Friday 16th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 1 محرم


مفهوم العبادة في الإسلام وآثاره على المسلم

* إذا ذكرت كلمة العبادة فإنه قد يتبادر الى ذهن بعض المسلمين ان العبادة محصورة في الشعائر التعبدية كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وتلاوة القرآن، والذكر,, أما المعاملات المختلفة، والاخلاق، والآداب، والعادات، فليس لها علاقة بالعبادة!,, لا شك ان هذا المفهوم من المفاهيم المغلوطة التي يجب تصحيحها، ولكي نصحح هذا المفهوم نقول:
* ان العبادة التي خلقنا الله من أجلها لا تقتصر على ركعات يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، او صيام ايام معدودات من كل عام، او اخراج الزكاة الواجبة التي هي جزء يسير من المال، او حج البيت الحرام لمن استطاع اليه سبيلا، ان هذه الشعائر التعبدية (على عظم منزلتها في الإسلام) انما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي امرنا الله بها، وهذه الشعائر التعبدية لا تستغرق من حياة المسلم الا جزءا يسيرا، فهل يصح ان يمضي اغلب وقت المسلم دون عبادة الله عز وجل؟ والمسلم يعلم انه لم يخلق الا لعبادة الله، والمسلم يقرأ في كتاب ربه المجيد الذي يأمره بأن يسخر حياته، وأوقاته كلها في عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) سورة الانعام (162 - 163).
* وقد سئل شيخ الإسلام احمد بن عبدالحليم بن تيمية - رحمه الله - عن قول الله - عز وجل -: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) سورة البقرة (21)، فما العبادة؟ وما فروعها، وهل مجموع الدين داخل فيها ام لا؟ فأجاب - رحمه الله - إجابة شافية وافية في مؤلفه المشهور (العبودية) (صفحة رقم 38) فقال: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله، ويرضاه من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وبر الوالدين، وصلة الارحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الأميين، والبهائم، والدعاء، والذكر والتلاوة، وامثال ذلك من العبادة لله.
من هذا الجواب الشافي يتضح لنا ان للعبادة مفهوما واسعا، فهي تشمل كل جوانب الحياة من عبادات، ومعاملات، وأخلاق وآداب، اما العبادات: فهي إما فرائض كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ومحبة الله ورسوله، وإخلاص الدين لله، وإما عبادات تطوعية كالذكر والتلاوة,, وأما المعاملات: فكالوفاء بحقوق العباد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتيم والمسكين وابن السبيل,, بل وحتى الرفق بالحيوان، وأما الاخلاق فكصدق الحديث، وأداء الامانة، والوفاء بالعهد.
* ان مقتضى العبادة الحقيقية القائمة على الحب التام، والخضوع التام لله رب العالمين: ان يخضع العبد لكل ما يحبه الله، ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وان يقدم محاب الله على محاب نفسه وهواه، وان يخضع وينقاد لشرعة الله، فإذا امره الله، او نهاه، او احل له، او حرم عليه، كان موقفه في ذلك ما أمره الله به من ان يقول: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) سورة البقرة (285).
* ولا شك ان من ادى الشعائر التعبدية من صلاة وصيام، وزكاة، وحج، ولكنه لم يخضع لشرع ربه، وقال: أنا حر: اشرب الخمر، وأوالي الكفار، وأزني، وأتحاكم الى القوانين الوضعية، لا شك انه يعتبر مخالفا لمقتضى العبادة الحقيقية التي أمرنا الله بها، ومثله من أدى الشعائر التعبدية، ولم يخضع لاحكام المعاملات الاسلامية كالذي يعق والديه، ويسيء إلى جيرانه، ويتعامل بالربا ويغش الناس، ويأكل أموالهم بالباطل، ومثله أيضا من أدى الشعائر التعبدية، ولم يخضع لآداب واخلاق الاسلام كالذي يخون الأمانة، ويكذب، ويتشبه بالكفار، وكالمرأة التي تتبرج، ولا تلتزم بالحجاب.
إنه ليس بعابد لله من ظن ان عبوديته لله لا تتعدى جدران المسجد، فإذا انطلق الى ميادين الحياة المتشعبة، فهو يعبد شهوته وهواه، يفعل ما يشاء، وينتهك حرمات الله، ويقال لمن هذا حاله: اين انت من قول الله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) سورة العنكبوت (45).
* ان مفهوم العبادة في الإسلام واسع وشامل لكل جوانب الحياة من شعائر تعبدية ومعاملات وانظمة بناء الدولة، وآداب واخلاق، بل وحتى الحاجات الضرورية التي يؤديها المسلم استجابة لدافع الغريزة البشرية كالاكل، والشرب، ومباشرة الزوج لزوجته (بشرط توفر النية الصالحة).
* والسؤال الهام هنا كيف يستطيع المسلم ان يجعل حياته كلها عبادة لله تعالى فلا تنقضي لحظة من لحظات حياته إلا وهو في عبادة يؤجر عليها؟
ان المسلم يستطيع ان يجعل حياته كلها عبادة لله تعالى، إذ ان الاسلام اسبغ على جميع أعمال الانسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الاعمال وجه الله تعالى، ولقد جاءت النصوص الشرعية موضحة هذا الأمر، ومن هذه النصوص:
1- ما أوضحه النبي - صلى الله عليه وسلم - في مفهوم الصدقة، وانها ليست مقتصرة على بذل المال للمستحقين، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (تبسمك في وجه اخيك صدقة، وامرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وارشادك الرجل في ارض الضلال لك صدقة، واماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة) رواه البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، او ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها الى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه.
2- وقال - عليه الصلاة والسلام - في فضل زيارة المريض وما لها من مكانة عند الله لما فيها من تخفيف ومواساة للمريض: (ما من مسلم يعود مسلما غدوة، الا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية الا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) رواه الترمذي، وقال حديث حسن، والخريف هو: الثمر المجتنى.
3- وقال - عليه الصلاة والسلام - في فضل الإصلاح بين المتخاصمين: (ألا اخبركم بأفضل من درجة، الصيام، والصلاة، والصدقة، قالوا : بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة) رواه أبوداود والترمذي وابن حبان في صحيحه.
4- ويقول - صلى الله عليه وسلم - في فضل التاجر الذي يتعامل مع الناس بصدق وامانة: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي، وحسنه.
5- وجاء في فضل بر الوالدين ان عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: (سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - اي العمل أحب الى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم اي؟ قال: بر الوالدين، قلت ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله), متفق عليه.
وقال - صلى الله عليه وسلم - في فضل صلة الرحم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.
6- وقال - صلى الله عليه وسلم - في فضل كفالة اليتيم والقيام بأموره: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) واشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما, رواه البخاري.
وجاء في فضل السعي على الارملة والمسكين ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الساعي على الارملة، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ) قال راوي الحديث ابوهريرة رضي الله عنه: أحسبه قال: (وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر) متفق عليه.
7- وجاء في فضل الحاكم العادل ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر اولهم (إمام عادل) متفق عليه.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - :(أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال) رواه مسلم.
8- وجاء في فضل الإحسان الى الجار، وإكرام الضيف قوله - صلى الله عليه وسلم-: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن الى جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليسكت) رواه مسلم.
9- وجاء في فضل ووجوب أداء الامانة قوله تعالى: (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى اهلها) سورة النساء (58) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، ويقول عليه افضل الصلاة والسلام: (ان الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا ان يتقنه) رواه البيهقي بسند حسن,
10- وجاء في فضل مساعدة الضعفة والمساكين، وقضاء حوائج الناس قوله - صلى الله عليه وسلم -: (احب الناس الى الله أنفعهم، واحب الأعمال الى الله سرور تدخله على مسلم او تكشف عنه كربة، او تقضي عنه دينا، او تطرد عنه جوعا، ولأن امشي مع اخي المسلم، في حاجته احب اليّ من ان اعتكف شهرا,, الحديث) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
* ومما يدل على عظمة الاسلام، وشمول العبادة لكل جوانب الحياة ان جعل الحاجات الغريزية للإنسان من المباحات داخلة ضمن مفهوم العبادة الواسع، إذا صحبتها نية التقرب الى الله تعالى، كالأكل، والشرب، والنوم إذا قصد بها التقوي على طاعة الله، والنكاح إذا قصد به اقامة السنة، او الاعفاف، او تحصيل الولد الصالح، وتكثير الامة، كل ذلك يكون عبادة يثاب عليها فاعلها، واوضح شاهد على ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لاصحابه: (وفي بضع احدكم صدقة) قالوا: أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟) قالوا: نعم، قال: (كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.
* ومن عظمة الإسلام ان وسع دائرة العبادة لتشمل الإحسان والرفق بالحيوان والطيور، فكل إحسان يقدمه المسلم لحيوان او طير يعتبر عبادة تقربه الى الله، ويثاب عليها، وقد جاءت النصوص الشرعية التي تحث على ذلك ومنها:
1- ان الرسول صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فشرب، ثم خرج فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له) قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البائهم اجرا؟ فقال: (في كل كبد رطبة أجر) متفق عليه، وفي رواية للبخاري: (فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة).
2- قوله - صلى الله عليه وسلم - (ما من مسلم يغرس غرسا او زرعا، فيأكل منه طير، أو انسان، او بهيمة الا كان له به صدقة) متفق عليه.
* ولهذا المفهوم الصحيح للعبادة آثار مباركة يلمسها المسلم في نفسه، وفي الحياة من حوله، ومن هذه الآثار:
اولا: اذا وعى المسلم حقيقة العبادة في الإسلام، وشموليتها لكل جوانب الحياة، فإن حياته واعماله تصطبغ بالصبغة الربانية، لأن كل عمل مشروع يقوم به يربطه بربه وخالقه، فهو ينوي به التقرب الى الله تعالى، ولا شك ان هذه النية الصالحة تدفع المسلم الى الاستزادة من الاعمال الصالحة التي حث عليها الشرع (سواء في العبادات، او المعاملات، او الاخلاق)، كما تدفعه الى اتقان عمله الدنيوي، والى حسن التعامل مع الآخرين.
ثانيا: سلامة شخصية المسلم من الازدواجية والتخبط، لأن العبادة الحقيقية التي يريدها الله بمفهومها الواسع تمنح المسلم وحدة الغاية في حياته كلها، فربه واحد، ودينه واحد، وغايته واحدة، وهي رضا الله - سبحانه وتعالى - قد اخلص في عمله لله تعالى، وعلق قلبه بالله، لا يريد الا رضاه، لذلك نجد ان هذا المسلم صاحب الشخصية السليمة والسوية، ليس ممن يعبد الله في المسجد فقط، فإذا خرج الى ميادين الحياة المختلفة عبد شهوته وهواه، وانتهك حرمات الله، كلا إنه يعبد الله وحده لا شريك له في المسجد، وفي غير المسجد، قد سخر حياته كلها في عبادة الله، ودليله في ذلك وحي الله، وغايته رضوان الله تعالى، ممتثلا أمر ربه عز وجل: (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا أول المسلمين) (سورة الانعام الآيتان 162 - 163).
ثالثا : تحرير نفوس المؤمنين من عبودية غير الله عز وجل ، ونيل الحرية الحقيقية بصرف العبادة كلها لله وحده لا شريك له، وبالتالي تحرير العقول من ظلمات الجهل والأوهام الزائفة، وايضا تحرير القلب من التعلق بغير الله عز وجل، ولا شك ان هذه الحرية الحقيقية هي الطريق الى تحقيق التوحيد الخالص لله عز وجل، والقائم على الحب التام والخضوع التام لله رب العالمين.
رابعا: تحصيل السعادة والحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، قال تعالى (من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) سورة النحل (97) وهذا بخلاف من أعرض عن توحيد الله وعبادته، فإن الله قد توعده بالمعيشة الضنك، وحياة الشقاء، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) سورة طه (124).
نسأل الله - عز وجل - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ان يفقهنا في الدين، وان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه، وان يثبتنا على طاعته حتى نلقى وجهه الكريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين ومن اهتدى بهديه الى يوم الدين.
* عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - الإدارة العامة للدعوة في الخارج
الشيخ/ وليد بن عيسى السعدون (*)

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved