إن من اصعب اللحظات على الانسان ان ينعى اليه شخص عزيز عليه اثير على نفسه وكيف اذا ما اجتمع مع ذلك ان تكون محبة هذا الشخص وتقديره مكان اجماع السواد الأعظم من الناس.
لقد كان لنبأ وفاة سماحة والدنا وشيخنا العالم الزاهد العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وقع كبير على نفسي وانا من هول الصدمة لا اكاد اصدق ما سمعت, وأخذ شريط الذكريات يستعرض ما اختزنه عن هذا الرجل العظيم لقد عرفت سماحة الشيخ منذ الصغر حيث عرفته من خلال جدي - رحمه الله - ووالدي- حفظه الله- وبعض اقاربي حيث كانت تربطه بجدي وبعض اقاربي علاقة معرفة وصداقة ولا زلت اذكر بعض المواقف التي جمعتني بسماحته هذه المواقف التي تؤكد على ريادة هذا الرجل وعلمه وفضله وزهده وانسانيته.
واذكر ذات مساء وكنت ابن ستة عشر عاماً تقريباً وكنا في مناسبة اجتماعية فاستأذنت من الشيخ وقرأت بين يديه حديث بدأ الاسلام غريباً وذكرت بعض ما يدل عليه هذا الحديث وربطته بالواقع المعاصر للمسلمين فسر الشيخ كثيراً بالرغم من حداثة سني وتقبل بصدر رحب ما قلت وعلق عليه تعليقاً لطيفاً مفيداً ولم يستنكف وهو العالم الكبير ان يلقي بين يديه فتى غر ليس له من التجربة والعلم ما يؤهله لحضور مجلس الشيخ فضلاً عن الكلام بين يديه بل ان - رحمه الله- اغتبط بذلك ودعا لي وحثني على المواصلة في طلب العلم.
وكم من المواقف التي رأيتها اثناء حضوري لدروس سماحته ومحاضراته سواءً في الجامع الكبير في الرياض او في غيره مع طلبة العلم وغيرهم وتحمله - رحمه الله - الكثير من العنت والأذى في سبيل ذلك وهو لا ينفك عن النصح والتوجيه والملاطفة والدعاء بالصلاح والهداية.
ان الشيخ ابن باز علم من اعلام هذا القرن ومن مجدديه لقد سلك - رحمه الله - نهجاً علمياً مؤسساً على النهج الاصيل للدعوة السلفية المباركة التي احياها الامام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وان اثر الشيخ ابن باز -رحمه الله- في نشر هذه الدعوة في اصقاع الارض اثر كبير حتى انك لا تصل الى بلد من بلاد الدنيا الا وتسمع ذكر الشيخ وعلمه وفضله,,
وان لمدرسة الشيخ اثرا كبيرا في نشر السنة والاهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد تأثرطلبة العلم المعاصرون والجامعات الاسلامية بنهج الشيخ ومدرسته في الاهتمام بتحقيق الآراء والفتاوى واعتمادها على السنة الصحيحة المأثورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما ان للشيخ فضلاً كبيراً في صد كثير من الفتن التي عصفت بهذه الأمة خلال حياته - رحمه الله - كما كان له يد طولى في توجيه شباب المسلمين الوجهة الشرعية السليمة والنأي بهم عن مزالق الغلو وانحراف الجماعات والأحزاب والفرق الضالة.
وقد كان دؤوباً على النهج والتوجيه وبيان المنهج الحق بكل ما أوتي من قوة وبكل ما استطاع من وسيلة، واذا نظرت الى وقته - رحمه الله - وكيف ان الله سبحانه بارك فيه فانك ترى العجب العجاب حيث يصرف وقته كله في سبيل الله كتابة وقراءة وسماعاً واجابة سائل في الطريق وفي المسجد وفي السيارة وعلى الهاتف في مكتبه ومنزله وفي جميع الأوقات.
ان الحديث عن الشيخ وفضله لا يمكن ان يستوفى في مقال او حتى في كتاب فالشيخ - رحمه الله - ظاهرة فريدة تستحق المزيد والعديد من الدراسات والبحوث ولكنها كلمة حرى خرجت من قلب مكلوم بهذا المصاب الجلل والخطب الفادح والا فالحديث عن علم الشيخ وزهده وورعه وثباته في المحن والقبول الذي اعطاه الله له في الارض وما واجهه من كيد اعداء الاسلام الذي لم يزده الا ثباتاً وقوة وصبراً ومصابرة ومرابطة وجهاداً في سبيل الله.
ان الحديث عن ذلك كله يحتاج الى وقت كبير وحسبي في هذه العجالة ان اشرت الى جانب من ذلك.
رحم الله الشيخ واسكنه فسيح جناته وامطر عليه شآبيب رحمته وجزاه عما قدمه للاسلام والمسلمين خير الجزاء وخلف الأمة من بعده بالعلماء الصالحين المسلمين.
ونحن اذ نعزي انفسنا في سماحة والدنا نقدم العزاء الى امام المسلمين خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني والى اسرة الشيخ المكلومة والى الأمة الاسلامية كافة,, وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ يقول (ان الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء), إنا لله وانا اليه راجعون .
توفيق بن عبد العزيز السديري
وكيل وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد المساعد