Friday 30th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 14 محرم


شخصيات قلقة
يوكيو ميشيما
قناعة بالغة بالانحياز للثقافة اليابانية

تصلح حياة الاديب الياباني يوكيو ميشيما لأن تكون عملاً ادبياً بجميع المقاييس فقد ولد ميشيما في يناير من عام 1925 ومنذ ذلك التاريخ والأحداث الدرامية تتوالى في حياته على نحو مدهش فقد أصرت جدته لأبيه على انتزاعه من أمه لتربيته وفقاً لتقاليد الساموراي التي كانت عائلتها تنحدر منها وهكذا بدأ في رحلة المعيشة داخل غرفة مغلقة ملتصقاً بجدة تغلفها رائحة المرض والشيخوخة، بينما يحاصره هو مرض التسمم الذاتي بفعل ابتعاده عن امه, ولا يبرأ كاتبنا من هذا المرض الا بعد ان اصبح رجلاً بالغاً لكنه حتى بعد ذلك يبدي ميولا واضحة للقسوة على النفس، فهو على ايمان شديد بتقاليد الساموراي وعلى قناعة بالغة باالانحياز للثقافة اليابانية التي رأى الغرب غير قادر على فهمها.
كتب ميشيما العديد من الاعمال منها غابة الأزاهير والمسكن واعترافات قناع وثلاثية ثلوج الربيع والخيول الهاربة ومعبد الفجر وكان قد قرر منذ مطلع شبابه ان يجعل من حياته قصيدة كما ورد على لسانه، فلم يبخل بشيء على فن الكتابة والأدب ولا حتى بحياته نفسها، فعلى الرغم من انتحاره على طريقة الساموراي (الهاراكيري) في 25 نوفمبر عام 1970، اي وهو في الخامسة والاربعين من عمره الا ان يوكيو ميشيما كان هكذا قد انجز مشروعه الأدبي والمعرفي الخاص وحقق الشهرة العالمية التي يحلم بها اي كاتب، فقد اقدم على فعلته وهو في عز مجده الأدبي وهو واحد من ابرز المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب وكان بذلك يضع نهاية ادبية للقصيدة القلقة اي لحياته نفسها وقد ارتكب فنانون كثيرون جريمة الانتحار الا ان الحال يختلف مع ميشيما فلم يكن يعاني مرضاً عصبياً او نفسياً قاده الى ذلك بل لم يكن دافعه شخصانياً بحتاً بل نفذ انتحاره وهو على وعي شديد بالطقوس المفترضة له واراد بهذا الاختيار ان يربط تصوره الخاص لنهايته بتراث العادات والتقاليد اليابانية المتوارثة.
سوف يظل ميشيما من اكثر الشخصيات الأدبية المعاصرة قلقاً وادهاشا فقد كان استاذاً في فن المفاجأة والقسوة بل انه قد نجح في احتراف الكاراتيه الذي تعلمه في سن الواحدة والاربعين بعد ان انضم الى القوات اليابانية المسلحة مع انه كان ذا بنية ضئيلة وصحة رديئة بفعل مرضه القديم لكنه سرعان ما اكتسب عضلات وبنية رياضية مدهشة وكوّن ميليشيا اراد بها قلب نظام الحكم ليستعيد العسكريون سلطتهم في الدولة لكنه فشل في اقناع بقية الجنود وبعد ان القى خطبة طويلة يحثهم فيها على التمرد انتحر ميشيما بطريقة الهاراكيري ومعه رفيقه العسكري موريتا وهكذا رحل هذا القادم من غابة الاسرار كالتميمة بطريقة طقسية ودرامية دوى العالم على اثرها من اجل هذا المبدع الشاب الملغز وهكذا ايضا وصل ميشيما الى منتهى غرابته او ماروشيته وصل لمنتهى العشق في الموت الذي قال عنه كانت تصيبني رعشة مع لذة غريبة حينما كنت افكر بموتي كنت اشعر انني ملكت العالم بأسره ,,,؟!.
لقد عاش ميشيما حياة غنية انتج خلالها عدداً غزيراً من الروايات - كما كتب الشعر والمسرحية وقد اراد الانتهاء فعلياً والاخلاص للتقاليد القديمة ولصورة الساموراي التي كانت تجسد بالنسبة اليه رمز الهوية الحقيقية لليابان كما اراد ان يصبح كاتباً ويتوغل في اعماق النفس البشرية وفي حدائق الاسرار والخيال وكانت النتيجة ان مزج الرغبتين وعاش كاتباً من نوع خاص مرتكزاً على تراث اصيل وغارق في القسوة ومات كساموراي ادبي - لو جاز التعبير - تلبسه الرمز فجسده كتابة وصنع بدمائه الحروف الاخيرة من قصيدة خالدة اختلطت فيها الوقائع الحياتية بالاستيهامات المرضية والفنية كما اختلطت فيها الغايات النبيلة- سواء الوطنية منها او الشخصية - بالمشاعر الأليمة المتطرفة.
,, في تلك الليلة فكرت جديا في الانتحار لأول مرة في حياتي ولكن وانا افكر فيه كانت الفكرة تتحول الى شيء مرهق للغاية، وأخيراً قررت انه امر مضحك، لقد كان لدي نفور غريزي من الاعتراف بالهزيمة بل اني قلت لنفسي انه لا حاجة بي الى الاقدام على مثل هذا العمل الحاسم ليس وانا محاط بهذا الحصاد السخي من كل هذه الانماط من الموت (,,,) لم يكن يبدو لي الموسم ملائماً للانتحار، وبدلاً من ذلك كنت انتظر شيئاً ما يسدي لي معروفاً
ويقتلني,, ,
اعترافات قناع - يوكيويشيما
(سيرة ذاتية)
نورا أمين

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved