Friday 30th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 14 محرم


من وحي المنبر
اليمين المشروعة وكفارتها
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان الا على الظالمين واشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له الذي لا تنعقد اليمين الا باسم من اسمائه او بصفة من صفاته.
واشهد ان محمدا عبده ورسوله افضل من نزه ربه عن الشريك والمثيل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
اما بعد: ايها المسلمون: اتقوا الله واعلموا ان للايمان وقعا في كلام العرب، وهي جمع يمين والمراد بها الحلف ، والانسان يحلف ليؤكد حكما بذكر معظم على وجه مخصوص وهذا الاسلوب في كلام العرب يقصد به تأكيد الكلام,, وحروف القسم عندهم الواو والباء والتاء, فيقولون والله وبالله وتالله , كل هذه الالفاظ جارية على لسان العرب الا ان استعمالهم للواو اكثر.
واذا عرفنا الغرض من الحلف وصور الفاظه فلابد من معرفة الحلف المشروع الذي تجب فيه الكفارة وما هي الكفارة؟ ايها المسلمون: اليمين المشروعة هي ان يحلف الانسان باسم من اسماء ربه وصفاته كأن يقول: وربي وخالقي، وحياة الله، وكلام الله، وعزة الله، والقرآن لان القرآن كلام الله والكلام صفة من صفاته فهذه هي اليمين المشروعة، فان بر بيمينه ففعل ما حلف على فعله او ترك ما حلف على تركه كأن يقول والله لادرسن غدا فدرس او قال والله لا ادرس غدا فلم يدرس فلاشيء عليه لانه وفى بيمينه فان خالف ما حلف عليه وقد عقد اليمين من قبله على مستقبل ممكن فعله او تركه وجبت عليه الكفارة لانه حنث في يمينه، يا أخي المسلم: اما الايمان التي تجري على اللسان من غير قصد فهي لغو اليمين ولا كفارة فيها قال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) وفسرت هذا عائشة بقولها: كقول الرجل في بيته: لا والله وبلى والله، وان حلف الانسان على امر ماض صادق فيه فهو بار في يمينه فان كان كاذبا فهي اليمين الغموس وقد سميت باليمين الغموس لانها تغمس صاحبها في الاثم ولا كفارة لها الا التوبة والندم وليحذر المسلم من اليمين الغموس لان فيها وعيداً شديداً في القرآن والسنة اختصم الاشعث بن قيس هو ويهودي في ارض، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام للاشعث: ألك بينة؟ قال لا، قال: فلك يمينه، قال الاشعث: اذا يحلف ويأخذ مالي فنزلت الآية الكريمة: (ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم), وقال صلى الله عليه وسلم من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه لقي الله وهو عليه غضبان قالوا: وان كان شيئا يسيرا يارسول الله قال: وان كان قضيبا من اراك .
ايها المسلمون: بعد ان عرفنا اليمين التي تجب فيها الكفارة والتي لا تجب ، فالمراد بالتكفير اذا اراد الانسان ان يخالف ما حلف عليه او خالفه وكان ذاكرا مختارا مكلفا، ولم يقل في يمينه ان شاء الله فان قال ان شاء الله او خالف يمينه ناسيا او مكرها فلا شيء عليه.
والكفارة معناها محو الذنب ومغفرتها والمراد بها اطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من وسط طعام البلد يسلم لهم تملكا او كسوتهم فيكسي كل مسكين ما يكفيه في صلاته او تحرير رقبة فان لم يجد واحدة من هذه الثلاثة فيصوم ثلاثة أيام يخير الإنسان بين الثلاثة وبين الثلاثة والصيام على الترتيب قال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارة اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام ذلك كفارة ايمانكم اذا حلفتم .
فالذي ينبغي للمسلم ان يحفظ يمينه بالبر والتقوى وعدم الاكثار منها والكذب فيها والتكفير اذا وجبت الكفارة,, قال تعالى: (واحفظوا ايمانكم) وقال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم) (224) وقال صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيم ولهم عذاب أليم وذكر منهم الرجل الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذبة فلا يبيع الا بيمينه ولا يشتري الا بيمينه وعلى المسلم ان لا يحلف الا على خير فلا يحلف على فعل محرم او ترك واجب او فعل مكروه كقطيعة رحم وعدم فعل الخير، فان فعل ذلك فلا ينفذ بل يُكفِّر، قال صلى الله عليه وسلم: اني لاحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها فآتي الذي هو خير واكفر عن يميني وقال تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا اولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم 22 ).
أيها المسلمون: ان المخلوق لا يجوز ان يحلف بغير اسماء الله وصفاته من المخلوقات لان الحلف بغير الله يتضمن تعظيم المحلوف به، ولا يجوز تعظيم احد بهذه الصورة الا الله فالحلف بغير الله يخل بالعقيدة، جاء يهودي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انكم تشركون وتنددون تقولون ماشاء الله وشئت، وتقولون والكعبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ان يقال ورب الكعبة وما شاء الله ثم شئت، لان الواود تقتضي المساواة في الدرجة ولا احد في درجة الله وفهم اليهودي لهذا الشرك لكونه له هوى والا فهو في كفر اكبر وشرك اعظم, قال صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت والحلف بغير الله ينافي كمال التوحيد اذا لم يقصد الحالف تسوية المحلوف به بالله، فإن قصد ذلك فهو مناف للتوحيد ولقد نبه محمد بن عبدالوهاب على هذه المسألة في دعوته التي حماها آل سعود جزى الله الجميع خيرا.
ومما هو شائع في ألسنة كثير من المسلمين من الحلف بغير الله كقولهم ، وحياتك ، والكعبة ، والشرف، ورأسك، والنبي، ونحو ذلك.
فعلى من يفعل ذلك لكونه اعتاده لسانه او جاهلا او قاصدا ان يتقي الله ويترك كل ما يخل في عقيدته بالله والرجوع الى الحق فضيلة والتمادي في الباطل رذيلة, نسأل الله ان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وان يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم225 ).
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved