الحمد لله الحي الذي لا يموت القائل (انك ميت، وانهم ميتون) والقائل (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، افان مات، او قتل انقلبتم على اعقابكم,,) الآية والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين القائل: (ان الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن يقبضه بقبض العلماء) الحديث, او كما قال,, وبعد:
فلا شك ان وفاة الوالد سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس مجالس الرابطة، عالم الامة، وامام الدعاة في هذا العصر يرحمه الله اقول انها خسارة عظيمة على العالم الاسلامي كله فقد فقد المسلمون شيخا جليلا وعلامة فهامة له باع طويل في علم العقائد وفي علم الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك من فروع المعرفة الواسعة بجانب ما اعطاه الله من سعة الصدر وكرم الاخلاق والسخاء ونبل المشاعر وعفة النفس والزهد في مباهج الحياة وبذل الشفاعة الحسنة لكل من قرع باب جوده وحبه لفعل الخير والنصح لكل مسلم وان القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول الا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
إن من عرف سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز عن قرب يعرف فيه الاخلاق العالية، والتواضع الجم، والحدب على ذوي الحاجات، ومساعدة الفقراء والمساكين، يحب للناس جميعا ما يحبه لنفسه، يقدم النصح لكل كبير وصغير امتدادا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة, قلنا لمن يارسول الله, قال لله ولكتابه، ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) ولقد شرفنا - يرحمه الله - اكثر من مرة في الجامعة بمكة عندما كنت مديرا لها وفي نادي مكة الثقافي وكان آخرها عام 1419ه والتقى بالشباب لقاء ابويا اتسم بالصدق والحب والاخلاص كعادته يغفر الله له, واوصاهم بتقوى الله، والاستقامة على امر الله والجد في طلب العلم النافع, وكأنما كان - يرحمه الله - يودعهم.
ما دخلت داره في اي وقت الا وجدتها عامرة بالعلماء وطلبة العلم لا يفارقه الكتاب حتى في التنقل من مكان الى مكان مجالسه معطرة بالذكر وقراءة القرآن والكريم والسنة المطهرة، والموعظة الحسنة، بعيدا عن الغيبة والنميمة كأنك تعطيه الذي انت سائله، جاءه مرة رجل - وانا في مجلسه - وطلب منه المساعدة,, فأعطاه الشيخ مبلغا طيبا,, ولكن الرجل قال للشيخ,, ان هذا لا يكفي حاجتي,, فقال له الشيخ برفق وحنان ,, خذه وستكون فيه البركة باذن الله,, ولعل السائل ادرك ما يعني الشيخ فأخذه وانصرف شاكرا, وكان يرحمه الله يجيب دعوة محبيه من اصدقائه وطلابه على ما في ذلك احيانا من المشقة عليه - جبرا لخاطرهم، وتكريماً لهم، وكانوا يفرحون بذلك اشد الفرح, وادخال السرور على المسلم فيه اجر عظيم, كان يرحمه الله قوي الحافظة, حاضر الذاكرة، حتى وفاته مع انه - حسب علمي - قد قارب التسعين,, عمراً مديدا قضاه في خدمة العلم وطلابه، وقضاء حوائج المساكين والغرباء، لا يبخل على احد بعلم او مال او شفاعة.
بهذا كله وبغيره من الخصال الحميدة، احبه الناس جميعا, وترحموا عليه ودعوا الله من قلوبهم ان يتغمده الله بواسع رحمته، وان يجزل له الاجر والثواب, نسأل الله باسمائه الحسنى، وبصفاته العلا ان يسكنه الفردوس الاعلى من الجنة وان يجعل الخير والبركة في ابنائه وذريته، وان يلهمهم الصبر والاحتساب , ومع ان المصاب جلل,, ولكن ما عند الله خير واعظم , ومن حق كل طالب علم أن يعزي فيه فهو بمثابة والد الجميع وامامهم في هذا الزمن, اللهم اغفر له، وارحمه ، وتجاوز عنه, واخلفنا فيه خيرا.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
*عضومجلس الشورى ورئيس نادي مكة الثقافي الأدب