بعد الدراسة والتحقيق والتخريج,, د, عبدالعزيز العُُمري يؤكد كتاب المغازي لابن أبي شيبة واحداً من أهم مصادر السيرة النبوية الكتاب يضم 576 رواية وردت بأسانيد مختلفة وتم تحقيقها بدقة ابن أبي شيبة أحد شيوخ البخاري ومسلم وابن حنبل ويعد من الثقات في الرواية |
كتب مندوب الجزيرة
اهتمت الأمة الإسلامية بسنة رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وسيرته ومغازيه، وهي جزء من سنته الطاهرة، ولا يمكن لأي إنسان يريد أن يعرف تاريخ الإسلام وحوادثه المختلفة إلا ان يبدأ بسيرة قائده الأول، ومربيه ومعلمه نبينا محمد - - صلى الله عليه وسلم - -.
ومن المعروف أن الكتابة عن سيرته - - صلى الله عليه وسلم - - لم ولن تتوقف، فهناك العديد من الكتابات عن سيرته - - صلى الله عليه وسلم - - في القديم والحديث وهذه الكتابات تتفاوت في توثيق أحداث السيرة النبوية وتصحيح رواياتها سواء ما كان منها قديما او حديثا، ولذا فان الدراسات التوثيقية المعتمدة على ما صح من روايات معروفة الند مدروسة المتن، هي التي ينبغي ان يعتمد عليها في أخذ أحداث السيرة وبناء الدروس والنتائج عليها.
هكذا جاءت مقدمة الدكتور عبدالعزيز بن ابراهيم العُمري الاستاذ المشارك بكلية العلوم الاجتماعية بالرياض في تحقيق له مكون من 485 صفحة من الطباعة الفاخرة عن (كتاب المغازي) لابن ابي شيبة أبي بكر عبدالله بن محمد المتوفى سنة 235ه، حيث قام بإخراج الكتاب بعد تحقيقه من المخطوطات الأصلية مباشرة، ومقابلتها ب(كتاب المغازي) المطبوع داخل المصنف للمؤلف نفسه، وذلك انطلاقا من قناعته بأهمية هذا الكتاب، وانه يضيف شيئا جديدا للمهتمين بسيرة المصطفى - - صلى الله عليه وسلم -.
يقول د, عبدالعزيز العُمري في مقدمته عن ابن أبي شيبة بأنه احد شيوخ البخاري وشيوخ مسلم الرئيسين حيث روى عنه البخاري ما يزيد على ثلاثين رواية، كما روى مسلم عنه ما يزيد عن ألف وثلاثمائة رواية في مواضع مختلفة من صحيحه، كما أن ابن أبي شيبة رحمه الله ممن يصدق الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخشى الكذب عليه، بل ان مسلما رحمه الله استدل في مقدمته بما رواه عن ابن أبي شيبة بسنده من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين).
واستنادا الى ذلك وغيره يرى د, العُمري ان ابن أبي شيبة من الثقات ويروي عن الثقات إلا ما ندر، ويسند الرواية دائما، مما أكسب رواياته وكتاباته مكانة خاصة في السيرة النبوية وفي غيرها.
وأوضح د, العُمري ايضا أنه مما دعاه لتحقيق وإخراج (كتاب المغازي) عدة أسباب منها ان المطبوع من الكتاب داخل المصنف غير موثق، حيث لم تشر تلك النشرات رغم تعددها الى المخطوطات الأصلية التي رجع اليها ولا الى اماكنها ومعلومات نسخها.
ترجمة المؤلف
وقبل عرضه لمحتويات (كتاب المغازي) قدم المحقق ترجمة دقيقة للتعريف بالمؤلف فهو: أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة ابراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ولد سنة 159ه وينسب في الولاء الى عبس قبيلة من غطفان كما ينسب الى الكوفة نشأة وتعلما وتعليما.
وقد تحدث المحقق عن أسرة ابن ابي شيبة ونشأته تفصيلا ومكانته العلمية وشيوخه ومن ذلك انه روى عن: شريك والأحوص وعباد وهشيم وغيرهم، اما تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم فهم كثر وكان من أشهرهم: أحمد بن حنبل والبغوي والبخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه وغيرهم كثيرون.
وأشار المحقق د, عبدالعزيز العُمري الى انه من خلال استعراض شيوخ ابن ابي شيبة وتلاميذه تتضح لنا مكانته العلمية في علم الرواية.
كما تطرق المحقق الى ان ابن ابي شيبة ولد وعاش طيلة حياته في العصر العباسي الأول، وكانت العراق مقر اقامته، وكان ينتقل بين الكوفة وبغداد قاعدتي الدولة العباسية آنذاك.
وقد عاش ما يزيد على خمس وسبعين سنة عاصر خلالها ثمانية من خلفاء بني العباس هم:
المهدي حيث ولد ابن ابي شيبة وترعرع، ثم الهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، وآخرهم المتوكل على الله حيث كان ابن ابي شيبة في أيامه من اشهر علماء العراق وتوفي في عهده.
وأبدى المحقق ملاحظته بأن العصر الذي عاش فيه ابن ابي شيبة عموما كان عصرا متغيرا شهد خلفاء متعددين اشتهروا بالقوة، إلا ان سلوكهم العام كان يختلف من خليفة لآخر، حيث ان بعضهم أيد البدعة واشتد فيها على الناس، من امثال المأمون والمعتصم والواثق، كما ان آخرين ترك طريق من سبقه حيث عاد لنصرة اهل السنة وأهل الحديث وكان لذلك تأثير مباشر على ابن ابي شيبة.
وتحدثت اللمحة التاريخية ايضا عن الحياة العملية حيث شهد عصر الدولة العباسية كثرة علماء الشريعة ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل رحمهم الله
كما تعرض المحقق لمؤلفات ابن أبي شيبة وآثاره ومنها: كتاب المصنف وكتاب الإيمان، وكتب (التاريخ، والمسند في الحديث، والجمل، وصفين، والتفسير، والسنن في الفقه) وتناول المحقق ايضا المخطوطات القديمة والطبعات عن مؤلفات ابن أبي شيبة وخاصة المتعلقة بكتاب المنصف.
أهمية كتاب المغازي
ويرى المحقق ان (كتاب المغازي) لابن أبي شيبة من أهم مصادر السيرة النبوية التي دونت في فترة مبكرة، حيث ورد فيه 576 رواية تفاوتت في الطول والقصر، منها ما بلغ ست صفحات، ومنها ما لم يتم سطرا واحدا، وقد وردت جميعها باسانيد مختلفة منها ما كان مرفوعا الى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنها ما كان موقوفا على صحابي او تابعي او تابع تابعي.
كما أكد د, العُمري ان بعض روايات ابن أبي شيبة امتازت في كونها من شهود عيان، وتميزت بطولها وشمول اخبارها مثل رواية علي - رضي الله عنه - عن غزوة بدر، وهي رواية طويلة ومميزة ورقمها 146 ومثل حديث عائشة - رضي الله عنها - الطويل عن غزوة الخندق ذي الرقم 264, كما اختصر اختصارا شديدا في بعض الموضوعات مثل عرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه على القبائل، لم يورد سوى رواية واحدة مختصرة جدا، ولعل السبب عدم وصول روايات مباشرة اليه حيث انه لا يسجل إلا ما وصله من روايات مسندة.
ويرى د, العُمري ايضا ان كتاب ابن ابي شيبة في إجماله هو سوق للروايات التي نقلها وحفظها، كما انه ربط بين بعض الموضوعات، حيث ربط الحديث عن النجاشي والحديث عن مهاجري الحبشة وعن عودتهم، في موضوع واحد جعله بعد الهجرة النبوية وسماها، ما جاء في الحبشة وأمر النجاشي وقصة إسلامه.
واوضح د, العُمري انه استند في منهج التحقيق والدراسة للكتاب على نسختين اصليتين منه اعتبرها من أهم النسخ المعروفة النسبة والتاريخ، قام بمقابلتهما مع بعضهما البعض بالاضافة الى المقابلة مع المطبوع (طبعة دار القرآن الكريم 1404ه) واعتبرها نسخة ثالثة للمقابلة، وبالتالي حرر النص الأصلي لكتاب المغازي من هذه النسخ الثلاث.
تحقيق الكتاب
واعتبارا من صفحة 87 من الكتاب بدأ المحقق في عرض (كتاب المغازي) كما هو برواياته ال576 كاملة مع تحقيقه وتخريج الأحاديث، وموازنتها مع ما تيسر من روايات اخرى مطابقة او مشابهة لما ورد عند ابن أبي شيبة، ومشيرا لاختلاف بين النسخ التي استعان بها في مواضعه، وكذلك الأخطاء في المطبوع وهي نادرة، كما قام بتخريج الآيات الواردة في نصوص المرويات الواردة في الكتاب، وقام المحقق ايضا بمقارنة ما ورد من روايات ببعض مصادر السيرة النبوية وكتب التاريخ العام والطبقات، من امثال ابن اسحاق وابن هشام وابن سعد والطبري والذهبي وابن كثير وغيرهم.
محتويات الكتاب
وقد أورد كتاب المغازي الكثير من المواقف التي تعرض لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخاصة خلال غزواته المختلفة وما سبقها من سيرته الشريفة بدءا مما ذكر في أبي يكرم وأمر الفيل، ثم مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأذى قريش له، وحديث المعراج حين أسرى به - صلى الله عليه وسلم - كما أورد روايات كثيرة عن إسلام عدد كبير من الصحابة الأوائل، وما ذكر عن غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - وعددها الذي تراوحت الأسانيد والمصادر في ذكره بين تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منها وسبع عشرة وخمس عشرة.
وقد تحدث الكتاب عن غزوات بدر الأولى وبدر الكبرى وأحد والخندق والحديبية وبني لحيان وخيبر وحديث فتح مكة وما ذكروا في الطائف، وغزوة حنين وغزوة ذي قرد وغزوة تبوك وما ذكروا في أهل نجران وما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم وما جاء في وفاته - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ما جاء في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عنهم أجمعين وجاء آخر كتاب المغازي بروايات ما جاء في ليلة العقبة وعددها ثماني روايات.
كما أرفق المحقق بيانا باسماء المصادر والمراجع التي استعان بها في دراسة وتحقيق وإخراج (كتاب المغازي) والتي شملت: القرآن الكريم والمصادر المخطوطة والمطبوعة والمراجع الهامة ذات العلاقة، والتي زاد عددها عن المائة من المصادر والمراجع الهامة.
ويعد التحقيق الذي أخرجه الدكتور عبدالعزيز العُمري لكتاب المغازي لابن أبي شيبة اضافة هامة وجديدة للمكتبة العربية والإسلامية وللمهتمين بالسيرة النبوية الشريفة حيث يعد مرجعا دقيقا وموثقا بالأسانيد الصحيحة للباحثين والدارسين في عمق التاريخ الإسلامي وخاصة في عصوره الأولى.
|
|
|