الموت حق، لأن حكمة الله جلت قدرته، اقتضت أن الحياة الدنيا، دار فناء، وان كل من عليها هالك ولا بقاء الا لله سبحانه كما قال سبحانه: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وانما الحياة الابدية في دار الخلود بعد البعث والنشور: إما شقاوة أبدية لأهل الكفر بالله ومعاندة شرعه، الذي شرع لعباده، وإما سعادة سرمدية لأحباب الله، المؤتمرين بأمره والمستجيبين لشرعه المنزل على رسله عليهم الصلاة والسلام.
ولو كان لأحد خلود، لبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم افضل الخلق، واكرم الأنبياء والمرسلين على الله، ولما مات قبله الأنبياء والمرسلون,, ولكنها سنة الله في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, والموت طريق كل سالكه، مهما طال بالانسان العمر، لكن وقعه اليم عندما يكون المتوفى ذا مكانة اجتماعية يسعد بوجوده خلق من البشر، أو عالماً طبقت شهرته الآفاق، أو محسناً يرق قلبه للضعفاء واصحاب الحاجات: يواسى فقيرهم ويسعى في مصالح ضعفائهم، ويبذل من جاهه وجهده، وماله ما يدخل البسمة على شفاه أضناها الحزن، ويفرح قلوباً عصرها الألم، وفقيدنا اليوم جمع تلك السجايا.
لقد فقدت المملكة علماً من اعلامها، يعتبر من بقية السلف الصالح بعلمه وورعه، وبذل نفسه لصالح دين الله: دعوة ومساعدة، وتفاعلاً مع قضايا المسلمين في كل مكان,, واهتماماً بشؤونهم لأن الدعوة الى دين الله هي جل هاجسه, وتصحيح العقيدة من البدع والشوائب التي لم يأذن بها الله وتتصادم مع الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي شغله الشاغل.
انه العالم الجليل، المحبوب في مشارق الارض ومغاربها، من جعل الله له القبول في قلوب أهل الايمان، سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مفتي عام المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء بالمملكة وادارة البحوث العلمية والافتاء ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي بمكة الذي انتقل الى رحمة الله يوم الخميس 27 محرم 1420ه الموافق 13 مايو عام 1999م.
ولا يسع كل مسلم الا الرضا والاستسلام لأمر الله والقول كما جاء في كتاب الله الكريم: انا لله وانا اليه راجعون والحمدلله على ما قضى ودبر، والمصائب عندما تحل بالناس فإنما هي ابتلاء واختبار.
ولا شك ان وفاته - رحمه الله - جعلت في الحناجر غصة، وفي القلوب ألماً لكن تحمل ذلك بالصبر الذي امر الله به، والدعاء له بجنة الفردوس الأعلى، وقد بشر الله الصابرين بالخير العميم فقال سبحانه: وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون، اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون نسأل الله ان يجعلنا جميعاً منهم.
فهو - تغمده الله بواسع رحمته - لم يكن من ذوي العلم الذين يباهون بعلمهم، ولم يكن صاحب منصب يستأثر بمنصبه، لكن العلم يزهو بمثله، والمنصب يسعد بأمثاله,, حيث كان في جميع اعماله ينظر ببصيرة العالم الورع، فيراعي مصلحة الدين وتعاليمه قبل كل شيء,, ويهتم بالضعيف حيث يوصي من حوله دائماً، بقوله: ارفقوا بالناس وساعدوهم في قضاء حوائجهم, الله يرحم ضعفنا وضعفهم: إنما تنصرون بضعفائكم,, ويأمر بالسعي في مصالحهم وتتبع حوائجهم حتى تنتهي بتأكيد ويقول: والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه.
ذلك ان فقدان الشيخ فقدان لأمور كثيرة: تعلمناها منه,, وآداب رفيعة اخذناها عنه تطبعاً وحسن توجيه، فهو مع علمه الجم، مدرسة بأخلاقه، ومدرسة بحماسته للدعوة الى دين الله، ومدرسة بحب الخير والمساعدة للقاصي والداني في كل شؤونهم بدون تمييز,, ومدرسة بالتواضع النادر مثله في هذا الزمان، يبين هذا عندما تأتي وفود من الخارج يريدون السلام عليه,, وبعد السلام والجلوس يسألني بعضهم: اين الشيخ ومتى يأتي حتى نسلم عليه ونشرح له قضايانا,, ولما اجيبهم: بأنه هذا الجالس الذي سلمتم عليه وبمجلسه المليء فئات من البشر من آفاق الدنيا بدون تفريق - هذا الشيخ الذي وهبه الله خصالاً هي سمو الاسلام ومثالياته، ولقد بكى امامي اكثر من شخصية اسلامية كبيرة بعد اخبارهم ليقولوا: تعودنا حتى من علماء بلادنا التعاظم والمواعيد المسبقة,, ان هذا لا نظير له الا فيما نقرأ من الكتب عن علماء السلف الصالح.
اما الكرم فناهيك بهذه الخصلة التي تتمثل فيه اكثر مما سمعنا عن كرماء العرب بالسخاء والبذل والوجه البشوش وهو خلق لم يكن تكلفاً فيه، بل سجية تطبع بها، منذ حداثته وهولا يملك من حطام الدنيا شيئاً فلما قدر سخره للضعفاء، ولذوي الحاجات,, اذ راحته في كثرة الضيوف,, وتوافر اصحاب الحاجات وادخال السرور عليهم.
ولئن كان الشاعر قد قال
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا فرس يموت ولا بعير ولكن الرزية فقد شخص يموت بموته خلق كثير |
فإن الشيخ عبد العزيز بن باز - اسكنه الله فسيح جناته - قد عرفه الناس منذ تولى القضاء عام 1357ه في الدلم بالخرج وحتى مساء الليلة التي توفي فيها - حيث لم يقعده المرض عن الاحتجاب عن الناس والسعي في مصالحهم: اجابة وافتاء ومساعدة وتشفعاً.
قد عرف - رحمه الله - بذلك الخلق لم يتزحزح عنه ولم يتبدل ساعة من نهار: مواعيد جلوسه ثابتة ومجلسه مفتوح في المكتب والبيت، ومائدته ممدودة وهواتفه لا تسكت ليلاً ولا نهاراً بالاجابات والتفاعل مع الناس في قضاياهم، وتبسيط الأمور امامهم، لأنه يطبق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وسجاياه الحميدة العديدة مستمرة ودائمة.
فالمسلمون في مشارق الارض ومغاربها عندما يختلفون في امر وتكثر امامهم الأراء يلجأون بالهاتف من اي ارض لسماحة الشيخ عبد العزيز فيصدرون عن رأيه ويرضون بما يوجههم اليه.
والجاليات الاسلامية في أنحاء المعمورة - رغم انه لم يغادر المملكة طول عمره - لا يحل قضاياهم ولا يريح قلوبهم في اي امر يريدون ولا يبذل الجاه لبناء مساجدهم ومراكزهم او يمدهم بالكتب الا الشيخ عبد العزيز بن باز.
ومع هذا فمن واقع معايشتي معه: فهو لا يصدر في أموره عن رأي شخصي ولا من عاطفة ذاتية ولكنها حمية الاسلام والتوثق من الدليل الشرعي: آية او حديثاً,, ثم استخارة الله سبحانه بعد ركعتين يدعو الله فيهما فان ارتاح قلبه اطمأن وعمل بعد التوكل على الله.
ولذا فإن الشيخ عبد العزيز أب رحيم وعطوف: على اليتامى والمساكين وعلى الارامل والفقراء، وعلى المحتاجين ومن لا تصل كلمتهم الى المسؤولين فيوصلها بشفاعة ودعوات للمشفوع تجعل قلبه يرق ويده تسخو ولعل الله سبحانه قد حقق له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جاء فيه: ان الله اذا احب عبداً جعل حبه في قلوب الناس ,, وما احصي كثرة الخصوم الذين يعتذرون اليه كتابياً وهاتفياً ومشافهة عن النيل منه سابقاً والتحدث فيه,, فيدعو لهم ويسامحهم ويعفو عنهم وعمن لم يعتذر.
وهذا من سماحة نفسه وطهارة قلبه الذي لا يعرف الغل، ولا يريد الا الخير، وناهيك بالحديث في امور الدنيا، تلك الخصلة التي لا تجدها في اي مجلس يجلس فيه: فإما سؤال عن احوال المسلمين عليه ان كانوا من الداخل وعن اولادهم واسرهم، او استيضاح عن الدعوة الى دين الله وطلاب العلم الشرعي، ونشاط العمل في هذا السبيل ان كانوا من الخارج او من ذوي العلاقة بالدعوة والعلم في الداخل,, وبعد ذلك يأمر احد القراء بتلاوة ما تيسر من كتاب الله ليشرع في تفسير تلك الآيات واستظهار معانيها,, وهكذا في المناسبات وفي حفلات الأعراس.
بعد ذلك يجيب على اسئلة الحاضرين,, وان بقي متسع في الوقت قبل انفضاض المجلس سأل عن الاخبار واخبار المسلمين في كل مكان.
ولئن كانت المنابر تبكي البلغاء والخطباء - كما يقولون - فان الاقلام تعجز عن ايفاء الشيخ حقه او التحدث بمآثره,, ولكن حقه علينا الدعاء,, ولا نقول في هذا المصاب الجلل الا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه ابراهيم: ان العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الا ما يرضي الرب، وانا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون وكل مسلم عرف الشيخ يقول: وإنا لفراقك يا أبا عبد الله لمحزونون,, احسن الله عزاء ذريته واهله، وعوض الله المسلمين من يخلفه ويترسم خطاه.
د, محمد بن سعد الشويعر