الهوية السودانية واثر الحضارات المختلفة خاصة الحضارة الإسلامية على تكوين الشخصية السودانية، من الاشكاليات التي يدور حولها جدل كبير وخاصة ان السودان يعتبر قارة كاملة تضم تشكيلات عنصرية كثيرة ولغات مختلفة.
التقت الجزيرة بنخبة من الباحثين والمفكرين والمثقفين السودانيين حول الهوية ومكونات الشخصية السودانية التاريخية.
يقول د, أحمد ابراهيم دياب استاذ التاريخ بجامعة ام درمان ان السودان يعتبر قارة به تشكيلات عنصرية كثيرة ولغات مختلفة فهناك أكثر من 500 قبيلة وحوالي 200 لغة نيلية وافريقية ولذا لا استطيع القول ان السودان عربي فقط او افريقي فقط او الاثنين معا وانما هو سوداني ذو خاصية متفردة ومكونات الشخصية السودانية كثيرة منها النيل وحضارته العميقة وامتدادنا وسط القارة الأفريقية وعلى ساحل البحر الأحمر وفي الصحراء الافريقية الى جانب التنوع المناخي للبلد هذه العوامل اثرت على التكوين السوداني والهوية تنطلق من هذه العناصر فمن مكونات الشخصية السودانية حضارة وادي النيل القديمة فكلمة فرعون تشمل مصر والسودان وكذلك الحضارة النوبية والتي تبدأ من العهد الكوشي قديما ثم العهد المسيحي عندما تكونت بالسودان ثلاث ممالك وفي هذه الفترات تكونت بالسودان حضارة الأم وهي التي جعلت العرب يصلون للسلطة بالسودان عندما تزوجوا من النوبيات ومن القبائل الأخرى السودانية فطبقا للعرف القديم السلطة تورث عن طريق نسب الأم، واصبح هذا الأثر النوبي موجودا في هويتنا ثم جاء الاسلام للسودان دون حرب وبمعاهدة السلام المعروفة باتفاقية البقط وعن طريقها دخل الإسلام والثقافة العربية بالسودان وبواسطة التجار العرب القادمين من الجزيرة العربية وانتشر الإسلام الذي اصبح من مكونات الشخصية السودانية، وهناك ايضا الثقافات المحلية بلغات القبائل المختلفة وهي ايضا تلعب دورا سياسيا في تكوين شخصيتنا، وبعد انتشار الإسلام جاء الاتراك واختلطوا بالسودانيين وكونوا أسرا جديدة وجاء المصريون من صعيدها إبان الحكم الثنائي واستقروا بالسودان.
ويضيف د, دياب أن هذه العناصر يجب دراستها وتفنيدها لنضع أسس الهوية السودانية حتى لا نقول انا سوداني شمالي او سوداني جنوبي او غربي او شرقي فلا بد أن نتفق باننا سودانيون وكفى ولنبحث عن الأشياء المشتركة بين الشعب السوداني.
وعن اللغة العربية وهل تمثل عامل هام لوجود القبائل السودانية يقول د, دياب: اللغة العربية عامل تفاهم وتخاطب مهم للسودانيين وهي تساعد على وحدة القبائل السودانية خاصة ان الثقافة العربية ليست عنصرية وبالتالي يتخاطب بها جميع السودانيين من اقصى الشمال الى أقصى الجنوب فلدينا الكاتب (فرنسيس دينق) يكتب وينطق العربية الفصحى كأهلها وكذلك الاستاذ شريف خاطر والشاعر جيلي عبدالرحمن النوبيان وأقول ان اللغة تساعد على تنمية ثقافتنا المحلية أكثر من تكوينها لهويتنا.
السودان عربيا وأفريقياً
أما الكاتب عبدالعزيز الصاوي فيرى انه من الملاحظ داخل المؤتمرات العربية او الأفريقية أن التعامل مع السودان وشؤونه يتم من قبل العرب على أنه افريقي ويحدث العكس من الأفارقة ويوضح قائلا في كتابه موضوعات في الفكر والسياسة تطرقت الى قضية التعايش القومي بين العرب وغير العرب في السودان واشرت الى حقيقة ان العروبة كقومية ليست نمطا مغلقا منسوبا الى منطقة وانما العروبة انتساب الى الكل الحضاري العربي في تنوعه أثناء عملية الانتشار في الرقعة القارية الآسيوية الافريقية بمكوناتها العرقية والثقافية ما قبل العربية محتفظا بخصائص أساسية في اللغة والتكوين النفسي والذهني ومدعوما بالرغبة الشعبية في الانتساب اليه.
وفي حالة السودان يرجع ذلك بصورة أساسية وليست كلية الى تذبذب رؤية المثقفين السودانيين الشماليين لهويتهم القومية أعني التكوين الثقافي والتاريخي لشخصية اغلبية الشماليين بين العروبة والافريقية فجنوبيو السودان رؤيتهم ثابتة لهويتهم فهم يصفونها بالأفريقية ويتوقفون عند هذا الحد وبالرغم من وجود مآخذ كثيرة على هذا التعريف وأهمها العمومية، اما الشماليون فيميلون تحت تأثير التأزم في قضية الوحدة الوطنية الى طرح أنفسهم كأفارقة تارة وعرب أحيانا أخرى وسودانيين تارة ثالثة!! وكأن هذه الصفات الثلاث متنافية بينما حقيقة الأمر ان لكل منها خصائصه المميزة، السودانية صفة مواطنيه مصدرها وحدة الرابطة الناشئة عن الانتماء لدولة معينة بينما الافريقية صفة جامعة لأكثر من دولة وأكثر من هوية قومية بعكس العروبة فهي صفة قومية عمادها اللغة والثقافة وينتشر المنتمون اليها داخل وخارج السودان والقارة الأفريقية مثلها في ذلك مثل صفة الهوية الدينية الإسلامية.
صحيح ان هناك خصائص محلية للعروبة في كل منطقة او قطر ومن بينها السودان ولكن الرابطة القومية الجامعة لها وجودها الموضوعي المميز تجاه القوميات الأخرى حتى لو ضعف الإحساس الذاتي بذلك في أوانه أو اخرى، هناك تماس بين هذه الدوائر الثلاثة وليس تناقض يستدعي من المثقفين والنخبة الشمالية الخيرة والتردد فيما يتعلق بهويتهم القومية حتى الاهتمام الراهن في اوساط النوبيين السودانيين مثلا بتراثهم الحضاري القديم بما في ذلك اللغة النوبية لا يتعارض مع الهوية القومية المكتسبة لاحقا بالتداخل العميق مع اللغة والثقافة العربيتين ولا يضرها، هذا التداخل الناتج من عملية بعيدة الجذور ولم يكن مفروضا وانما كان استجابة طوعية لمتغيرات تاريخية واقتصادية واجتماعية ودينية مرتبطة بتطور المجتمع وحاجاته المعاصرة كما هو الحال في اكتساب المعارف العلمية والأدبية وتقوية الوحدة الوطنية مع بقية المجموعات السودانية بما فيها تلك التي لا تزال في مرحلة استعراب ثقافي غير كامل او هي غير عربية تماما مثل السودانيين الجنوبيين.
الثقافة العربية هي من حيث الواقع المستقبلي التي تخلق التشابك بين الثقافات السودانية غير العربية كليا او جزئيا فاللغة العربية الفصحى والمحلية مثلا هي جسر التفاهم بين الدينكا والبجا والنوبيين والكبابيش والفور، على هذا الأساس اقول ان دراسة وتوثيق الثقافات السودانية قبل العربية والاهتمام بها هو إثراء للثقافة العربية وروابطها القومية فهو اختبار لقابليتها للتفاعل مع هذه الثقافات وتأكيد لقيمتها العملية في صنع الحضارة الجديدة للإنسان السوداني.
الإسلام والتسامح الديني بالسودان
ومن ناحيته يرى الكاتب السوداني أحمد ديرو ان اختلاف السودان عما حوله بين مفردات محيطه العربي والافريقي ظاهرة حميدة حيث تشكل الثقافة السودانية من بينها الطبيعية ولا بد أن يعكس ما أخذه بعد هضمه وتمثله ليعبر عن شكل ومحتوى خصائص التلاقح والتعبير عنها بمفاهيم ولغة مستجدة لها طبعها التلقائي المتناغم مع كيانها البيئي وكينونتها الذاتية في موضوعية تعكس بانوراما حالة السودان الثقافية والفكرية.
الوطن حضارة وذاكرة وشكل تعبيري يرسخ لبنات الهوية وليس التباين داخل الشيء الواحد موجبا لانفراطه وتفكيكه بقدر ما هو مظهر صحي يعبر عن تعاضده، اللغة عربية لكن وجهات التعبير بها غير عربية بل انماط لهجية تخص السودان مما ولده الاجتماع الطويل مع العربية وما شكله من خلفيات من اللغات واللهجات المحلية من غير العربية.
واذا كان من حق الجنويين ان يعيشوا لثقافتهم وما أحسب الدين واللغة والعرق وطبيعة القرابة عناصر تقف موانع لتلاقي الناس وتصالحهم على شؤون المعاش فنحن نعايشهم يوميا وليس هناك أمر ملح يستوجب الصراع اللانهائي والقطيعة بين الثقافة العربية والثقافات الافريقية.
تهميش الثقافات الأفريقية بالسودان
الشاعر السوداني ادوارد لينو وهو يمثل رأي الجانب الآخر جنوب السودان حول الهوية السودانية يقول منذ التاريخ القديم كل القبائل السودانية موجودة والنيل موجود وتعايشنا مع البيئة والطبيعة معا ولكن لكل قبيلة ثقافتها ولكن ليس هناك اعتراف,, بهذه الثقافات فنجد أن شخصا ما مستأثر بالسلطة في السودان يقرر ان السودان دولة عربية وعضو في الجامعة العربية مع اننا ممكن ان نكون سودانيين دون أن نكون عربا او أفارقة ومن هذه الناحية سنتمكن من أن نلعب الدور المؤثر دون ان نعتقد هويتنا الذاتية كسودانيين وحتى نفهم ان السودان معبر بين الأفارقة والعرب دون التأكيد على هذه الذاتية السودانية بنظرة عميقة ولذلك كانت كل السياسات التي قامت تحت هذه النظرة قامت على تهميش الثقافات الافريقية الموجودة في السودان بصفة خاصة فنتج عن ذلك عدم الاعتراف بالإنسان الموجود الذي يملك عطاء كان يمكن الاستفادة منه في بناء المجتمع السوداني الجديد واللغة العربية بالنسبة للقبائل الجنوبية ليست مشكلة لانها لغة التخاطب بين القبائل الجنوبية وبيننا وبين كل أهل السودان وبالتالي لدينا إناس كثيرون ما كانوا يعرفون العربية الآن يتعاملون بها فنحن ننظر للغة العربية كوعاء حضاري.
عطيات عبدالرحيم