يثاب عليها المرء, فإن لم يكن قادراً على التبرع بالمال، فإن الزيارات المتواترة لدور المسنين التي تدخل في نفوسهم البهجة، وتصلهم بالعالم الخارجي، لا تقل براً عن بذل المال.
ولا يجوز أن يغري وجود دور المسنين الأبناء بالتخلص من عبء رعاية المسنين من آبائهم وأجدادهم وأقاربهم، بزعم الانشغل بأمور العيش، والاعتقاد بأن وجود مكان آمن يؤوي هؤلاء الكبار يرفع الحرج عن الأبناء، ويقوم بديلاً لما يجب أن يفعلوه بأنفسهم, فهم إن يفعلوا ذلك فإنهم يتقاعسون عن أداء ما أمرهم به الله ورسوله، ويعقون أباءهم وأجدادهم، ويخسرون خيراً كثيراً، فدور المسنين إنما هي لمن لا عائل له من أبناء أو أقرباء.
في الاسلام:
* الكبر مرحلة طبيعية وسنة إلهية لها حكمتها.
* رعاية المسن واجب الفرد والمجتمع معاً.
* توقير الكبير وإكرام الشيوخ من أعظم أوجه البر وأحسنها مثوبة.
* الاستعداد للشيخوخة يبدأ في مرحلة الشباب ويكون بتطبيق التعاليم الدينية وانتهاج الحياة الصحية.
لقد تعددت الآيات القرآنية التي توصي الإنسان بوالديه، وبرهما والإحسان إليهما في كل مراحل العمر، لكن القرآن اختص مرحلة كبر سنهما باهتمام أوسع، وفصل الواجبات التي يتعين على الانسان إسداؤها لوالديه في هذه المرحلة.
يقول سبحانه في سورة الإسراء: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً , ولم تنه الآية الكريمة الانسان عن أن ينهر والديه أو يؤذي شعورهما بالقول الخشن أو التعبير عن التبرم من باب الاحترام والتوقير فحسب، فذلك مطلوب سواء كان الوالدان في حال قوتهما أو ضعفهما، ولكنه نهي يحمل في جوهره تقديراً إلهياً لطبيعة الحالة النفسية التي يكون عليها المرء حين يكبر وتهن قوته ويضعف.
ثم يمضي الامر الإلهي يقول: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً فتدعو إلى الدرجة العليا من الرحمة بالوالدين الكبيرين بحيث يشعر الولد والبنت والديهما بعمق ما يشعران به من رحمة بالوالدين وإجلال لهما, ولأن الانسان مهما بلغ من العطف والتراحم تظل قدرته قاصرة عن الوفاء بحق والديه، لذلك فهو يلجأ إلى من لا تنفد ينابيع رحمته، داعياً إياه أن يجزيهما الجزاء الأوفى، لقاء رحمتهما به وتربيتهما إياه في صغره, ولا يقتصر الإرشاد القرآني للأبناء في تعاملهم مع الآباء كبار السن على النهي عن خشونة القول، وإنما ينتقل إلى الأمر باحسان القول، وتحري الكريم من الالفاظ في مخاطبتهما، مراعاة لشعورهما وإعزازاً لهما.
وترتقي آيات الكتاب العزيز إلى صعيد أعلى في موضوع بر الوالدين، حتى عند اختلاف الدين، واتخاذهما موقفاً يحاولان فيه حمل ابنهما على الشرك بالله, فيقول الله تعالى: وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً (لقمان: 15), أرأيت إن كان أمر الله للإنسان أن يصاحب بالمعروف والديه المشركين اللذين يحضانه على الكفر به تعالى,
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
ملحق حائل
ملحق الدمام
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved