Friday 30th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 14 محرم


خصائص العمل الخيري في مجتمعنا
د, يوسف بن أحمد العثيمين

العمل التطوعي، او ما يسمى اصطلاحا (الغيرية) نزعة وفطرة انسانية عامة، وظاهرة اجتماعيةوفردية في آن، وتظهر آثارها في كل المجتمعات وعبر العصور وان كانت تختلف في مضامينها واهدافها ودوافعها,, الا اننا كمجتمع يعتنق الاسلام دينا فان العمل التطوعي الخيري يتسم بمميزات وخصائص لا تتوفر في المجتمعات الاخرى,, ومن ذلك كون العمل الخيري له صفة الشمولية,, فوفق التعاليم السمحاء فان العمل الخيري لا يميز بين فئة واخرى وفرد وآخر في سد الاحتياجات بحسب الاهواء الشخصية طالما توفرت الشروط الشرعية الا ما نص عليه شرعا مثل توزيع انصبة الغنائم والمصارف في الزكوات والصدقات او ان يكون للقريب نصيبا اوفر او (اولى) من غيره,, وللشارع الحكيم والفقهاء الأجلّاء من التفصيلات في هذا الامر ما لا يتسع المقام لبسطه,.
كما يتميز العمل الخيري التطوعي بالاستمرارية خصوصا في موضع الزكوات التي من جلال قيمتها وعظم اهميتها وردت كواحدة من اركان الاسلام الخمس,, وهي بهذه الصفة ضمنت لفقراء المسلمين ومحتاجيهم استمرارية الرعاية فمهما - لا قدر الله - طغت الانانية او شاع التراخي بين المسلمين، أو جنحت النفس نحو الاثرة فان هناك من (الكوابح) ما يوقظ الغيرة الشرعية وينبه النزعة الانسانية لدى الفرد في المجتمع المسلم.
ثم تأتي صفة ثالثة لا تقل اهمية عن سابقتها الا وهي الاصالة في العمل الخيري التطوعي في الاطار الاسلامي,, فمصارف الزكاة والصدقات وبرامج الرعاية للمحتاج لم تأت نتيجة ظروف معينة مثل الحروب الاهلية او القلاقل الاجتماعية التي تملي على بعض المجتمعات سن وتشريع المعونات والمساعدات الاجتماعية,, بل في الاسلام جاءت هذه ا(الامور) مجتمعة دفعة واحدة مع بزوغ فجر الاسلام وجزءا لا يتجزأ من تعاليمه,, بل هي (حق) مكتسب,, وهذا يقودنا الى صفة اخرى وهي ان هذه الحقوق تمنح للمحتاج في المجتمع المسلم دون (منة) والايات القرآنية الكريمة والاحاديث الشريفة تزخر بالتأكيد على هذه المسألة لدرجة انها قد تبطل الصدقة نفسها لو حدث ذلك من قبل المعطي للمعطى,.
هذه الصفات المتمثلة في الشمولية والاستمرارية والاصالة وصدق النية والالزامية والفردية والجماعية والتنوع وطيب الخاطر وكرم النفس وكرم العطاء نفسه ونوعيته هو ما صبغ العمل التطوعي الخيري في المجتمع المسلم بهذا النسيج الفريد مما بدأنا نطلق عليه حديثا مصطلح (التكافل الاجتماعي) ,, ولا اعتقد ان هناك دينا او تشريعات حديثة استطاعت ان تصل في ترتيب امر العلاقة بين الغني والفقير وبالضرورة بالعمل التطوعي الخيري هذا المستوى من الحضارية وهذه القدرة على نزع فتيل ما قد ينشأ بين فئات المجتمع وافراده نتيجة للتمايز بين اقدارهم في الرزق.
واذا كان ما سلف لا يعدو ان يكون عموميات اصبحت بديهيات يعيها ويدركها كل من له المام في الشأن التطوعي والخيري في اطار المجتمع المسلم, الا ان ما دفع كاتب هذه السطور للحديث عن هذا الموضوع الحيوي هو بروز ظاهرة اجتماعية أعتبرها - وغيري كثير - ظاهرة صحية في المجتمع السعودي في الاونة الاخيرة وذلك في مجال مسار العمل التطوعي الخيري في بلادنا,, وهي ظاهرة تستحق كل التشجيع والتقدير والابراز الاعلامي والتوعية المجتمعية، ومع ذلك - وللاسف - لم تنل هذه الظاهرة ما تستحقه من ذلك,, لقد جاء هذا التحول في المسار شكلا ومضمونا ,, جاء هادئا متدرجا ,, فسبق بذلك الاعلام والتوعية والارشاد اليها,, ومازال.
لقد سار العمل الخيري في مجتمعنا المعاصر على وتيرة تكاد تكون (مقبولة) في اطارات محددة تنحصر في الغالب في الزكوات والصدقات المباشرة للمحتاج والاعطيات حسب مقتضى الحال للمعطي والمتلقي، وفي الغالب تكاد فردية الشكل مادية المضمون او عينية في حالة الضرورة,, وهكذا درج الموسرون واهل الخير والاحسان واصحاب القلوب الرحيمة على هذا الاسلوب في العمل الخيري ردحا من الزمن,, حتى برزت في المجتمع السعودي (صحوة) جديدة في المجال الخيري التطوعي,, لقد اخذ العمل الخيري منحى آخر بدأ يتعاظم دوره وشكله وحجمه على مر السنوات القليلة الماضية حتى اصبح فعلا يشكل ظاهرة اجتماعية شاملة عمت المجتمع وبدأنا نلمس آثارها الايجابية في كل اتجاه.
لقد بدأت هذه الظاهرة بنشوء الجمعيات الخيرية ثم استمرت هذه الجمعيات بشكل حديث ولكن بمضمون عمل لا يتجاوز (العطاء المباشر).
ولا يخفى على الاذهان اهمية العمل الاجتماعي التطوعي الذي تقدمه الجمعيات الخيرية كمؤسسات اهلية منظمة او تلك الاعمال الرائدة التي تأتي مبادرات فردية من اهل الخير والبر في بلادنا وما اكثرهم بحمد الله تلك الاهمية التي تسهم في تعديل السلوك الاجتماعي بصورة ايجابية وتحقق مفهوم المشاركة بمعناها العلمي الشامل الذي يعتمد على مشاركة افراد المجتمع في كل مراحل العمل الاجتماعي بدءا من جديد الاحتياجات ومرورا بترتيب الاولويات والتنفيذ وحتى المتابعة والتقويم التي تحقق ثمرات التنمية التي تعتمد بالدرجة الاولى على افراد المجتمع واسهاماتهم بالجهد والفكر والمال.
وتتحقق اسباب النجاح للجهود والبرامج التنموية متى اعتمدت على جهود الافراد من مختلف فئات المجتمع التي تستهدف النهوض بالعمل الاجتماعي في شتى مجالات الحياة ومتى ما توسعت الخيارات امام الناس في اعمال التطوع كلما كانت المشاركة اجدى واوفى في سد الاحتياج وتحقيق الذات وتفجير الطاقات والقدرات,, الامر الذي يؤكد الحاجة الى فهم اكبر لدور الجمعيات الخيرية والاهلية وتوعية المجتمع بدورها الانساني باعتبارها ان العمل الاجتماعي التطوعي داعما ومكملا لنشاطات الاجهزة الحكومية وليس منافسا لها.
لقد بدأت هذه الظاهرة - نمو الجمعيات الخيرية وازدياد الاعمال التطوعية - تنمو وتزدهر ثمارها - ولله الحمد - في صور يعتز بها كل من ينتمي بصدق الى هذا المجتمع,, لقد بدأنا نرى التبرعات السخية للمستشفيات بناءا او تجهيزا او تاثيثا او ترميما وتطالعنا الاخبار - دون تعليق - عن تبرعات لوحدات غسيل الكلى في عدد من المستشفيات وغيرها من المعدات والاجهزة الطبية المتقدمة والغالية الثمن التي انقذت - باذن الله - العديد من الارواح,.
من جانب آخر بات المجتمع يمسي ويصبح على اخبار مشاركة اهل الخير في انشاء المباني المدرسية وتجهيزاتها وعلى اخبار الجامعات وهباتها وعلى التبرعات للدور الاجتماعية للمعوقين والايتام وعلى المراكز المتخصصة لمختلف ما يحتاجه المجتمع ويجد الموسر القدرة على تلبيته,, بل ان هناك كليات اهلية نشأت من تبرعات خاصة,, وليس المجال والمقام هنا لسرد الشخصيات او المشروعات,, فهؤلاء يكفيهم الدعاء الصالح والكثير ومنهم لا يرغب في الاعلان عن نفسه,, وانما قصد الاشادة والاشارة الى هذه الظاهرة والتي ارجو ان تستثمر وتشجع، وتنال نصيبها من الاضواء على يد من لديهم ملكة الحرف والقلم، وسحر البيان، وحس الانسان.
***************
ومضة اجتماعية:
المعوق هو الذي حرم من مساعدة المعوق.
سلطان بن عبدالعزيز آل سعود

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved