Friday 30th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 14 محرم


في الهدف
أثر المكتبات الوقفية والعامة في حفظ العلم وخدمة أهله
الشيخ/ عبدالله بن صالح القصيّر

الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا نزل عليه شيء من القرآن دعا من حضره من كتاب الوحي وأرشدهم الى موضوع ذلك الجديد من سابقه فيقول: اكتبوا هذه الآيات في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكتب القرآن كله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبإشرافه، لكن لم يكن مجموعا في مصحف واحد بل كان مفرقا في العسب واللخاف والجلود والحجارة ونحوها مما يمكن الكتابة عليه، وكان ما يكتب يجعل في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليرجع اليه عند الحاجة، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نقلت هذه الأشياء الى الصديق رضي الله عنه حتى كتب منها القرآن كله في مصحف واحد، ثم صارت الى عمر بعد وفاة الصديق - رضي الله عنهما- مدة خلافته ثم حفظت هذه الصحف عند حفصة رضي الله عنها بعد وفاة عمر الى ان استعارها عثمان رضي الله عنه زمن خلافته ونسخ منها المصاحف التي كتبت في عهده بأمره في حرف واحد وهو لغة قريش وبعثها الى الأمصار.
لهذا اعتبر بعض الباحثين بيت النبي صلى الله عليه وسلم أول مكتبة إسلامية متصلة بالمسجد مشتملة على صحف القرآن.
وكان جماعة من الصحابة الكتبة يكتبون ما يسمعونه من في النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث فكتبوا طائفة من الحديث، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم الى عماله بشأن الصدقات والديات وفكاك الأسير ونحو ذلك من المهمات وربما احتفظ بشيء من ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو عند أحد من خواص أصحابه ونحو ذلك مما يعد نواة للمكتبة الإسلامية لما اشتملت عليه من الأحكام المهمة والوصايا الجامعة والقواعد الشرعية.
ولما وقعت الفتنة وكثر الاختلاف واشتهر الكذب وحدثت البدع عني السلف الصالح رحمهم الله تعالى بجمع الحديث وتدوينه والتمييز بين صحيحه من سقيمه بالتتبع للأسانيد ومعرفة أحوال الرواة والمرويات وكانت المساجد مواطن التحديث وسماع الحديث والعرض على الشيوخ واجازة المرويات ثم اتسع التأليف في علوم الكتاب والسنة والعلوم المعينة على فهمها وصيانة اللسان عن اللحن فيهما فكانت الكتب المصنفة تقرأ في المساجد وتحفظ فيها.
وكان من السلف من يوصون بكتبهم أو مكتباتهم لمن يرونه أهلا للاستفادة والإفادة منها ومن أول هؤلاء أبوقلابة عبدالله بن مالك الجرمي فقد أوصى بكتبه الى أيوب السختياني رحمهم الله تعالى، ونقل مثل ذلك عن غيره ولازالت الوصاة بالكتب من السابقين الى اللاحقين أو الى جهة تظن الافادة منها الى يومنا هذا.
ولقد اهتم المسلمون رعاة ورعية بالعلم وجمع كتبه والتصنيف فيه وتوفير ما أمكن من الكتب لطلابه ووجدت المكتبات الخاصة والعامة واشتهرت اعارة الكتب اعانة لطلبته وتبارى الخلفاء والأمراء والأثرياء المحبون للعلم وأهله في تشجيع العلماء وطلبة العلم على التصنيف في فنون العلم وأبوابه واقتناء ما صنف فيه حتى كثرت المكتبات في أواخر القرن الثاني الهجري وزخرت بفنون العلم والمعرفة واحتوت على آلاف المجلدات.
وكانت من أشهر المكتبات الوقفية مكتبة دار الحكمة التي أسسها الرشيد في بغداد والتي احتوت على أربعمائة ألف مجلد، وكذلك مكتبة قرطبة التي أسسها الأمويون في الأندلس وضمت بين جنباتها ستمائة ألف مجلد، ومثلها دار العلم التي أسسها الفاطميون بمصر, وهذه المكتبات العظيمة التي نفع الله بها استفاد منها العلماء وطلاب العلم استفادة عظيمة خلال أزمنة مديدة، ولقد خصص الخلفاء للعلم وأهله ولهذه المكتبات جرايات مالية ووفرت لها كافة الامكانات التي يحتاج اليها المطالعون بحسب ذلك الزمان فوفروا لها النساخ والأقلام والحبر والمحابر والورق ونحو ذلك مما يسر الله تعالى به العلم لأهله.
وكانت مكتبات المدارس الوقفية الملحقة بالمساجد تؤدي دورا مشكورا في هذا الجانب: مثل خزانة مسجد الزبيدي ببغداد التي أسسها أبوالحسن الزبيدي وزودها بالكتب الكثيرة وساهم غيره أيضا بتزويدها.
وكذلك النظامية التي أسسها نظام الملك ببغداد كانت تضم كتبا كثيرة نادرة وهكذا مدارس دار الحديث النورية والصلاحية والعادلية والظاهرية اشتملت على أندر الكتب التي ضمت مصنفات نادرة وكتبا نفيسة في فنون العلم والمعرفة ومن أشهر المكتبات الملحقة بالمساجد، أو المجاورة لها مكتبة عارف حكمت بالمدينة طيبة الطيبة وهي من المكتبات العظيمة المباركة والتي ما زالت منذ أسست والى اليوم وهي بحمد الله مصدر اشعاع علمي ومورد للعلماء والباحثين تروي ظمأهم وتشفي غليلهم.
وكم من المكتبات الوقفية الضخمة في عواصم الأقاليم الإسلامية في الهند والسند وفارس وما وراء النهر وخراسان واليمن والمغرب والأندلس والقسطنطينية وبلاد الحرمين والتي كانت بمثابة الجامعات والمعاهد العليا والتي أدت دورا عظيما في نشر الإسلام وحفظ العلم ونشره وتيسيره على أهله وخدمة المحققين والمطالعين والباحثين وكانت ملتقى العلماء وأئمة الفتوى وفحول المجتهدين.
وكان مشاهير هؤلاء الأئمة ممن يشرف على هذه المكتبات ويتولى التدريس فيها وتعقد فيها حلق العلم وتنتشر فيها المصنفات وتوقع فيها الفتوى المهمة في شؤون الأمة.
واشتغل في هذه المكتبات موظفون اداريون وفنيون للمحافظة عليها وخدمة روادها فمنهم الخزان والمناولون والنساخ والمترجمون والمجلدون والقائمون بصيانة الكتب من عوامل التلف ونحو ذلك من الخدمات الجليلة وكان للوقف الخيري من المحسنين أثره العظيم في تأسيس المكتبات وتمكينها من تقديم خدماتها والمحافظة عليها وعلى محتوياتها وحتى لما غزت أمم الكفر الباغية الظالمة عواصم العالم الاسلامي ودكت عروشها وخربت ما قدرت عليه من مقومات حياتها وعزتها وكرامتها كانت المكتبات الوقفية من أهم وأشد ما استهدف بالنهب والسرقة والتخريب وغير ذلك حتى تلفت وسرقت ثروات علمية ضخمة وما سلم من هذه الثروة من التلف والضياع كان أساسا وتاجا للمكتبات الأوروبية الشهيرة والتي استفاد منها الباحثون وكانت من أهم عوامل يقظة أوروبا وسبقها في ميادين العلم والمعرفة ثم يسر الله استعادة جملة كبيرة من صور مخطوطاتها واجزائها الى مكتبات الجامعات الاسلامية والعلمية في البلاد العربية والتي ساهمت هي بدورها مشكورة في حفظ العلم وجمع ما تشتت من مصنفاته واسترداد ما أمكن مما سرق من ثروة الأمة الاسلامية العلمية واعادة تصنيفها وتبويبها وفهرستها الى غير ذلك من الخدمات الجليلة التي قامت بها فنفع الله بها وأعاد الحق الى أهله وكان لمكتبات الجامعات والمؤسسات المعنية بالعلم والمعرفة في المملكة العربية السعودية القدح المعلى والجهد الأعظم الذي لا ينكر في هذا الباب العظيم باب جمع المخطوطات وحفظ المصنفات وتسهيل الاستفادة منها وما كانت لتبلغ ما بلغت الآن لولا فضل الله تعالى ثم دعم ولاة الأمور في هذه البلاد لهذه المؤسسات الكريمة ماديا ومعنويا وكذلك مساهمة الواقفين المحتسبين الذين أهدوا كتبهم ومكتباتهم النادرة والثمينة لمكتبات تلك الجامعات والمؤسسات التي خدمت العلم وأهله ويسرت سبله وأعانت على تحصيله وتوثيقه ونشره وتحقيقه.
وهكذا يتجلى لنا أثر المكتبات الوقفية الخيرية في حفظ العلم وخدمة أهله والذي كان من أسباب حفظ الدين واقامة حجة الله على العالمين ورد شبهات المشبهين وتزييف ضلالات المضلين فحفظت به الملة وأقيمت به الحجة واتضحت به المحجة والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين ولا يصلح عمل المفسدين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved