Thursday 13th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 27 محرم


قضية للنقاش
انتخابات شعبية بمعطيات ديكتاتورية
رضا محمد لاري

تدلل استطلاعات الرأي في اسرائيل التي تسبق عادة الانتخابات الرسمية بأن بنيامين نتنياهو فقد القاعدة الجماهيرية التي ارتكز عليها في عام 1996، وأوصلته الى سدة الحكم في تل ابيب.
لم يحظ بنيامين نتنياهو بأغلبية ساحقة حتى سنة 1996م على منافسه شيمون بيريز وإنما كانت الاصوات منقسمة بينهما بالتساوي، وفجأة حصل زعيم حزب تجمع الليكود على عشرين الف صوت جاءته من السماء بالثوب العربي الذين صوتوا معه نكاية بمن ورث رئاسة الوزارة من اسحاق رابين، لما ارتكبه من جرم ضرب مدينة قانا اللبنانية بقنابل عناقيد الغضب التي نسميها عناقيد الحقد.
لم تنفع مؤشرات استطلاعات الرأي المتعاقبة شيمون بيريز في ذلك الوقت على الرغم من ان مؤشراتها كانت تدلل بصورة قاطعة على نجاحه والفوز برئاسة الوزارة الاسرائيلية، ولم تضر تلك المؤشرات بنيامين نتنياهو التي كانت تستبعد فوزه بالسلطة والحكم لأن الانتخابات الشعبية الرسمية جاءت به الى سلطة عرجاء تتطلب تشكيل الوزارة من خلال الائتلاف مع الاحزاب الصغيرة ذات المقاعد البرلمانية القليلة او مع حزب العمل الذي كان ينافسه على السلطة والحكم.
رفض بنيامين نتنياهو الائتلاف مع حزب العمل حتى لا يشاركه في الحكم واختار الاحزاب الصغيرة حتى يتحكم فيها باعطائها الحقائب الوزارية التافهة وإلزامها على القبول بسياساته المختلفة وتحولوا الى حاشية للديكتاتور رئيس الوزارة بدلاً من ان يكونوا معاونين له يشاركونه في الحكم بالحوار وتبادل الرأي.
ممارسة بنيامين نتنياهو الاسلوب الديكتاتوري في الحكم لم يؤد فقط الى خروج وزيرين من وزارته الائتلافية ديفيد ليفي وزير الخارجية واسحاق مردخاي وزير الدفاع، وانما حقق ايضا انعدام ثقة الاحزاب الصغيرة في رئيس الوزارة بنيامين نتنياهو وحزبه تجمع الليكود على الرغم من مشاركتها في الحكومة الائتلافية.
انعكست انعدام الثقة في داخل الحكومة على الشارع الاسرائيلي وزاد من فورتها ثورة الامهات على ارسال ابنائهم الى القتال وتمرد الفقراء على شظف العيش وحوارات المثقفين العلنية ضد الحكومة الرافضة للسلام والمستمرة في الحرب بكل ادرانها على مقدرات الحياة, جاء نتيجة لكل ذلك انفضاض الناس من حول بنيامين نتنياهو حتى اصبح موقعه مع منافسيه في استطلاع الرأي العام عليهم في اذيال الجميع بما يدلل برحيله من السلطة ونهاية المصيره السياسي، ايذاناً بنهاية حقبة حكم قصيرة استمرت لثلاث سنوات وتميزت بالعنف والاصرار على الخطأ وتحدي رغبات الناس ونقض المعاهدات الدولية والخروج على الارادة الدولية والمخالفة لكل احكام القانون الدولي العام, تحت وطأة الاحباط من الموقف الشعبي العام ضده الذي وصل به الى مراحل اليأس من الفوز مرة اخرى برئاسة الوزارة الاسرائيلية وادراكه التام بان خروجه من موقع السلطة سيجعل كل الناس يتفلون على وجهه لإضراره المتعمد بمصالحهم بادخال بلادهم في موارد التهلكة، ودعس مصالحهم ليكونوا ضعفاء دائماً امام صاحب السلطة ومالك الحق في اتخاذ القرار حتى ينفرد بهما بدون التدخل من احد في الكنيست بالبرلمان المنصرف الى الصراعات السياسية وفي الشارع المهتم بالجري وراء لقمة العيش.
ديكتاتورية بنيامين نتنياهو في معالجة المواقف دفعته الى طرد جميع الافراد المكلفين بادارة الحملة الانتخابية له وبادر الى ان يتولى بنفسه ادارة حملته الانتخابية وهي ظاهرة لا يعرف لها سابقة في كل التاريخ الديمقراطي على الأرض.
إذا عرفنا ان الديمقراطية مسلك حضاري لا يتجزأ لادركنا بان الديكتاتورية تصرف همجي لا يتغير وبالتالي لا يتنازل عنها المتمتع بها بمحض اختياره وارادته ومحاولة الخلط بين الديمقراطية والديكتاتورية هو عبث سياسي يؤدي في نتائجه الى تغييب الديمقراطية تماماً وتفرض مزيداً من العنف الهمجي بالمسلك الديكتاتوري.
وفي ظل عدم فهم بنيامين نتنياهو لمعطيات الفكر الديمقراطي اخذ يلجأ الى ممارسة سياسة العنف الديكتاتوري من موقعه في السلطة ليجني اصوات الجماهير ويدفعهم الى الالتفاف حوله بدافع الخوف من السلطة ليحقق باللعبة الديمقراطية الفوز برئاسة الوزارة من خلال الانتخابات الشعبية المباشرة التي اصبحت تطرق الابواب بشدة في اسرائيل.
وعلى الرغم من عدم الالتقاء بين الديمقراطية والديكتاتورية فإن بنيامين نتنياهو سيعمد الى نهجين استفزازيين في ادارة حملته الانتخابية بنفسه اغلاق بيت الشرق في القدس، مواصلة ضرب لبنان تعزيزاً لاحتلال الجنوب اللبناني.
اغلاق بيت الشرق في القدس يستهدف اغتيال رغبة الفلسطينيين في اتخاذ القدس عاصمة للدولة الفلسطينية واخذ بنيامين نتنياهو يرسل البلدوزرات لهدم المنازل الفلسطينية وتشييد المساكن اليهودية لتبديل هوية المدينة المقدسة من مدينة مفتوحة تحتضن الاديان السماوية الثلاثة الى مدينة يهودية تحافظ على مقدسات اليهود وتنتهك المقدسات النصرانية والاسلامية، وهو بذلك يدغدغ مشاعر وعواطف القلة من اليهود المتعصبين والمتشددين ويستفز الاغلبية الساحقة من النصارى والمسلمين في العالم دون ان يعبأ بردود الفعل العنيفة على هذا الاستفزاز من خارج اسرائيل لانه قادر على قمع المعارضين لسياسة تهويد القدس في داخل اسرائيل.
موقف بنيامين نتنياهو من قضية الجنوب اللبناني تنم بوضوح عن مسلكه الديكتاتوري لأن غالبية الشعب الاسرائيلي يريدون الانسحاب من لبنان حفاظاً على ارواح الابناء التي تهدر على ارض تحتلها اسرائيل,, غياب الالتزام بالديمقراطية جعل رئيس الوزراء الحالي بالكرسي المرتج من تحته يعلن بانه سيواصل احتلال الجنوب اللبناني ولن يتردد للحظة في ضرب بيروت اذا كان هذا الضرب للعاصمة اللبنانية ما يحفظ بقاء اسرائيل في الجنوب اللبناني رغم انف غالبية الشعب الاسرائيلي وارضاء للمتشددين اليهود الذين يرون في الوجود العسكري الاسرائيلي على ارض الجنوب اللبناني سياجاً امنياً للوطن القومي اليهودي فوق ارض الميعاد, كل هذه التصرفات الديكتاتورية التي يقوم بها بنيامين نتنياهو قد تحجب عنه الوصول الى السلطة، وقد تدفعه الى مواصلة الاستمرار في السلطة لان الديمقراطية الاسرائيلية غير حقيقية وتدور داخل دوائر فكر سياسي عنصري يؤمن بتميز اليهود عن بقية خلق الله على اعتبار انهم شعب الله المختار فلا يتساوون مع الاغيار من غير اليهود سواء كانوا من المواطنين الاسرائيليين او من غير المواطنين بها.
ركائز التفكير في حزب تجمع الليكود يفرق بوضوح بين اليهود أنفسهم على اساس عرقي فيرفع من الاسكنازين علية اليهود الذين يجدون محتدهم في اوروبا ويتمتعون في داخل اسرائيل بالسلطة والجاه والمال وبين السفرديم الذين ينحدرون من اصول شرقية ويكلفون بالاعمال الكتابية التلقائية والتافهة في الدواوين الحكومية ومحرومون من السلطة والجاه والمال ويعيشون في ضنك داخل الفقر بالراتب القليل والعمل المضني والاسعار العالية السائدة في الاسواق.
وتفرق النظرة العرقية الضيقة المستندة الى العقيدة الدينية بين الاسكنازين والفرديم من ناحية وبين يهود الفلاشا بأصولهم الزنجية التي تخسف بمكانتهم الاجتماعية ويعطون فرصا وظيفية تختص برفع القمامة من الشوارع وكل ما يرتبط بذلك من تنظيف بأجور تتدنى عن إشباع اقل الاحتياجات للانسان مما جعل منهم مواطنين مسحوقين في داخل المجتمع الاسرائيلي.
بجانب هذه التفرقة العرقية التي تعطي المواطن الاسرائيلي درجات متفاوتة المكانة الاجتماعية تقوم تفرقة فكرية تعكس الصراع الدائر بين اليهودية العقيدة الدينية وبين الصهاينة الملحدين بالله والمرتدين عن العقيدة اليهودية على مسرح العلمانية الذي فرضه الفكر الصهيوني الذي قام على اكتافه مولد الدولة الاسرائيلية.
يحاول بنيامين نتنياهو ان ينفذ الى السلطة بالجمع بين الفكر الديني بكل ما يرتبط به من تشدد مخل بالعقيدة اليهودية وبين الفكر الصهيوني الذي يستند في فلسفته الى العقيدة الدينية ويخرج منها بمسلكه السياسي الذي لا يؤمن بالله ويدعو اليهود من الشباب الى الخروج عن اليهودية والدخول في الصهيونية لان المعطيات الغيبية في العقيدة الدينية لا تنسجم مع طبيعة الحياة المادية المعاصرة.
يتعمد بنيامين نتنياهو ان يتظاهر بالرجل المتدين الذي يقف امام حائط المبكى ويتلو كلمات من التوراة وعلى رأسه الطاقية اليهودية التقليدية المثبتة في مؤخرة الرأس ويهتز الى الامام والخلف من فرط الخشوع في نفس الوقت الذي يسرع بالخطى على جادة الطريق الصهيوني ليحقق لنفسه الانتماء الى الحياة المادية المعاصرة ليكسب الانصار من الفريقين المؤمنين والملحدين بالله وهو ما يقربه من البقاء في سدة الحكم والاستمرار في ممارسة السلطة, لا يختلف رئيس حزب العمل يهودا باراك عن بنيامين نتنياهو في ازدواج الشخصية التي تجمع بين التدين والالحاد مما سيفرض منافسة قوية وشرسة على رئاسة الوزارة الاسرائيلية,, وان كنا نميل الى ازدياد احتمالات فوز رئيس حزب العمل على احتمالات فوز رئيس حزب تجمع الليكود الا ان هذا الميل من جانبنا لا يلغي قلب الموازين التي قد تصل بالاضعف الى السلطة وتخرج الاقوى منها لغياب قواعد الديمقراطية الصحيحة في اسرائيل بفقدان المواطن لحريته المطلقة في الاختيار بتأثير الضغوط عليه من كافة الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
اريد ان اقول لو وصل بنيامين نتنياهو الى الفوز في الانتخابات الشعبية القادمة وحافظ على موقعه الحالي في السلطة فإنه لن يتمتع بالاغلبية المطلقة ولن يحصل على مجمل الاصوات التي حصل عليها في انتخابات عام 1996م وسيجد نفسه مضطراً الى المفاضلة بين حزب العمل وبين الاحزاب المتعددة لتشكيل الوزارة الائتلافية.
نستبعد تدخل امريكا في الانتخابات الشعبية الاسرائيلية كما فعلت في الانتخابات الماضية ونستبعد ايضا استفادة العرب والفلسطينيين بمواقف اسرائيلية افضل لأن من يأتي الى السلطة سيواصل عدوان اسرائيل على حقوق العرب والفلسطينيين لانها تتعارض مع مصالح اسرائيل.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
استطلاع
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved