* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح
في شهر أبريل منذ ثمانية وستين عاما استقبلت لبنان جثمان الشاعر الكبير جبران خليل جبران، في وداع مؤثر بعد حياة قصيرة، وان كان الجسد يفنى فإن اسم جبران سيبقى في تراثنا الادبي رمزا للتمرد، والتطلع الى غد افضل، يقوم على الحرية والحب والتسامح.
وكانت حياته، وادبه ايضا، ثورة متصلة,, او محاولة للهدم من اجل البناء.
في احد اللقاءات قال جبران لماري هاسكل:
تعلمين انهم يلقبونني غالبا بحفار القبور، ويظن بعضهم اني عنيف وهدام، لكن لا استطيع البناء من غير هدم، ونحن البشر كثمار الجوز علينا ان نكسر لننفتح, اللمسات الناعمة لا توقظ الناس .
هكذا يلخص جبران مهمته: الهدم والبناء,, لقد نشأ جبران على كره الاستبداد بمختلف صوره، سواء أكان اقتصاديا ام سياسيا ام اجتماعيا، وشاهد بنفسه الصراع بين الاقطاعيين والفلاحين، بين الاستعمار والوطنيين فجاء أدبه وجاءت مواقفه كاستجابة فاعلة من اجل الخروج من ليل الظلم,, على سبيل المثال ، بعد الحرب العالمية الاولى تعرض الآلاف من ابناء سوريا ولبنان للجوع والظلم والاضطهاد، وعلى الفور شكل ابناء المهجر لجنة إغاثة سوريا وكان جبران سكرتيرا لها، وبالفعل راحت تلك اللجنة ترسل المساعدات الغذائية بشتى الطرق، ويصف جبران دوره قائلا:
انا اركض باستمرار وما سبق لي ابدا ان كنت اشد وعيا للوقت وحرصا على الا اهدر منه دقيقة، ففقدان دقيقة في مهمة إغاثة يعني فوات فرصة مواتية ولا يستطيع المرء تفويت فرص من اي نوع عندما يسمع صرخات آلاف المعذبين تدوي في اجواء نفسه .
لقد كان جبران ضد السيطرة التركية على الوطن العربي، وايضا ضد الاستعمار الغربي، او حتى الاعتماد عليه فهو يريدها ثورة عربية تؤدي الى حكم وطني، لأن الارتباط بالغرب لن يحقق الاستقلال بقدر ما يؤدي الى التبعية، فجبران يفرق بين اعجابه بمنجزات الغرب وبين علاقة التبعية، ويتجلى رأيه بوضوح من خلال رأيه في مشكلة التعليم: كان التعليم يأتينا من الغرب بشكل الصدقة وقد كنا ولم نزل نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضورون، ولقد احيانا ذلك الخبز، ولما احيانا اماتنا، احيانا لأنه ايقظ جميع مداركنا ونبه عقولنا قليلا، واماتنا لأنه فرق كلمتنا واضعف وحدتنا وقطع روابطنا ومن هنا يرى جبران ان مستقبل الثقافة العربية يرتبط بالمدرسة الوطنية وليس المدارس الاجنبية، واننا يجب ان نخضع الحضارة الغربية لخصوصية شخصيتنا الشرقية، فلا نظل مجرد مقلدين، ولا نتحول الى شبه غربيين اي انه مع التعامل كضرورة لكنه ضد التقليد الانفعالي.
اذن آراء جبران ومواقفه، يخترقها باستمرار هاجس اساسي: بناء الشخصية العربية المستقلة، وعدم الوقوع تحت سيطرة الاستعمار الغربي، او التبعية له، وبإلحاح من هذا الهاجس جاء ادبه ثوريا متمردا، فالادب في رأيه تعبير عن الحياة والانسان، دون انفصال، ودون تعال، وإذا كان جبران الانسان يرتبط بالواقع ويسعى الى تغييره، فإن جبران الفنان يرتبط بالمثال، هذه هي الازدواجية التي وقع فيها او لنقل: هذان هما الخطان الرئيسيان في أدبه، وفي حياته، ونعني بهما الواقع والمثال فكل ما كتبه عبارة عن رحلة مستديرة من الواقع الى المثال والعكس، وحياته كلها محاولة مستمرة ليجععل من الواقع مثالا، والمثال واقعا.
فنحن امام شاعر - وان لم يكتب شعرا كثيرا - لأن اعماله النثرية ذات صبغة شعرية في المزاد والاداء، ولأن اعماله كلها - نثرا وشعرا - لا تخلو من المزاج الثوري مع مسحة من الغموض والتضمين الاسطوري.
التحرر والتسامي
نظرت الى جسمى بمرآة خاطري فألفيته روحاً يقلصه الفكر |
إننا امام حالة من التجلي او النضال الروحي ضد علاقات العبودية والاستغلال في المجتمع، والتحرر من العبودية - باستقراء أدبه - يأتي من خلال تحرر الروح نفسها سواء بالحب أو الموت او الجنون، وصولا الى حالة من التسامي والتعالي,, هذا التسامي يقدم حلا معقولا لازدواجية الواقع والمثال، ويؤدي الى صورة من صور المدينة الفاضلة بين البشر جميعا هذه المدينة لا يدركها غير الساعين الى الحق، والمؤمنون بأن العقل ليس هو الطريق الوحيد للمعرفة، فالخيال قد يوصلنا الى الحقيقة بل هو ضروري لمعرفتها ويساعدنا في الصعود من العالم الارضي الى عالم اليوتوبيا، القائم على قيم الحب.
هذه المدينة الفاضلة بمثابة المثال الذي سعى جبران لتحقيقه على ارض الواقع وقد اقتضت منه ان يثور على الاتجاه الاتباعي، حيث اللغة سلطة وليس اداة للفكر والابداع، وحيث مفهوم التراث مجتزأ ومحدود فرفض جبران ان يكون من شعراء النموذج الذي يقتفى اثر الاقدمين، وانما سعى الى تحقيق نموذجه الخاص به، انطلاقا من الحياة نفسها، فهو لا يقاوم التحجر بالتحجر، لا يستعير من الماضي صياغات جاهزة، انما يعمد الى تفجير أشكال جديدة في الكتابة، المقالة، القصة الرمزية، الحكاية، الرواية، المسرحية، الشعر المنظوم والمنثور، وهو في كل هذا يطعم الاجناس بعضها ببعض، ويزيل الحواجز بينها، ويفجر الشعر في لغة النثر، ويعطي الاهمية الاولى لصدق التجربة الانسانية.
وهو لا يقسر هذه الاشكال الفنية المتعددة لتؤدي افكاره الاصلاحية، وانما كان حريصا على التوازن بين تلك الافكار وبين البراعة الفنية، ولكن هذا التوازن هو نجاح على المستوى الادبي فحسب، اما الواقع الحقيقي فقد عاشه جبران ممزقا بين اكثر من امرأة اهمهن ماري هاسكل ومي زيادة، اللتان تبادل معهما عشرات الرسائل، وعاش معهما نوعا من الحب الافلاطوني,, كما عاش جبران في حنين دائم الى وطنه لبنان، ولم يكن امامه كمخرج روحي سوى ان يحقق هذا بالتخيل، كضرورة روحية لشرطه الوجودي، فهذا الرومانسي الحالم قاد ثورة بيضاء على الورق فحسب، وانشأ مدينة فاضلة لكنها حبيسة بين دفتي كتبه، اما ثورته على الواقع نفسه فقد أودت بحياته مبكرا، لكنها لا تمنعنا من ان نكتب اسمه في سجل انبل الثائرين.
شريف صالح