Friday 16th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 1 محرم


اليوم نودع عاماً,, وغداً بمشيئة الله نستقبل عاماً جديداً:
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا

تحقيق: يوسف بن ناصر البواردي
اليوم هو آخر ايام العام الهجري 1419ه وها هو يلملم اوراقه ويطوي صفحاته بخيرها وشرها مودعا اهله الى غير رجعة.
فالسعيد من استغل اوقاته فيما ينفعه ولا يضره واستغل ايامه واسابيعه وشهوره في العمل الصالح والطاعات والمحروم من حرم خير تلك الايام.
وغدا - بمشيئة الله - يبدأ عام هجري جديد قد حمل في جعبته الكثير الكثير من المفاجآت التي لا يعلمها الا الله، نسأل الله ان تكون ايامه كلها خير وبركة.
ومن حكمة الله سبحانه وتعالى ان بدأ العام الهجري بشهر حرام وختم بشهر حرام فكانت مفتاحا للسنة وختاما لها.
والمؤمن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت واستغل هذه الاوقات في الطاعات وعمل الخير والتزود بالعمل النافع والبعد عن المعاصي.
والرسالة وهي تستقبل مع الجميع هذا العام الجديد رجاؤها ان نبادر جميعا بالاعمال الصالحة ونحن نودع عاما ونستقبل عاما جديدا ونحاسب انفسنا في هذا اليوم ماذا قدمنا وماذا قصرنا حتى نبدأ عاما جديدا والنفوس ملؤها التفاؤل والصفاء للاقبال على استغلال القادم في استحباب الخير والبعد عن المنكرات.
خير الأيام والأسابيع والشهور
في البداية يقول رئيس هيئة الشعف بعسير الشيخ عبدالرحمن التركي بان من نظر في هذه الايام والشهور والاسابيع وجد ان افضل كل شيء ثلثه الاخير فافضل الليل جوفه الآخر وافضل الاسبوع الخميس والجمعة وافضل السنة ثلثها الاخير رمضان وثلاثة اشهر، مستدلا بذلك بقول الحسن - رحمه الله - ان الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام فكانت مفتاحا للسنة وختاما لها .
فمن صام عشر ذي الحجة وصام من المحرم شيئا كعاشوراء فقد ختم سنته بطاعة وافتتحها بطاعة ويرجى ان تكتب له سنته كلها طاعة فان من كان اول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
بعد ذلك يجمل الشيخ التركي عددا من الامور التي يجب على المسلم افتتاح عامه الجديد بها والتي منها:
اولا: ان يفتتح عامة بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الايام الماضية فلعله اذا استقبل عامه الجديد بتوبة صادقة ان يفتح الله له السعادة فان الشر والمصائب التي تصيب العبد انما هي من الذنوب وموجباتها (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) ولقد عشنا طويلا وعصينا الله كثيرا فاين لذة المعصية لقد ذهبت وبقيت الصحائف سوداء وسنسأل عنها يوم القيامة وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء الا الله وحده فهل نظرنا جميعا الى اعمالنا الى اين ستؤدي بنا، ان الواحد منا لا يتحمل نار الدنيا فما بالنا بنار الاخرة فلنبادر بالتوبة النصوح قبل فوات الأوان، يروى ان الحافظ ابو موسى رحمه الله لما رؤي في المنام قالوا: ما فعل الله بك، قال: غفر الله لي بسيد الاستغفار فأكثروا من الاستغفار ان بعض الناس اذا قيل له استغفر الله انكر عليك وكأنه يقول مما استغفر، سبحان الله! ان اكرم الخلق واعلمهم بالله يقول انه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم سبعين مرة فكيف بنا نحن.
ثانيا: ان المؤمن لا يزيد عمره الا خيرا فمن سعادته ان يطول عمره ويرزق الانابة والاجتهاد في العلم الصالح فنحمد الله انا لا زلنا من اهل الدنيا لا لنأكل طعاما ولا لنشرب شرابا انما لنزداد من العمل الصالح فنسأل الله سعادة هذه السنة.
فهذا الفاروق عمر يقول لو ان لي طلاع الارض ذهبا وفضة لافتديت بها من هول ما امامي قبل ان اعلم ما الخبر انك تبشر بجنة او نار ولما طعن رضي الله عنه قال لابنه: ضع خدي الى التراب فوضعه فبكى حتى لصق الطين بعينيه وجعل يقول ويلي وويل امي ان لم يرحمني ربي .
ثالثا: لقد مر بك عام كامل وها أنت تودعه وانت في امن وايمان وصحة وعافية وفتح لك فيه اعمال صالحة كثيرة افلا نشكر المعطي الواهب ونسأله المزيد، نحمد الله العظيم على نعمه الظاهرة والباطنة على كل نعمة وكرامة جرت علينا فيما مضى او هي جارية فيما بقي، يقول احد الحكماء لابنه يابني اذا مر بك يوم وليلة وانت سالم لك فيهما دينك وجسمك ومالك فاكثر من شكر الله فكم في ذلك اليوم من مسلوب دينه ومن مهتوك ستره ومن متروع من ملكه ومن مقصوم ظهره وانت في عافية ونحن لا نقول يوم وليلة لقد مرت علينا سنة بل عمر ونحن نتقلب في هذه النعم، اما الدين فلا مصيبة اعظم من سلبه وكما قيل:
إذا الايمان ذهب فلا أمان
ولا حياة لمن لم يقم دينا
واما العافية فلا يعرف العبد قدرها الا اذا فقدها واما الستر فهو اغلى شيء يملكه العبد يقول احد العلماء كتبت وخطبت ستين سنة وكانت لي آمال كثيرة واما اليوم فلا اريد الا الستر وحسن الختام.
اغتنم فراغك
ويعاتب الشيخ محمد الشقيران رئيس هيئة محافظة الدوادمي تلك النفس التي لا تعرف الله الا حين تأتي آياته كما قال تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً) مستدلا بذلك ايضا كما جاء في الصحيحين عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت ورآها الناس، آمنوا اجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا رواه البخاري ومسلم وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: ثلاث اذا خرجن لم ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل، او كسبت في ايمانها خيرا، طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الارض .
ويخلص الشيخ الشقيران الى ان الواجب على المسلم المبادرة بالاعمال الصالحة قبل ان لا يقدر عليها ويحال بينه وبينها، اما بمرض او موت، او بان يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل، قال ابو حازم: ان بضاعة الآخرة كاسدة ويشاك ان تنفق، فلا يوصل منها الى قليل او كثير، ومتى حيل بين الانسان والعمل لم يبق له الا الحسرة والاسف عليها يتمنى الرجوع الى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الامنية، مستدلا بذلك بقول الشاعر
اغتنم في الفراغ فضل ركوع
فعسى ان يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غير سقم
ذهبت نفسه الصحيحة فلته
للوقت خصائص ومزايا
من جهته يرى الشيخ خالد الدمجان امام وخطيب جامع وزير العدل ان للوقت خصائص ومزايا ليست لغيره ينبغي استغلاله بالنافع والمفيد، حيث يجملها فيما يلي:
اولا: سرعة انقضائه فهو يمر مر السحاب ويجري جري الريح، ومهما طال عمر الانسان في هذه الحياة فهو قصير ما دام الموت نهايته، وعند الموت تنكمش الاعوام والسنون التي عاشها الانسان في هذه الدنيا، حتى كانها لحظات مرت كالبرق الخاطف، فتضاؤل الاعمار عند الموت حقيقة مقررة بنص القرآن قال تعالى: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) وقال تعالى: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها),, لذا فقد روي عن نوح عليه السلام انه سئل وهو اطول الانبياء عمرا بعد آدم عليه السلام وقد لبث في قومه الف سنة الا خمسين عاما، كيف وجدت الدنيا قال وجدت الدنيا كدار لها بابان دخلت من احدهما وخرجت من الآخر.
ثانيا: ومن خصائص الوقت ايضا ان ما مضى منه لا يعود ولا يعوض مطلقا فكل يوم يمضي وكل ساعة تنقضي وكل لحظة تمر ليس في الامكان استرجاعها وبالتالي لا يمكن تعويضها ولو اجتمع لذلك ملوك الدنيا ووزراؤها على ان يعيدوا ساعة واحدة من ساعات صباح هذا اليوم لما استطاعوا الى ذلك سبيلا وهذا ما عبر عنه الحسن البصري رحمه الله تعالى بقوله البليغ ما طلع فجر يوم الا وينادى يا بن آدم أنا يوم,, ولهذا نرى كبار السن بعد بلوغ المشيب يتمنون عودة الشباب مرة اخرى، ولكنه تمنٍ لا يفيد في قليل ولا في كثير يقول قائلهم
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
ويقول الآخر
وما المرء إلا راكب ظهر عمره
على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحي كل يوم وليلة
بعيدا عن الدنيا قريبا الى القبر
ثالثا: ومن خصائص الوقت ايضا انه انفس واثمن ما يملك الانسان فالوقت ليس من ذهب كما يقال في المثل الشائع بل هو اغلى وانفس من الذهب واللؤلؤ والألماس، لان ذهاب المجوهرات والخسارة فيها قد تعوض بين عشية وضحاها اما ذهاب الوقت فمن المستحيل اعادته او تعويضه (بل هو الحياة) يقول الحسن البصري رحمه الله يا بن ادم انما انت ايام,,, ويقول عبدالله بن مسعود ما ندمت على شيء قط كندمي على يوم غربت شمسه فقضي فيه اجلي ولم يزد فيه عملي وكما يقول احد السلف كل يوم يمر بي لا ازود فيه علما يقربني من الله فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وكان رضي الله عنه اذا جن عليه الليل يضرب قدميه بالدرة ويقول لنفسه ماذا عملت في هذا اليوم .
وقت السلف الصالح
وحول تعامل السلف الصالح مع الوقت يقول الشيخ الدمجان: كان السلف الصالح رضوان الله علهيم احرص ما يكونون على اوقاتهم، لانهم كانوا اعرف الناس بقيمتها فهم يحرصون كل الحرص على الا يمتد يوم او يمضي يوم ولا حتى برهة من الزمن وان قصرت دون ان يتزودوا منها بعلم نافع او عمل صالح حتى لا تنقضي الاعمار سدى، وتضيع هباء، وتذهب جفاء، لانهم ادركوا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وعملوا بها وهي قوله عليه الصلاة والسلام اغتنم خمسا قبل خمس، حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك مستدلا في هذا الصدد بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع خصال، عن عمره فيما افناه وعن شبابه فيما ابلاه، وعن ماله من اين اكتسبه وفيما انفقه وعن علمه ماذا عمل به رواه البزار والطبراني باسناد صحيح فيسأل الانسان عن عمره عامة وعن شبابه خاصة لان الشباب له قيمة متميزة باعتباره سن الحيوية الدافقة والعزيمة الماضية ومرحلة القوة بين ضعفين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، كما قال تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة).
ويحذر الشيخ الدمجان من جهل قيمة الوقت مؤكدا انه سيأتي على الانسان يوم يتقطع قلبه حسرة وندامة ولكن بعد فوات الاوان، وفي هذا الواقع يقول الحق عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) فكان الرد على هذه الامنية الفارغة قاطعا ومانعا وهو قوله تعالى: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها).
نداء
وحول محاسبة الانسان نفسه مع نهاية هذا العام وجه الشيخ عبدالله الوكيل رئيس مركز هيئة جلاجل هذه النصيحة التذكيرية لمن اسرف على نفسه بالمعاصي حيث ابان ان المؤمن الحق هو الذي يتذكر اذا ذكر، وينتبه اذا نبه، اما ذلك المسكين الذي جمع بين الاسراف والغفلة اسراف في الذنوب وغفلة عن الذكرى فهو الخاسر في الدنيا والاخرى.
واضاف قائلا: يا من اسرفت على نفسك بالمعاصي ولم تنفعك الذكرى، امامك يوم عظيم ستحاسب فيه عن الصغيرة والكبيرة ولتعلم انك مهما اخفيت نفسك عن اعين الناس فان عين الله لا تنام (يعلم السر وأخفى)، (لا تأخذه سنة ولا نوم) فسبحان الله ما أجرأك على ارتكاب المعاصي في ظلمات الليل وانت تعلم ذلك!! سبحان الله ما اشد غفلتك!! وسبحان الله ما اسرع نسيانك لوعيد الله!! يا أخي لا تك ممن قال الله عنهم (إنهم كانوا لا يرجون حساباً) لتعلم يا من تعصي الله في السر او في العلن ان السبب الرئيس الذي استحق عليه العذاب اهل النار هو انهم كانوا لا يرجون حسابا فلو كنت تخاف من الحساب لما تماديت في العصيان، ولتوقفت عن ارتكابها، ولتعلم ايضا ان الاعمال بدايتها خواطر تهجس في النفوس ثم تشتد حتى تصبح عزيمة وعمل فتبصر في نفسك حق التبصر (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) لا عذر لك والله في القاء اخطائك على غيرك بل الحجة قائمة عليك.
وفي ختام حديث الشيخ الوكيل حذر من التمادي في العصيان قائلا: الى متى وانت تعصي ربك ايها العاصي!! الى متى هذه الغفلة!! انتظر الموت يوم لا ينفعك حينئذ احد! اتضمن لنفسك التوبة قبل الموت! لا اظنك تجيب بنعم اذن فلم التقصير ولم هذا التفريط، تب الى الله وخف ذنوبك صغيرها وكبيرها.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved