الحمد لله رب العالمين، أمر بالبر والإحسان، ودعا الى البذل والانفاق في طرق الخير ونشر العلم، وبناء الحضارة الإسلامية وأشكره على تفضله، وامتنانه على عباده المحسنين المنفقين في سبيله برفع درجاتهم، والصلاة، والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقد دعا دين الإسلام الى الترابط، والتلاحم، والتضامن، والتكافل، وتقوية أواصر المحبة بين المسلمين، وشرع لهم كل ما من شأنه تقوية هذه الأواصر، ومن أبرزها نظام الوقف في الإسلام، ذلك النظام الفريد في أحكامه الذي جاء محققا لمصالح كثيرة، وحكم عظيمة، كلها تدعو الى ترابط المجتمع، وإشعار المسلم بمسئولياته تجاه مجتمعه، وربطه به، وتشجيعه على إسداء اياد بيضاء لهذا المجتمع يدوم ذكره فيه، فدعاه الى الانفاق بسخاء وطيب نفس لخدمة هذا الكيان، والمساهمة في بناء حضارته، بل جعل الانفاق في هذا المجال سببا لبلوغ مراتب البر، فقال تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران 92, فشرطت هذه الآية تقديم الانفاق في سبيل الله تعالى على المصلحة الذاتية، والرغبة الشخصية من أجل بلوغ مرتبة البر، فحثت على الانفاق من أغلى ما يملكه الإنسان، لتتدرب نفسه على البذل والسخاء في مجال الخير كل الخير، واعظمها الأوقاف في وجوه البر حتى يبقى عمله موصولا بعد موته، فيكون من الصدقات الجارية, وان جعلها في سبيل العلم والمعرفة أصبحت من الأعمال التي لا ينقطع ثوابها بعد موت صاحب الصدقة، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم دالاً أمته على هذا الباب العظيم الذي يفتح للأمة آفاق المعرفة والحضارة: اذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، او ولد صالح يدعو له أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي ومما رواه أبوهريرة أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورَّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، او نهرا أجراه، او صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته).
أخرجه ابن ماجة وابن خزيمة، قال المنذري: إسناد ابن ماجة حسن، فكان لهذه التوجيهات النبوية أبلغ الاثر في نشر العلم والمعرفة، وإنشاء المكتبات العامة، والاحتساب عليها، ودعمها، وإجراء الأوقاف عليها، وعلى مرتاديها، وعلى نشر الكتاب الإسلامي, فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (علم ينتفع به) وقوله: (وعلماً علَّمه، ونشره) وقوله: (ومصحفا ورَّثه) جعل المسلمين يتسابقون الى تحبيس الأعيان، وتسبيل ثمارها في دعم الحركة العلمية، ونشر الثقافة الإسلامية كبناء المساجد، وتشييد دور العلم، واقامة المكتبات العلمية، وتزويدها بالكتب والأحبار والأوراق، وكل ما يحتاجه طالب العلم، فكان لهذه الأوقاف اليد الطولى في تقدم الحضارة الإسلامية، وانتشارها، فالمتتبع لتاريخ المدارس والحلقات العلمية في المساجد والجوامع والمكتبات العلمية يلاحظ ان بعضها تعددت الأوقاف عليها حتى بلغت المئات، بل بلغ الأمر الى ان تصرف رواتب شهرية لجميع من يتلقى العلم في هذه المدارس والمكتبات العلمية، وهذا بالتالي ساعد على بقائها واستمرارها، فنشأت حضارة إسلامية عظيمة لا تجاريها حضارة في مختلف العلوم والفنون وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أستاذ الفقه المساعد بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم.
د, إبراهيم بن عبدالعزيز الغصن