إن صحة المسنين هي الموضوع الذي تركز عليه منظمة الصحة العالمية في هذا العام الذي جعلته الأمم المتحدة عاماً دولياً لكبار السن ذلك لأن تغيراً سكانياً قد طرأ على تركيبة المجتمعات الانسانية في كل بلدان العالم، زادت به أعداد المسنين وستظل تزداد لتشكل في مقبل الأيام نسبة أكبر بكثير مما كانت عليه في العقود الخوالي.
واختيار صحة المسنين موضوعاً ليوم الصحة العالمي وتخصيص عام دولي لهؤلاء المواطنين الأجلاء مبادرتان طيبتان علينا أن نغتنمها ونحسن الاستفادة منهما لتصحيح الخلل في النظرة السائدة حول المسنين وصحتهم ودورهم في المجتمع فغالباً ما يقترن التقدم في السن في أذهان الناس باعتلال الصحة والضعف والعجز، وما يترتب على ذلك من ضرورة توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية ممايوحي بأن كبار السن عالة على المجتمع.
لكن الحقيقة تختلف اختلافاً بيناً عن ذلك كله فليس صحيحاً ان اعتلال الصحة لازمة أساسية من لوازم التقدم في السن بل إن أكثر المسنين يتمتعون عادة بصحة جيدة وهم يقدمون الكثير لعائلاتهم ومجتمعهم وإن كان دورهم ناداً ما يؤخذ بعين الاعتبار في حساب الاسهامات والموارد في المجتمع على ان ازدياد النظرة المادية إلى كل جوانب الحياة في المجتمعات الانسانية تقريباً وترافق هذه النظرة مع ما أخذ يظهر بوضوح من تزايد اعداد المسنين في المجتمع البشري كله أخذ يقرع جرس الإنذار بأن التقدم في السن بات مشكلة توشك أن تأخذ أبعاداً متفاقمة.
غير أن إثارة القلق إزاء مشكلة المسنين أمر ليس له ما يبرره وهو قبل ذلك موقف غريب على ثقافة هذا الاقليم فالمسنون هم آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا ولهؤلاء جميعا حقوق علينا لا ينكرها إلا جاحد عاق لوالديه ولقد جعل الله تعالى بر الوالدين ورعايتهما في الكبر من خير الأعمال التي ينال بها المرء مرضاة ربه وجعل إحسان معاملتهما والتلطف في رعايتهما سبيلاً إلى سعة الرزق وطول العمر والفوز بالجنة.
ونحن في إقليم شرق المتوسط نعتز بأن بر الآباء والأجداد ورعاية الكبار وتوقيرهم ومساعدتهم من القيم الأصيلة التي نحرص عليها ونتمسك بها، فهي في جوهر تعاليم الإسلام والمسيحية وهما الدينان العظيمان اللذان تدين بهما الغالبية العظمى من أبناء هذا الاقليم ولذلك فإن غالبية المسنين في بلادنا تظل تنعم بالرعاية المنزلية وسط الأسرة ولايزال الناشئة في بلادنا يرتعون في رعاية أجدادتهم وجداتهم ويتعلمون من آبائهم وأمهاتهم كيف يكون الحدب على رعاية الأجداد والكبار على وجه العموم.
صحيح أن الزيادات الكبيرة في أعداد المسنين التي جاءت نتيجة طبيعية طيبة لما تحقق من إنجازات في مكافحة الأمراض وتعزيز الصحة توحي بأن عبء رعاية المسنين سوف يصبح أثقل من أن تستطيع الشريحة العاملة القيام به وحدها ولكن الاستجابة لذلك تكمن في أن تنظر المجتمعات نظرة جديدة إلى أوضاع المسنين، وتحسن مساعدتهم ورعايتهم وتستفيد من إسهاماتهم الاجتماعية والاقتصادية.
فالكثيرون من المسنين ولاسيما الذين يعملون في القطاع الخاص يواصلون العمل حتى سن متقدمة والكثيرون منهم يتولون رعاية الأطفال في الأسرة فيمكنون الأمهات من مواصلة عملهن خارج المنزل بل إن ما يقدمه المسنون لأسرهم شيء كثير حقاً.
أما في الأجهزة الحكومية والوظائف الرسمية فالنظرة إلى المسنين أبعد عن الواقع ومتطلباته ففي معظم البلدان لاتزال سن التقاعد القانونية ستين سنة وإذا كانت هذه السن معقولة نسبياً في منتصف القرن الحالي فإنها أبعد ما تكون عن الحكمة اليوم بعد ان ارتفع متوسط العمر المأمول إلى 66 سنة على الصعيد العالمي، وزاد على السبعين في البلدان المتقدمة بل وفي كثير من البلدان النامية وتغفل المجتمعات والحكومات عن حقيقة بينة، وهي إنها إذا تحيل الناس إلى التقاعد في سن مبكرة فإنها ترهق الميزانيات المخصصة للرواتب التقاعدية وتضع أعداداً كبيرة من القادرين على العمل والذين تمرسوا به واكتسبوا خبرات ودراية واسعة خارج اطار العمل المنتج المفيد، أما المكاسب التي تجنيها من هذا فهي أقل بكثير من السلبيات المترتبة عليه.
نحن إذن في حاجة إلى مراجعة شاملة للمفاهيم السائدة عن المسنين وصحتهم ودورهم في الأسرة والمجتمع والمأمول من هذه المراجعة أن تفلح في تبديد الأوهام العالقة في الأذهان عن المسنين وأن تضع اطاراً وقواعد تمكن المجتمع من الاستفادة من المسنين على الوجه الأكمل، وتمكن المسنين من التمتع بحياة منتجة معطاء تشعرهم بأهميتهم ومكانتهم في المجتمع ولابد كذلك من مراجعة أنظمة التقاعد بحيث تتصف بالمرونة التي تمكن القادرين من مواصلة العمل في الوقت الذي تكفل التقاعد لمن هم بحاجة إليه وكما لابد من تعميق مفهوم الرعاية المنزلية والأسرية لمن يحتاجون الرعاية من المسنين أما المسنون الذين هم بحاجة إلى رعاية خاصة في المستشفيات والمؤسسات المتخصصة فلابد من توفير هذه الرعاية لهم سواء كانت رعاية صحية أو اجتماعية أو اقتصادية.
ولعل من الأفكار المبتكرة التي تنبع عن ثقافة هذا الاقليم وتنسجم مع قيمه ومثله أن تقوم بعض العائلات بتبني بعض المسنين الذين أصبحوا بلا أقرباء وبذلك يعيش هؤلاء المسنون في جو عائلي يوفر لهم الاستقرار النفسي والعاطفي الذي هم في أمس الحاجة إليه، في حين يكون لهم في هذه العائلات المتبنية نفس الدور الذي يضطلع به المسنون في عائلاتهم الأصلية من إضفاء الحكمة والخبرة على البيت ومن رعاية الأجيال الصاعدة التي تحتاج إلى حكمتهم وقيمهم ومثلهم.
والمهم في ذلك كله أن يبقى المسن مستشعراً بأهميتهم للمجتمع ودوره الأصيل فيه وبأنه عضو نافع من أعضائه فبهذا الشعور وما يستتبعه من مواصلة المسن لنشاطه نحفظ على المسنين صحتهم الجسمية والنفسية على أفضل وجه وقد جاء شعار يوم الصحة العالمي هذا العام يؤكد هذا المعنى إذ ينص على أن :مواصلة المسنين لنشاطهم ضمان لصحتهم .
وأعود فأؤكد في الختام أن رعاية المسنين هي أداء لدين مستحق فالمسنون هم آباؤنا وأمهاتنا الذين قدموا إلينا الكثير من الرعاية والعطف ونحن صغار وأحاطونا بمزيد من الحب والنصح ونحن ندرج في مراحل الحياة ومن أول مقتضيات البر والوفاء أن نوفر لهم كل رعاية ممكنة في شيخوختهم وضعفهم ولاننس في هذا الاطار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما أكرم شاب شيخاً له إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د, حسين عبدالرزاق الجزائري
المدير الإقليمي للشرق الأوسط بمنظمة الصحة العالمية