Friday 14th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 28 محرم


المكتبات الوقفية في المدينة المنورة
د, محمد بن عبدالله آل زلفة*

احتلت المدينة المنورة مكانة مقدسة في نفوس كل المسلمين خاصتهم وعامتهم وهذا أمر بدهي لا محاولة لتبريره فإليها كانت هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم, وبها اكتمل نزول الوحي وفيها بني أول مسجد في الإسلام وبها اقيمت أول حكومة إسلامية برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها اتخذت أول عاصمة لأول دولة في الإسلام، وظلت كذلك إلى حين انتقال مقر الخلافة الى بلاد الشام في عهد معاوية, ومنها خرجت جيوش المسلمين تحمل مبادىء الدين الإسلامي العظيم دين المودة والرحمة والحرية، والعدالة والمساواة بين جميع بني البشر.
ثم فيها قبر نبي هذه الأمة وقبور أهل بيته الأقربين وقبور الكثيرين من صحابته الغر الميامين صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اجمعين لكل هذه الأسباب مجتمعة احتلت المدينة المنورة هذه المكانة العالية في نفوس المسلمين وعلى مدى القرون والعصور وعلى مختلف الدول والحكومات، وتعبيرا عن هذه المكانة العالية لهذه المدينة المقدسة سارع المحسنون من كل اصقاع العالم الإسلامي الى تقديم كل بما يستطيع من مبرة أو حسنة لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسكانها وزوارها، ومن ضمن هذه المبرات والحسنات التي يصعب على المرء في مثل هذه العجالة ان يأتي على ذكرها او حتى القليل منها، وعمل مثل هذا يحتاج الى أبحاث معمقة ودراسات مستفيضة من ضمن هذه المبرات ما أوقفه المحسنون على مدارس المدينة ومكتباتها الخاصة التي عمرت خزائنها بأندر المخطوطات وفي جميع أنواع المعرفة من شرعية ولغوية وفقهية وتاريخية وجغرافية وغير ذلك من المعارف.
ومن المعروف ان المدينة المنورة وان كانت قد تحولت عنها عاصمة الخلافة إلا انها اصبحت واحدة من أهم مراكز العلم والمعرفة في العالم الإسلامي, فإليها كان يشد العلماء الرحال قادمين من كل أنحاء العالم الإسلامي وبالتالي تهوي إليها أفئدة الطالبين للعلم والمعرفة وقد اتخذ كثير من كبار العلماء من المدينة المنورة مقاما لهم فتضاعف لأجل هذا عدد المدارس وعدد المكتبات.
كما اختار كثير من كبار رجال الدولة وخصوصا في العهد العثماني وجلهم من العلماء المدينة المنورة مكانا لإقامتهم في المراحل الاخيرة من حياتهم جالبين معهم ثرواتهم وخزائن كتبهم فخصصوا جزءا من أموالهم أوقافا يعود ريعها على المدارس والمكتبات وأعمال الخير الأخرى, كما ان الدولة العثمانية جعلت من المدينة المنورة منفى شرفيا لبعض كبار رجال الدولة من الصدور العظام والولاة الكبار وكذلك بعض من تولى مشيخة الإسلام فاذا غضبت على أي من هؤلاء ولا تريد إلحاق أذى كبير بهم أمرت بنقلهم الى المدينة المنورة في وظائف هي الى الشرفية أكثر منها وظائف فعلية, ومنهم من مكث سنين في المدينة الى ان قضى نحبه بها فنجد الكثيرين منهم اشتغلوا بالعلم او قدموا خدمات جلى له ولرجاله جاءت ماثلة في ما اقاموا من مدارس ومكتبات ظل بعضها يحمل اسماء اولئك الرجال الى عهد قريب,هذا بالإضافة الى ان الكثيرين من الموسرين والموسرات والعلماء والمؤلفين والخطاطين ورجال الدولة والحكام من كافة أنحاء العالم الإسلامي كانوا يقدمون الهدايا من الكتب المخطوطة هدايا الى مكتبات المدينة المنورة وخصوصا خزينتها العامرة بالكتب والحجرة النبوية الشريفة كنوع من التبرك, وكانت كثير من هذه النوادر من مخطوطات المصاحف المكتوبة بماء الذهب والمزينة بأحسن الرسوم والمجلدة بالفاخر من الجلود والأقمشة الموشاة بأنفس وأندر المجوهرات تحفظ في الحجرة النبوية.
ولم تقتصر الهدايا على المصاحف وغيرها من امهات الكتب بل كانت تشمل الشمعدانات والقطع النفيسة من القناديل والتحف الرائعة الموشاة بالذهب والفضة وأندر وأجود أنواع الأحجار الكريمة والمجوهرات التي كان يتفنن الصاغة المهرة في صناعتها لكي تتناسب مع مكانة وعظمة المكان المهداة إليه.
والحديث حول دراسة هذه النفائس ولو من الناحية التاريخية والقيمة الفنية والاثرية يطول ويحتاج في حد ذاته بمؤتمر خاص به مثلما هو مؤتمر المكتبات الوقفية المنعقد حاليا بالمدينة,وسأقتصر ما تبقى من حديث وبقدر ما تسمح به المساحة المتاحة على المكتبات الوقفية في المدينة المنورة وما يعود منها بشكل خاص الى الفترة العثمانية التي ظلت عامرة الى وقت قريب كأبنية ،اما محتوياتها من الكتب والمخطوطات فإنها قد جمعت في مكان واحد أو أماكن متفرقة، في انتظار فهرستها ونشر فهارسها وفي انتظار إعادة توطينها في مجمع حضاري يليق بمكانتها بالشكل الذي أشرت اليه في مقالي السابق بهذه الصحيفة بتاريخ الخميس 20 محرم 1420 تحت عنوان الوقف الإسلامي وخدمة الكتاب ودور العلم .
وتتكون المكتبات الوقفية في المدينة المنورة من سبع عشرة مكتبة منها ما هو متخصص في المصاحف الشريفة فقط مثل مكتبة الروضة المعطرة التي بلغ عدد المصاحف النادرة بها 1801 مصحف ثم مكتبة مدرسة السلطان محمود (1703 1754) والتي يبلغ عدد المصاحف الشريفة والكتب النفيسة بها 4569.
اما بقية المكتبات وما تحتوي عليه من الكتب فهي كالتالي:(1)
عدد الكتب واسم المدرسة والمكتبة.
1659 مكتبة السطان عبدالحميد الأول (1774 1798م).
2063 مكتبة مدرسة المرحوم بشير أغا اغا دار السعادة بباب السلام.
1246 مكتبة مدرسة الشفاء للمرحوم فيض الله أفندي شيخ الإسلام الاسبق.
4404 مكتبة مدرسة المرحوم عارف حكمت بك شيخ الإسلام.
1269 مكتبة مدرسة عمر أفندي قره باش.
593 مكتبة مدرسة مصطفى أفندي ساقزلي.
457 مكتبة مدرسة الحاج أمين باشا شيخ الحرم السابق.
461 مكتبة مدرسة مصطفى أفندي المسماة بالاحسانية.
1100 مكتبة تكة المرحوم الشيخ مظهر أفندي.
100 مكتبة مدرسة المرحوم حسين أغا ناظر التكة المصرية.
150 مكتبة مدرسة المرحوم امين افندي الفنايرجي.
206 مكتبة محمود ثروت أفندي (احد المجاورين كان حيا عام 1303ه).
1050 مكتبة المرحوم الأفندي البساطي احد ائمة وخطباء الحرم.
157 مكتبة مدرسة الكبلي الناظر (احد المجاورين).
500 مكتبة المرحوم سليم بك رئيس قرناء الحضرة السلطانية.
22914 يكون مجموع محتويات هذه المكتبات من الكتب.
ومن المصادر الدقيقة للمعلومات الوافية عن محتويات الحجرة النبوية وخزينة مكتبة المدينة من المصاحف النادرة بوصفها المفصل وأنواعها واحجامها واسماء المهدين لهذه المصاحف من حكام وعلماء وتجار العالم الإسلامي فقد ورد مفصلا في دفتر بخط اليد بخط رقعة جميل وهو عبارة عن جرد شامل بكل المصاحف المودعة في الحجرة النبوية، قامت به هيئة من كبار موظفي الادارة في المدينة المنورة بما فيهم شيخ الحرم النبوي الذي كان يحتل أعلى سلم الهرم الوظيفي في المدينة المنورة قبل ان تتحول المدينة الى منطقة ادارية منفصلة عن إمارة مكة, يشتمل هذا الدفتر على 44 ورقة كبيرة بمقاس 34x23 سنتمترا كتبت في شهر رجب 1310ه, وقد حصل كاتب هذه السطور على هذا الدفتر بنسخته الأصلية اثناء سنوات الترحال في البحث عن مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث.
هذه لمحة موجزة عن المكتبات الوقفية في المدينة المنورة اردت بإيرادها مشاركة اخواني وزملائي علماء المكتبات السعوديين المنعقد شملهم في المدينة المنورة هذه الأيام لدراسة اوضاع المكتبات الوقفية في المملكة وهي خطوة مباركة وإن كانت متأخرة ولكن الأمل أن تتلو هذه الخطوة خطوات في الطريق الصحيح خدمة لتراث هذه البلاد الذي ظل مهملا او مجهولا او متجاهلا.
وانني اتوجه الى الاخوة الزملاء بألا تكون ابحاثهم ابحاثا أكاديمية بل نريد ابحاثا اكاديمية تطبيقية أي نريد خطوات عملية تخرج لنا كنوز تراثنا من مخابئها وهي مخابىء غير سارة لا تليق بتراث هو تراث الإسلام وحضارته وليأخذوا من تجربة الغرب عبرة ومثلا يحتذى في طريقة حفاظهم على ما وصل اليهم من تراثنا من حيث اماكن الحفظ والفهرسة من حيث وضع الأدلة الكاملة عن كل ما تحتوي عليه مكتباتهم من تراثنا حتى ولو كان قطعة من ورقة واحدة وجعلها ميسورة لكل باحث من أي مكان في الارض,
واني لأرجو ان تكون توصيات المؤتمر توصيات عملية قابلة للتنفيذ في أقرب الأوقات ولا سيما ونحن ولله الحمد أصبحنا نملك كل مقومات القدرة على المباشرة في التنفيذ في خدمة تراثنا وتراث امتنا من حيث المؤهلين من كبار المكتبيين والمحققين والباحثين والمكتبات ومراكز البحوث ان المرء ليتألم اننا ما زلنا رغم كل هذه الامكانات في السلم الأدنى من حيث الاهتمام بتراثنا والمشاركة في فهرسته والتعريف به وتحقيقه ونشره وتمكين الباحثين من الاستفادة منه سواء كان اولئك الباحثون من ابناء هذه البلاد او من غيرها, وفق الله الجميع لكل خير وما فيه خدمة هذه البلاد وتاريخها وتراثها.
*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر جامعة الملك سعود -عضو مجلس الشورى
(1) المصدر: اعتمدت في إيراد هذه المعلومات على سالنامة الحجاز باللغة العربية لعام 1303ه المطبوعة في المطبعة الميرية بمكة المحمية.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
المتابعة
أفاق اسلامية
المزهرية
الرياضية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved