Saturday 10th April, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,السبت 24 ذو الحجة


يارا
العطر المشتق من جثث الفتيات
عبدلله بن بخيت

في ايامه الاولى تحرك انفه الحاد الصاخب قبل ان تفيق عيناه على العالم ليتحسس الروائح المنتنة المنبعثة من ملابس القس تيرير ومن جسده ومن يده المفعمة برائحة الملفوف الذي اكله قبل الظهر ولم يطق القس هذا التدخل الطفولي الكريه في شؤونه الخاصة فالتقط الطفل قبل ان يتفاقم غضبه واخذه الى ابعد نقطة عنه متخطيا به نهر السين الى حي سان انطوان وراء الباستيل حيث تنغلق البوابات ليلا واودعه عند المرضعة الاجيرة مدام غيار التي فقدت الاحساس بالدنيا والعالم وغابت روحها بعد ان صممت على العيش بعدالة وبحياد لا اصل عاطفي له لتربية الاطفال اللقطاء واولاد الحرام والايتام لكي تحقق من دخلها من هذه المهنة هدفها الاسمى في الحياة وهو ان تموت ميتتها الخاصة.
اما بالنسبة لطفل تجمعت حياته في قدرته المذهلة على الشم حيث سيصبح عبقريا قذرا في مستقبل الايام فان ملجأ مدام غيار هو نعمة فالطفل الذي ولد في وسط القمامة وقطع رأس امه بسببه لن يسمح للموت ان يداهمه بسهولة فاختياره للحياة نابع من احساسه بالتحدي والكراهية فحسب.
عندما بلغ غروني السادسة كان قد امتلك مخزونا هائلا من الروائح في دماغه فاصبح قادرا على تمييز وتحديد كل رائحة لكل انسان ولكل شجرة ولكل سياج كل على حدة حتى تشكلت في ذاكرته مئات الالاف من الروائح التي لا يمكن ان يميزها بشر سواه.
وقد امتلك قدرة خيالية على تركيب الروائح ومزجها ليستخرج منها روائح لم توجد في الطبيعة على الاطلاق فهو يؤلف الرائحة المنسجمة من مجموع الروائح في دماغه كما يؤلف الموسيقار الموسيقى من مجموعة الاصوات.
وبعد بلوغه الثامنة من عمره توقف دير سانت جرمان عن دفع اجر ارضاعه ولم تطالب مدام غيار باعادة دفع المصاريف لانها كما يبدو كرهت الطفل وانما انتظرت مرور اسبوع ثم باعت الطفل على مصنع جلود يعمل في ظروف صحية غاية في الخطورة لا يمكث الاطفال في المصنع سوى اشهر قليلة ليسلموا الروح بسبب المواد السامة المنبعثة من المواد الكيماوية المستخدمة في دبغ الجلود ولكن الرحمة والعطف لم يكونا ضمن حساباتها عند تسليم الطفل فقد تأكدت فقط من اخذ وصل استلام والمكافأة المتفق عليها الا ان الطفل قاوم كل هذه الظروف حيث ترعرع بين السموم وعفن الجلود المتفسخة والنوم دون غطاء في شتاء باريس كما نجا من مرض الجمرة الخبيثة القاتل فتميز عن الاطفال الاخرين فحسنت ظروف عمله فلم يعد حيوانا فقط بل اصبح حيوانا اليفا مفيدا.
بعد ان ترقى من حيوان الى حيوان اليف مفيد سمح له بجولات حرة في شوارع باريس وفي احدى جولاته التقط انفه رائحة لم تكن مألوفة من بين مئات الالاف من الروائح المخزونة والمرتبة في ذاكرته فاهتز لها وجدانه فاسرج انفه وسار خلفه ليقوده الى مصدر هذه الرائحة الغريبة الرائعة, وبعد ان طاف بالشوارع شاهد فتاة في الثالثة عشرة من عمرها جمدته في مكانه اذ لم يشاهد مثل هذا الجمال في حياته رغم انه لم يشاهد سوى ظلها من الخلف ان ما شغف قلبه في الحقيقة هو رائحتها التي لم يسبق ان شم مثلها من قبل ورغم انه يعرف كل روائح البشر لم يصدق ابدا ان الجسد البشري يمكن ان يطلق رائحة بمثل هذه الروعة والابهار تداخلت مجموعة الروائح المنبعثة من اجزاء جسد الفتاة انتج عطرا في خياله اصبح هو المبدأ الأعلى الذي يجب ان تمتثل له كل العطور, فاكتشف غرنوي ان حياته ستصبح بلا اي معنى اذا لم يمتلك وحده هذا العطر فتسلل في غفلة من الفتاة ووقف منحنيا فوقها ممتصا بانفه كل شذى يمكن ان يصدر عنها, وفي اللحظة التي تنبهت الفتاة وبدأ الذعر يصيبها كانت قبضتاه قد اطبقتا على عنقها من الخلف فلم يكن ثمة ما يقلقه سوى فقدان ذرة واحدة من شذاها.
وعندما ماتت وضع جسدها على الارض وترك لانفه حرية التجول في الانحاء شافطا آخر ما تبقى من شذاها.
((( وكسائر العباقرة الحقيرين جميعا الذين يؤدي حادث خارجي الى مد سكة مستقيمة في فوضى ارواحهم اللولبية لم يبتعد غرنوي قيد انملة عن الاتجاه الذي اعتقد انه سيوصله الى مصيره، الان فقط ادرك سبب مقاومته وتكالبه على الحياة يجب ان يصبح مبدعا للروائح الطيبة لا مجرد مبدع كالاخرين بل اعظم عطار على مر العصور)).
من اين لغرنوي ان يحصل على مواده العطرية التي سيركب منها اعظم عطر شمته الانسانية؟ هذا ما ستقرأه بعد غد في يارا.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
ملحق حائل
ملحق الدمام
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved