Monday 17th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 2 صفر


فقد العلماء

الحمدلله الذي يبلو عباده بالمصائب، فمن صبر واحتسب أعظم له المولى المثوبة والأجر، ومن سخط فله من الجبار السخط والرزء، والصلاة والسلام على خير من ابتلي فصبر، رسولنا محمد بن عبد الله، رزىء بفقد فلذة كبده ابراهيم، فكان قدوة للصابرين وأسوة للمحتسبين: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون).
قبل مدة يسيرة استودعنا من لا تضيع ودائعه شيخا فاضلاً وعالماً جليلاً مثله يفدى يالغالي والنفيس لو نفع الفداء:
ولكن إذا حم الفضاء على امرىء
فليس له بريقيه ولا بحر
لقد سبقنا الى القضاء المحتوم والى دار القرار فضيلة الشيخ الوالد الجليل صالح بن علي الغصون - رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة - وللشيخ في سويداء القلب منزلة لا تدانى، اذ له من الأفضال ما لا يحصى، وله من المآثر ما يند عن الحصرُ ويكفيه علمه الشرعي وإن فقد العالم لخسارة عظمى:
لعمرك ما الرزية فقد مال
ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد نفس
يموت بموتها بشر كثير
ولم تندمل جراح فقد هذا الشيخ الفاضل حتى رزئنا بشيخه وشيخ العلماء بل شيخ الأمة جمعاء العابد العلامة بقية السلف الصالح عبد العزيز بن باز رحمه الله، الذي كان اذا رئي أو سمع ذكر الله، رجل من أهل الآخرة يمشي بين أهل الدنيا، مبارك أينما كان، حمل هم الامة كلها حتى ظن من لقيه في شأن انه لا شأن للشيخ سوى شأنه، وبارك الله في وقته وعمله حتى غدا كأنه رجل بألف رجل بل بأكثر، لا يأتيه ذو حاجة الا وجدته كحامل المسك لا يخرج من عنده الا بقضائها او الشفاعة فيها
وإذا امرؤ أهدى اليك صنيعة
من جاهه فكأنها من ماله
لقد جمع الشيخ الفقيد من الصفات محامدها، ومن الخلال أوفاها، لقد كان -بوأه الله الفردوس الأعلى من الجنة - كما قال الشاعر
مطهر الاخلاق محمودها
سيان ما يخفي وما يبدي
ما إن رآه أحد ناطقاً
بالفحش في هزل ولاجد
ولا رآه أحد مائلا
به الهوى عن سنن الرشد
سهل قريب هين لين
يعرف بالعفة والقصد
فعليه وعلى أخيه الشيخ ابن غصون وسائر علمائنا رحمة الله ورضوانه
لكل اجتماع من خليلين فرقة
وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد
دليل على أن لا يدوم خليل
لقد اجتمع في الشيخين الفاضلين - رفع الله منزلتهما في عليين ورزقنا واياهما مجاورة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الجنة من الخلال والصفات الحميدة ما يندر ان تجتمع في رجل واحد اذ كانا من اهل القرآن يعرفان بليلهما اذا الناس نائمون وبنهارهما اذ الناس مفطرون وبحزنهما اذا الناس يفرحون، وببكائهما اذا الناس يضحكون، وبورعهما اذا الناس يخلطون، وبخشوعهما اذا الناس يختالون وبصمتهما اذا الناس يخوضون.
لقد كانا - رحمهما الله - من أهل الدين والعلم والمروءة وكانت مجالستهما تجلو عن القلوب صداها وتدل على مكارم الأخلاق وتزكي النفوس.
ان فقد العلماء خسارة عظيمة للأمة تعزى كلها بفقدهم فهم مصابيحها التي يهتدي بها في الشدائد والملمات، ورحم الله ابا مسلم الخولاني حيث يقول: (انما الناس مع العلماء مثل النجوم في السماء اذا ظهرت لهم اهتدوا واذا خفيت تحيروا).
ان المحب للشيخين الراحلين - يرحمهما الله - لا يقول الا ما يرضي الله: (انا لله وانا اليه راجعون) ولا يملك الا ما ينفعهما اليوم بعد رحيلهما الا وهو الدعاء لهما، فنسأل المولى عز وجل لهما وقد وسدناهما الثرى ان يغفر لهما ويرحمهما وان يجعل هذه الايام اسعد ايامهماقد أمنا العقاب، وفرحا بالثواب، ورأيا منزلهما من الجنة اللهم ارحم غربتهما، وآنس وحشتهما، واستر عورتهما يوم تكشف الهنات والسوءات واجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وأبدلهما دارا خير من داريهما، واهلاً خيرا من اهليهما، واحشرنا واياهما مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن اولئك رفيقا.
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات!
أخو العلم حي خالد بعد موته
وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو يمضي على الثرى
يعد من الاحياء وهو عدي
أ,د, صالح بن حسين العايد

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق السفر وبطاقات الائتمان
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved