Friday 14th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 28 محرم


الحلم والحلماء
د, محمد بن سعد الشويعر

الحلم خصلة من الخصال الحميدة التي اشتهر بها قوم من العرب، ومدحوا بها، وتناقل الناس أخبار من يتصف بهذه الخصلة، فكانت منقبة من المناقب الحميدة، فجاء الاسلام ليؤصل هذه الخصلة ويحلها المكانة اللائقة بها في المجتمع، حثاً وترغيباً بالكتاب والسنة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمة الحلماء حيث عرف عنه رحابة الصدر، والعفو عند المقدرة، واتصف بمكارم الاخلاق كلها,, وقال: ان الله يحب مكارم الاخلاق والحلم خصلة من مكارم الأخلاق، ويكفي صاحبه فخراً أن الله جعل من اسمائه الحسنى الحليم، فهو سبحانه يحلم على عباده ويعفو ويغفر وجاء ذكر الحلم وإثباته لله سبحانه إحدى عشرة مرة، فمرة يقترن بالمغفرة، ومرة بالعلم، ومرة بالغنى، كما وصف الله الأنبياء بالحلم في عدة مواضع من كتابه الكريم في ردّ على من وصمهم بالسفه والجهل، بالحلم والرشد يقول سبحانه: والله غفور حليم والله غني حليم والله عليم حليم والله شكور حليم .
وفي التعريف اللغوي: جاء في لسان العرب: الحِلم بالكسر: الأناة والعقل، وجمعه أحلام وحلوم، وجاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: ليلِني منكم أولو الاحلام والنّهى , اي ذوو العقول، والحلم هو الأناة والتثبت في الأمور، وذلك شعار العقلاء، والحليم في صفات الله عز وجل معناه: الصبور، وقيل معناه الذي لا يستخفه عصيان العصاة، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه سبحانه جعل لكل شيء قدراً فهو منته اليه، وفي قوله سبحانه: انك لأنت الحليم الرشيد ]87 هود[, قال الأزهري: جاء في التفسير انه كناية عن انهم قالوا: انك لأنت السفيه الجاهل,, وقيل انهم قالوه على جهة الاستهزاء قال ابن عرفة: هذا من اشد السباب عند العرب ان يقول الرجل لصاحبه اذا استجهله: يا حليم، اي انت عند نفسك حليم، وعند الناس سفيه ]لسان العرب حرف الحاء[.
اما عندما يأتي مثل من الامثال كما في مجمع الامثال: فإننا نرى بعض العلماء يعلقون على هذه الخصلة بأنها من الخصال العزيزة، التي يندر وجودها في الناس، يقول الحسن البصري في مجمع الأمثال: ما نعت الله الأنبياء، نعتاً اقل مما نعتهم به من الحلم فقال سبحانه: ان ابراهيم لحليم اواه منيب ]75 هود[ وقال أبو عبيدة: يعني ان الحلم عند الناس عزيز ]1: 220[.
وروى عن الحسن البصري في قوله تعالى: واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ]63 الفرقان[ قال: حلماء ان جهل عليهم لم يجهلوا, وقد أورد الغزالي في كتابه الاحياء: باباً سماه الموقوف على الحلم أورد فيه آيات لم يأت فيها النص على الحلم، ولكن لها مساس بالحلم من حيث المعنى، فظاهرها تعني عدداً من الفضائل، يستنتج الباحثون في مدلولها ]احياء علوم الدين: 3: 173[ ان الله جلت قدرته يحث عباده على الاعمال الحسنة، مثل: العفو عند المقدرة، وضبط النفس، وكظم الغيظ، وعدم السفه في الحديث مثل قوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين ]133 - 134 آل عمران[.
ثم يقول الغزالي بعد الاستفاضة في تعداد الآيات التي تحث على مكارم الأخلاق، واعتبرها هو من الدليل على الحلم: قال بعض العلماء: الحلم أرفع من العقل، قيل له: ولِمَ ذلك؟! قال: لأن الله تعالى تسمّى بالحلم، ولم يتسمّ بالعقل,.
ويرى بعض اللغويين ان ضد الحلم السفه والسفاهة، حيث يوصف الرجل بالسفيه، لكن تعبير الفقهاء ان السفيه الذي يحجر عليه، هو الذي لا يحسن التصرف في ماله وقد تكون الحماقة الصق بالمعنى المقصود ضد الحلم لأن الأحمق اشمل من السفيه، فقد يكون السفيه سفيهاً لصغره فهو لا يحسن التصرف لهذا السبب، ولكن كلما كبر كمل عقله، وادرك ما يجب له وعليه، فهو يتغير من حال الى حال احسن منها، فقد يرشد السفيه، ليدفع اليه ماله، ويترك له التصرف يقول سبحانه: فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم اموالهم ]6 النساء[ وهذا في حق اليتامى.
اما الحماقة فقالت عنها العرب
لكل داء دواء يستطبّ به
الا الحماقة أعيت من يداويها
مما نستنتج منه ان الحماقة خصلة تستوطن في صاحبها، ولا تتبدل بالتعلّم والمران، وكذا الحلم هبة من الله سبحانه لمن يشاء من عباده، دون أن تؤخذ تطبّعاً، كما جاء الحديث الصحيح في قصة الأشجّ حيث روي انه رضي الله عنه، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأناخ راحلته، بجوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عقلها، وطرح عنه ثوبين كانا عليه، وأخرج من متاعه ثوبين حسنين فلبسهما - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر اليه وما يصنع - ثم اقبل يمشي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدوء وسكينة، وسلم على رسول الله وجلس,, فقال له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: يا أشجّ انك فيك خصلتان - أو خلتان - يحبهما الله ورسوله قال: ما هما بأبي انت وامي يا رسول الله؟!, قال: الحلم والأناة، فقال يا رسول الله: خلتان تخلقتهما او خلقان جبلت عليهما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل خلقان جبلك الله عليهما .
فقال الأشجّ: الحمدلله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.
وقد جاء في كتاب احياء علوم الدين عند الغزالي في الحلم احاديث، بعضها فيه ضعف ولكن بعضها يعضد بعضاً، وبعضها ينسب لبعض علماء السلف مثل القول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟, فيقوم ناس وهم يسير، فينطلقون سراعاً الى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم: ما كان فضلكم؟, فيقولون: كنا اذا ظُلمنا صبرنا، واذا اسيء الينا عفونا، واذا جُهل علينا حلمنا,, فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين .
وروي أنه قال: ان الله يحب الحليم الحيي الغني المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء وقال: اشدكم من غلب نفسه عند الغضب واحلمكم من عفا عند المقدرة وقال: اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم، ولينوا لمن تعلّمون ولمن تتعلمون منه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فيغلب جهلكم حلمكم وروي ان من دعائه صلى الله عليه وسلم: اللهم اغنني بالعلم وزيني بالحلم واكرمني بالتقوى وجملني بالعافية وقال عليه الصلاة والسلام: ابتغوا الرفعة عند الله، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك وقال خمس من سنن المرسلين: الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر , وروي قوله: ان الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم .
وقد ورد في الحلم كلمات كثيرة يجدها المتابع لكتب التراجم وكتب الأدب منها ما ينسب للصحابة ومنها ما ينسب لأناس شهروا بالحلم والأناة في تصرفاتهم وسائر امورهم، ومنها ما جاء في موطن بعينه ومنها ما ارتبط بمثل عربي.
فقد روي عن الجاحظ قوله: لم تر العيون ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول عملاً اجتباه ذو عقل او اختاره ذو علم بأوبأ مغبة ولا انكد عاقبة ولا اشد خلافاً على الحلم من التكبر في موضعه والتنبّل في غير كنهه.
وينسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: تعلموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والحلم، وقال: لا حلم احب الى الله من حلم امام ورقته، ولا جهل ابغض الى الله من جهل امام وحدّته وروي انه احضر بين يديه رجل سكران، فأمر ان يمد ليضرب فشتمه السكران، فرجع عمر عنه فقيل له لم تركته يا امير المؤمنين، لما شتمك؟ قال: لأنه لما شتمني غضبت، فلو ضربته لكان ذلك لغضبي لنفسي لالربي ويروى مثل هذا القول لعلي بن ابي طالب لما امكنه الله من عمرو بن ودّ، فبصق في وجه علي, وعلي رافع السيف ليقتله فتركه قلما قيل له في هذا قال: خفت ان يكون قتلي له من اجل الانتقام لنفسي فيذهب أجري.
ولما كان عنوان الموضوع الحلم والحلماء فان ما قيل في الحلم ومكانته كثير جداً ولكي نحقق دلالة العنوان فانه يجدر بنا ان نورد بعضاً من المواقف التي مرت برجال عرفوا بالحلم، والأناة حيث يقول الجاحظ: ان العرب وصفوا بالحلم، وانهم يتمارون بهذه الخصلة، وفي الاشعار ذكر حلم لقمان وابنه لقيم بن لقمان كما ذكروا حلم الأحنف بن قيس وقيس بن عاصم ومعاوية بن ابي سفيان وحصن بن حذيفة وزرارة بن عُدُس وحاجب بن زرارة والمهلب بن ابي صفرة وقال: وما رأينا ممن ذكرنا حظي بذكر الحلم كما حظي به الاحنف, وما رأينا هذا الاسم التزق والتحم على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس ولو ان الاحنف رأى حاجب بن زرارة او زرارة بن عُدس او حصين بن حذيفة لقدّمهم على نفسه ]الحيوان 2: 246[.
ولا نميل مع القول بأن الحلم المثالي فضيلة عربية اختفت بعد ظهور الاسلام، فان الجزيرة العربية عرفت في عصرها الحاضر والماضي برجال عرفوا بحلمهم، ونظرتهم البعيدة للأمور وصبرهم وأناتهم ومجازاة الاساءة بالاحسان والعفو عند المقدرة.
**************
من حلم الملك عبد العزيز
ومن هؤلاء الملك عبد العزيز رحمه الله وقد ذكر فهد المارك في كتابه من شيم الملك عبد العزيز كثيراً من المواقف التي يحلم فيها عبد العزيز ويحسن ويعفو، ويكافىء المسيء بدل الانتقام منه وغيرها من الأمور المقرونة بالنموذج الحي فمن ذلك:
ما رواه عن الأمير عبد الله الفيصل كما يلي: هناك رجل من قبيلة عتيبة يدعى تركي بن مشعان بن شليويح قتل شخصاً من ابناء قبيلته، ولاذ بالفرار مختبئاً في جبل من جبال نجد يقال له: كشب وقد ظل سنتين متوارياً في رأس هذا الجبل دون ان تستطيع السلطة العثور عليه ولا عجب في ذلك لان هذا الجبل فسيح الارجاء وله كهوف ومخابىء وغيران وافرة ومتعددة ومع هذا فقد ضاقت به الارض بما رحبت واصبح شبح جريمته يطارده في يقظته وحتى في منامه، بل اصبح يرى ان خوفه من الخوف اثقل على حياته من الخوف الذي يخشاه وهكذا جاء القاتل الى الأمير عبد الله الفيصل في منزله، كما يأتي اليه اي انسان، وقد كان الأمير ذلك الوقت وكيلاً لوالده نائب الملك في الحجاز، وبعد ان سلم الجاني على الأمير طلب منه ان يسمح له بالحديث داخل المنزل، فأذن له الأمير عبد الله، وحينما اطمأن تركي بن مشعان بأنه دخل في عرين الاسد عندئذ صارح الامير بأنه فلان الهارب من العدالة، وهناك وجد الامير نفسه محرجاً بين قيامه بتنفيذ مسؤوليته بصفته حاكما يلزمه الامر أن يتخذ نحو الرجل ما تحكم به عليه العدالة والشريعة الاسلامية وبين ما تفرضه العادات والتقاليد العربية التي توجب حماية العربي لمن يلوذ بجواره، مهما عظم جرمه وكبرت خطيئته.
وقد اتخذ الأمير ما يوفق بينهما فحمل الأمير المجرم المستجير في سيارته وذهب به فوراً الى منزل جده الملك عبد العزيز الذي كان يقيم في جدة، وكان الملك قد اوى الى غرفة نومه ليأخذ راحته وقد اخبر الملك بمجيء حفيده فأذن له بالدخول واثقاً ان مجيئه في هذا الوقت لا بد ان يكون وراءه ما وراءه، فبادر الملك ابنه بقوله: وش فيها؟ فقال الأمير: انا مبتلى وجئتك لتزيل كربتي, فقال وما هو الأمر, فعرض عليه الأمر بكامله كما حصل, فقال الملك: شف يا ولد نحن ما اعزنا الله إلا بإقامة الحدود الشرعية والشرع لو حكم على اي انسان كبير ما تأخرنا عن تنفيذ الحكم فيه ولكن انت استدع اولياء المقتول واعطهم من المال ما يرضيهم واطلبهم ان يسقطوا حق القصاص، واذا سقط حق القصاص عنه فأنا عاف عن الحق العام واذا لم يرضوا سلمه لهم يقتلوه, فاستعمل الأمير مع اولياء المقتول مختلف الوسائل حتى ارضاهم فجمع بين العدل الذي قامت عليه دعائم حكم ابن سعود وبين العفو الذي كان من ابرز شيم موحد جزيرة العرب.
وبعد ان اقنعهم وارضاهم وطلب منهم ان يعتبروا تنازلهم عن القصاص استجابة لرغبته وجميلاً منهم يعترف به لهم فلم يسع اولياء القتيل الا ان استجابوا لطلب الأمير للمبررات التي ذكرت وقبلوا الدية فدفعها لهم الأمير حتى ارضاهم واطلق القاتل حيث تم الوفاق بين العدل والعفو معاً, ]من شيم الملك عبد العزيز 2: 85 - 90[ وحكايات عفو عبد العزيز وحلمه وأناته في معالجة الأمور عديدة بمواقفها المتعددة التي اثبت المارك منها العديد.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
المتابعة
أفاق اسلامية
المزهرية
الرياضية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved